الرئيسية » أسرتي » شباب » عصبيةُ الشبابِ.. مفاتيحُ التغلُّبِ عليها وإطفاءُ لهيبِها

عصبيةُ الشبابِ.. مفاتيحُ التغلُّبِ عليها وإطفاءُ لهيبِها

تقرير: محمود هنية

العصبيةحينما تسيطرُ العصبيةُ على الشخصِ، وتتملِكُه؛ تُفقِدُه توازُنَه النفسيَّ؛ خصوصاً إذا زادتْ عن حدِّها، فهي نقطةُ ضعفٍ تحمِلُ  في طياتِها الكثيرَ من التبِعاتِ على الشخصِ وعلى مَن حولَه، وقد حثَّنا رسولُنا الكريمُ “صلى الله عليه وسلم” على تجنُّبِ العصبيةِ؛ لآثارِها الجسيمةِ على النفسِ والمجتمعِ ، فيقولُ خيرُ البشرِ “صلى الله عليه وسلم:”  ليس الشديدُ بالصُّرعةِ، إنما الشديدُ من يُمسِكُ نفسَه عندَ الغضب”.

“الثريا” تدُقُّ ناقوسَ عصبيةِ الشبابِ، وتعرُجُ على أسبابِها، وتُطلِعُنا على بعضِ المفاتيحِ العلاجيةِ للعصبيةِ مع الاختصاصيةِ النفسيةِ “نجوى عوض” والتي ترى أنّ عصبيةَ الشبابِ واندفاعَهم؛ يراها البعضُ ظاهرةً طبيعيةً في هذه الفترةِ العُمرية، وقد يكونُ ذلك صحيحاً إلى حدٍّ ما، ولكنّ العصبيةَ إذا زادتْ عن حدِّها؛ فلا بدَّ من التعاملِ معها على أنها ليستْ ظاهرةً طبيعيةً على الإطلاقِ.. بل ظاهرةً تحتاجُ إلى تعامُلٍ خاصٍّ ؛يتيحُ من خلالِه للشبابِ العصبيِّ الإقلاعَ عن تلكَ العصبيةِ أو تحجيمِها على الأقلِّ.

مسببات العصبية

ولعصبيةِ الشبابِ أسبابٌ كثيرةٌ؛ تُورِدُها “عوض” منها أسبابٌ نتيجةَ التكوينِ الموروثِ في الشخصية، وفي هذه الحالةُ يكونُ أحدُ الوالدَينِ عصبياً فِعلاً، ومنها أسبابٌ بيئيةٌ؛ مِثلَ نشأةِ هؤلاءِ الشبابِ في جوٍّ تربويٍّ مشحونٍ بالعصبيةِ والسلوكِ المشاكِسِ الغضوبِ.

وتوجِّهُ “عوض” قولَها للوالدَينِ ولكلِّ المتعاملينَ مع الشبابِ من الجنسَينِ: إنّ الحديثَ مع الشبابِ بفظاظةٍ وعدوانيةٍ، والتصرُّفَ معهم بعنفٍ، يؤدّي بهؤلاءِ الشبابِ إلى ذاتِ التصرّفِ من حيثُ العصبيةِ.. بل قد يتمادوا للأشدِّ منها تأثيراً، فالشبابُ يتعلمونَ العصبيةَ في معظمِ الحالاتِ من الوالدينِ أو المحيطينَ بهم.

وترى “عوض” أنَّ تَشَدُّدَ الأهلِ مع الشبانِ والشاباتِ بشكلٍ مُفرِط، ومُطالبتَهم بما يفوقُ طاقاتِهم وقدْراتِهم من التصرفاتِ والسلوكياتِ؛ يجعلُ الشبابَ عاجزاً عن الاستجابةِ لتلكَ الطلباتِ، والنتيجةُ إحساسُ هؤلاءِ الشبابِ بأنَّ عُدوانـاً يُمارَسُ عليهم، يؤدّي إلى توتُّرِهم وعصبيتِهم، ويدفعُهم ذلك إلى عدوانيةِ السلوكِ الذي يعبِّرونَ عنه في صورتِه الأوَليةِ بالعصبيةِ، فالتشدُّدُ المفرِطُ هذا ؛يحوِّلُ الشبابَ إلى عصبيِّينَ متمرِّدينَ ثائرين، كما أنَّ التدَلُلَ المُفرِطَ له ذاتِ التأثيرِ من حيثُ العصبيةِ، فالمُدلَلُ يعتادُ الحصولَ على كلِّ ما يريدُ، وكلمتُه أوامرُ، فإذا خرجَ إلى المجتمعِ الخارجيِّ؛ يواجِهُ إحباطاً؛ إذا لم يحصُلْ على ما يريدُ؛ يجعلُه عصبياً.

