الرئيسية » فلسطينيات » أسرانا » العزل الانفرادي …عنجهية صهيونية تقهرها إرادة الأسرى

العزل الانفرادي …عنجهية صهيونية تقهرها إرادة الأسرى

تقرير: محمد قاعود

الأسر، ضريبة باهظة الثمن، تدفعها أضعافا، ليس لشيء سوى لأنك ترفض المحتل وترفض وجوده على ثرى وطنك، فتصبح خلف جدران صامتة معتمة تشهد أيامك ولياليك التي يؤنسها وجود أسرى آخرين في نفس الزنزانة يشاركونك همومك ويخففون جزءاً من وحدتك، لكن الاحتلال بجبروته يدفع عنك ادنى حقوقك الانسانية فيلجأ إلى العزل الانفرادي الذي لا يصل إلى أي مستوى آدمي في التعامل والوصف.

وقد نُشرت العديد من التقارير الدورية المختلفة لمؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية حال الأسرى المعزولين وفي هذا التقرير محاولة لتسليط الضوء على معاناة الأسرى في العزل الانفرادي ونصف جزءاً من تفاصيل مجهولة لا يتوقعها العقل ولا القلب البشري.

في لقاء “الثريا” مع المختص في شئون الأسرى  فؤاد الخفش مدير مركز أحرار لدراسات الأسرى يعرف حالة العزل بأنها” وضع الأسير في حيز مكاني يتميز بالضيق الفيزيائي والسيكولوجي، يتم الحرص فيه على التأكد من خلوه من مظاهر الحياة المختلفة وجعلها في حدودها الدنيا أو دون ذلك، وعلى الأخص منها مظاهر الحياة الاجتماعية والإنسانية، وذلك لإبقاء الأسير في حالة حصار وانحباس دائمين بتضييق المساحات الفيزيائية والإنسانية إلى أدنى درجاتها كي يصبح هذا الحصار والانحباس نمط حياة قسري مفروض على الجسد”.

أما الشخص المعزول فهو كما يوضح الخفش: ذلك السجين المصنف بأنه سجين غير عادي لا ينبغي أن يعيش مع السجناء العادين بل يفصل عنهم، ويوضع في شروط حياة مختلفة، ويخضع لإجراءات اعتقالية مختلفة، منتقص الحقوق الممنوحة بالعادة للأسير العادي، وهناك أكثر من سبب لاعتباره غير عادي أولها وأهمها تصنيفه على أنه شخص “خطير” يمثل خطر بذاته، أو خطر على غيره، أو اعتباره صاحب تأثير خطير فكريا وماديا، والخشية أحيانا من صورة البعض باعتبارها المثل والنموذج والقدوة، وهناك أسباب أقل أهمية مثل الأسباب الوقائية المتعلقة بمن يسمون بـ”المحميين” أو لأسباب عقابية.

ويبين الخفش “للثريا” أنواع العزل الانفرادي وهو : نوعين الأول هو العزل المزدوج الذي يكون فيه شخصين، و الثاني هو العزل المنفرد ويوضع الأسير في زنزانة لوحده دون وجود أي أسير معه في الزنزانة، وهذا النوع هو الأقسى والأصعب والأثقل على الأسير.

وبتابع مدير مركز أحرار :”يمر الإجراء القانوني بحق المعزول ضمن عدة مراحل وإن كانت هذه المراحل في غالبيتها صورية وشكلية لأن القرار الأساسي المتخذ بحق أي معزول لا يقرره القضاة في المحاكم بل يقرره ضباط أمن “الشاباك” أو ضباط أمن “الشاباص” ويعود لهؤلاء وحدهم تقدير المدة الزمنية التي ينبغي أن يمضيها المعزول في العزل “.