وتزيدُ الاختصاصيةُ عوض :”هناك أسبابٌ أُخرى مختلفةٌ لعصبيةِ الشبابِ من الجنسينِ منها: ضيقُ المنزلِ، وإهمالُ حاجتِهم الحقيقةِ للاسترخاءِ والراحةِ لبعضِ الوقت، كما يلعبُ التفكُّكُ الأُسَري دوراً رئيسًا في عصبيةِ الشبابِ، فالشابُّ أو الشابّةُ يشعرانِ بسرعةٍ بهذا التفكُّكِ؛ حتى لو حاولَ الوالدانِ أنْ يخفياهُ، وهذا التفكُّكُ يثيرُ لَدى الشبابِ قلقاً نفسياً شديدًا؛ يعود إلى إحساسِهم بصعوبةِ التوفيقِ بين حبِّهمِ لطرَفٍ وحبِّهم للطرَفِ الآخَرِ.. وإلى أيِّ الأطرافِ ينحازونَ.. فهذا القلقُ يؤدّي إلى ردودِ فعلٍ عدوانيةٍ؛ قد تُتَّخَذُ العصبيةُ شكلاً لها، والغَيرةُ الأخويةُ قد تكونُ في بعضِ الأحوالِ عاملاً من عواملِ عصبيةِ الشباب، وغيابُ الحنانِ والدّفءِ العاطفيّ داخلَ الأُسرةِ التي ينتمي إليها الشابُّ أو الفتاةُ ؛ سواءٌ بين الوالدينِ ، أو الإخوةِ، والقسوةُ في التربيةِ منذُ الطفولةِ ، سواءٌ بالضربِ أو السبِّ ، أو عدَمُ تقبُّلِ الابنِ وتقديرِه ، أو تعنيفُه لأتفَهِ الأسبابِ.

آليات العلاج

 بتلكَ الكلماتِ السابقةِ استعرَضتْ الاختصاصيةُ “عوض” مُسبِّباتِ العصبيةِ لَدى الشبابِ، ومع أ. “وجدي أبو سلامة” أستاذِ الشريعةِ الإسلاميةِ؛ يبيِّنُ العلاجَ النبويّ للتخلّصِ من العصبيةِ، وعدمِ مجاراتِها حيثُ يقولُ :”أمرَ النبيُّ “صلى الله عليه وسلم” مَن غضِبَ بِتعاطي أسبابٍ تَدفَعُ عنه الغضبَ، وتُسكِنُه، وتمنعُ شرَّه، ومن ذلك:
1.الاستعاذةُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ، فيلاحظُ أنّ أكثرَ الناسِ اليومَ استعاذتُهم كعَدمِها فما تفسيرُ ذلك ؟ والجوابُ أنّ الاستعاذةَ مشروطةٌ بالفهمِ مع الشروعِ فورًا  باللجوءِ إلى اللهِ مع النطقُ بها، أمّا مجرَدُ النطقِ بكلماتٍ دونَ عملِ القلبِ؛ فإنّ ذلك لا يُجدي على القائلِ شيئاً يُذكَرُ.
3. تغييرُ الهيئةِ من القيامِ إلى الجلوسِ، وإلا فمِن الجلوسِ إلى الاضطجاعِ، لقولِه صلى الله عليه وسلم:(إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ).
4. السكوتُ : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(إذا غضبَ أحدُكم فلْيسكُتْ ). وهذا دواءٌ عظيمٌ للغضبِ، أنْ يحبِسَ الإنسانُ لسانَه، ويجتهدَ في ذلك؛ لأنّ الغضبانَ يصدُرُ منه في حالِ غضبِه من القولِ ما يندَمُ عليه في حالِ زوالِ غضبِه؛ كثيراً من السبابِ وغيرِه ممّا يَعظُمُ ضررُه ، فإذا سكتَ ؛زالَ هذا الشرُّ كلُّه عنه.
5.أمرَ اللهُ تعالى أنْ يقابَلَ الجاهلُ بالإعراضِ عنه، وعدمَ مقابلتهِ بجَهلهِ، فمن آذَى شابّاً مسلماً بقولِه أو بفعلِه؛ فلا يؤذِهِ، ومن حرمَه لا يحرِمْه، ومن قطعَه يصِلْه، ومن ظلمَه يعدِلْ فيه، فالأمرُ هو الإعراضُ عن الجاهلِ مع إقامةِ حقِّ اللهِ عليهِ، وعدمِ الانتقامِ لنفسِه .