ويمر تسلسل العملية بعدة مراحل هي:” إبلاغ السجين بصورة مفاجئة من قبل إدارة السجن بأنه منقول إلى سجن أو قسم أّخر ، وفي العديد من الحالات لا يعلم المنوي عزله على وجه التحديد أنه مساق إلى أحد أقسام العزل، لذلك قد يعاني في أنه لم يتحسب ويأخذ ما يلزمه من حاجياته الضرورية، وبالعادة لا تخضع الفترة الأولية “6 شهور-سنة” للمعزول لقرار قضائي من المحكمة، بعد مضي فترة ستة الشهور الأولى للمعزول بشكل فردي وفترة السنة للمعزول بشكل ثنائي يتوجب عرض قضية العزل المعزول على محكمة مدنية للبت في القضية بحيث تصبح إقامة السجين في أقسام العزل بعد ذلك سارية بحكم قضائي من المحكمة حسب الخفش.

وتنقسم طبيعة المدة الزمنية التي تصدرها المحكمة بحق المعزول تبعا لشروط حياة العزل كما يبين الخفش فإن كان ممن تقضي المحكمة بعزله عزلا انفراديا أحاديا بدون  أي شريك اخر في الحجرة ، فإن المدة الزمنية القصوى التي تحكم بها المحكمة هي ستة شهور، بينما الذين تقضي لهم المحكمة بأن يكونوا ممن لهم شريك آخر في الحجرة، فإن المدة الزمنية لعزلهم ولمثولهم القادم مرة أخرى أمام المحكمة هي سنة كاملة وهذه العملية أصبحت روتينيا صوريا وشكليا وأوتوماتيكيا ولا تحمل أي معنى غير ذلك.

أشبه بالقبر

و يوضح الخفش للثريا:” يتكون كل قسم من أقسام العزل من مجموعة من الحجرات يتراوح عددها ما بين (10-20) حجرة حسب هذا السجن أو ذاك، وتختلف هذه الحجرات من سجن لآخر من حيث المساحة التهوية، شبكة الصرف الصحي، هناك أقسام عزل بنيت وصممت خصيصا بهدف أن تكون مكانا لتنفيذ عقوبة العزل وهي أشبه ما تكون بمختبر يشرف عليه متخصصون وخبراء في علم النفس وعلم الإجرام فضلا عن خبراء في الأمن والشرطة” ، مشرا إلى أنه بالنسبة للمباني القديمة فهي الأضيق وفي حدودها الدنيا، إذ أن مساحة زنزانة العزل في سجن عسقلان هي عبارة عن 1,2م*2,5م/ أي 3م2.

و يبين الخفش أن هذه المساحة مشغولة بكل من: برشان حديديان “سفلي وعلوي” بمساحة 80سم*1,80سم ، وحمام ومرحاض مشتركان بمساحة 1م*1,20م وباب عبارة عن ستارة بلاستيكية، ومغسلة في زاوية الحجرة الموصولة بالزاوية المقابلة للحمام والمرحاض، وطاولة صغيرة يوضع فوقها التلفزيون ، كذلك رفوف خشبية مثبتة في أعلى جدار الحجرة لاستيعاب حاجيات وأغراض الأسير سواء الملابس أو أدوات الطبخ ومواد الطعام “.

ويصف الخفش مكان العزل بالقول:” بهذا يستحيل في هذا الحيز المكاني ممارسة المشي فهو أشبه بالمكان المكتف، ويزداد ضيقا عندما يشغل هذا الحيز سجينين اثنين، حيث تتعذر صلاة الجماعة على ما تبقى من هامش مساحة متاح فيضطر أحدهما شغل المكان المتاح وهو بعرض بلاطة ونصف تقريبا “40سم” في حين يصلي الاخر فوق البرش العلوي. وهذا التقسيم الداخلي للحجرة يشبه إلى حد قريب ما عليه الحال في أقسام عزل “هشارون” و”كفاريونا” والرملة القديم ، مع بعض الاختلافات المحدودة في شكل هندسة الحجرة” .