ولمّا كان الإنسانُ لا بدَّ أنْ يغفُلَ، وينالَ منه الشيطانَ؛ الذي لا يزالُ مرابطاً ينظرُ غرَّتَه وغَفلتَه؛ ليستعملَ أسلحتَه في هياجِ الغضبِ أكثرَ؛ ليَركَبَه كيف يشاءُ، فيُوسوِسَ له أنّ سكوتَكَ عجزٌ منكَ ومَهانةٌ وذِلةٌ، ولو تركتَه لتجرَّأَ عليكَ، وتعوَّدَ على مهانتِكِ، فلا بدّ أنْ تؤدِّبَه، وتوقِفَه عند حدِّه، وتُعرِّفَه قدْرَه . . . إلخ.
من أجلِ هذا، أمرَ اللهُ بالاستعاذةِ منه في هذا الموطنِ، واعلَمْ بأنّ اللهَ يسمعُ ما قيلَ لكَ، وما ستقولُه، ويعلمُ ما فُعلَ بكَ، وما ستفعلُه، ويعلمُ نيَّتكَ وضعفَكَ وقوةَ التجائكِ له، فسيَحميكَ من فتنتِه، ويقيكَ من وسوَستِه، وحينئذٍ يتذكَّرُ المؤمنُ التقيُّ أنّ ما يدورُ في نفسِه من شرٍّ، ما هو إلا طائفٌ من الشيطانِ، ومن ثَمَّ يستغفرُ ويستعيذُ، ويرى الأمرَ على حقيقتِه، وأنه كان على وشكِ السقوطِ في شَرَكِ الشيطانِ، وهذا بخلافِ الغاوينَ الذين تتلاعبُ بهم الشياطينُ، ولا يدَّخِرونَ وُسعاً في إغوائهم، ولا يقفونَ معهم عند حدٍّ، من الأقوالِ والأفعالِ.

 تذكَّرْ أنّ الجزاءَ من جنسِ العملِ، كما يقولُ تعالى (ولْيعفوا ولْيصفحوا، ألا تُحبّونَ أنْ يغفرَ اللهُ لكم، واللهُ غفورٌ رحيم) وكما يقولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم {إنما يرحَمُ اللهُ من عبادِه الرُّحَماءَ}. فكذلكَ إذا لم يُنفِذْ غضبَه، ولْيذكُرْ أنه إذا أمضى غضبَه؛ لم يأمنْ أنْ يُمضيَ اللهُ فيه غضبَه يومَ القيامةِ، حين يكونُ في أشدِّ الاحتياجِ إلى العفوِّ ، ولْيذكُرْ ردَّ فعلِ الخصمِ وعداوتَه، وتشميرَه في هدمِ أعراضِه والشماتِة بمصائبِه وغيرِ ذلك كثيرٌ .

 أنْ يذكُرَ أنّ الشيطانَ أحرَصُ ما يكونُ على الإنسانِ؛ عندما يهُمُّ بالخيرِ، أو يدخُلُ فيه، فهو يشتدُّ عليه حينئذٍ ليَقطعَه عنه، وكلّما كان الفعلُ أنفعَ للعبدِ، وأحبَّ إلى اللهِ تعالى؛ كان اعتراضُ الشيطانِ له أكثرَ، وإنْ كظمَ الغيظَ، وتركَ الغضبَ؛فذلك هو جِماعُ الخيرِ وترْكُ الشرِّ.

وبالتالي فإنّ الشيطانَ سيدفَعُ بكلِّ ما في جَعبتَه ؛لإفشالِ الخُطةِ، وتوهينِ العزيمةِ، والتيئيسِ من مقاومةِ الغضبِ والحِدَّةِ والانفعالِ والطيشِ، وهكذا ينبغي للمؤمنِ الذي يريدُ أنْ لا يَغضبَ، ينبغي أنْ يكونَ عالماً بمِثلِ هذه المداخِلِ الشيطانيةِ؛ ليَقمعَ شيطانَه، ويُرغِمَه مُستعيناً باللهِ كما مضَى.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عقلك براسك

بقلم: رشا فرحات قرأتُ قصةً على السريعِ لشخصٍ أُصيبَ بالشللِ، وقضى أربعَ سنينَ يَجمعُ( 22) ...