ويذكر مدير مركز أحرار أن جدران السجن مهترئة حيث تسمح بنفاذ مياه الأمطار في فصل الشتاء فضلا عن صدأ حديد الشبابيك والأبواب والأبراش ونتيجة الشكوى المتزايدة في السنين الأخيرة من هذا النوع من أقسام العزل التي طالما عكست لا إنسانيتها وقساوة شروطها تقارير الصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية والتقارير الصحفية ،فقد قامت إدارة السجون في العام الماضي 2010 بإعادة ترميم حجرات هذه الأقسام وإعادة توزيع المساحة الداخلية للحجرة لتصبح أكثر معقولية وقربا من شروط أقسام عزل السجون الجديدة “حدث ذلك في كل من عسقلان، هشارون، وهوليكدار. أما سجن كفاريونا فقد تم إغلاقه منذ 2009”.

و يضيف الخفش:” أقسام العزل بسوء التهوية بشكل عام ، خاصة وأن مجموعة السجون الإسرائيلية واقعة ضمن حيز جغرافي بخصائص مناخية تتمتع بالرطوبة والحرارة العاليتين في ستة شهور السنة الجافة”.

أما عن البيئة الصحية للمكان خفش فيقول :” إن غياب ضوء الشمس الطبيعي بالكامل أو جزئيا أو غياب الهواء المشبع بالأكسجين النقي لا يتركان آثارهما السلبية على النفس والجسد فقط بل أيضا يتركان آثارهما السلبية حتى على الجدران الجامدة والهيكل المادي للحجرات ففي معظم الأبنية القديمة قبل التصليحات الأخيرة “عسقلان، الشارون، ايشل” يوجد اهتراء في البنية التحتية للمكان من طول الاستعمال فهناك بعض جدران الحجرات المنفذة للماء في فصل الشتاء كما هناك الصدأ الذي يأكل حديد الحجرة “.

 كما يبين الخفش “للثريا” تنتشر الحشرات خاصة الصراصير على نطاق واسع وبكميات كبيرة في سجون السهل الساحلي بالإضافة إلى الفئران التي لكثرتها كان لها أزيزا أثناء حركتها في العلب المربعة التي كانت تغلف كابلات وتمديد الكهرباء في عزل هشارون، ويضاف لذلك طبقات من العفن والطحالب الخضراء التي تنتشر في السقف وزوايا الجدران العلوية خاصة في فصل الشتاء وتكون أشد انتشارا في السجون الأقل تهوية !! ففي أيلون ينبت الفطر على الأبراش “من الباطون وإذا لم ينظف السجين برشه كل يوم ويزيل الفراش ويسلط المروحة الهوائية عليه  فإن الفرشة ذاتها سوف تغدو مبللة وإذا أهملت لعدة أيام يغزوها العفن والاهتراء !!

وفيما يتعلق  بمواد التعقيم أو التنظيف الصحية التي توفرها إدارة السجون كما يوضح الخفش فهي دون الحد الأدنى وفي بعض الأحيان تكون معدومة فباستثناء سجن عسقلان الذي كانت إدارته تقوم بشكل منهجي برش الحجرات بالمبيدات فإن توفر هذه المبيدات في السجون الأخرى متعذرا أو محدودا وغير منتظم ، فضلا عن أنه غير فعال بسبب كمية ونوعية العبوات التي يمكن الحصول عليها أحيانا ،أما عن مواد التنظيف من صابون وسوائل فهي تعتمد بصورة أساسية على ما يشتريه السجين مما قد يتوفر منها في الكانتينا ، ففي سجن أيلون على سبيل المثال لا يمنح السجين أي نوع من المنظفات باستثناء أربع لفافات “تواليت” في الشهر الواحد !!

ويضيف  الخفش:” أما الفورة فلا يتم الخروج إليها إلا بوجود ضابط من إدارة السجون مع وضع السلاسل في الأيدي إلى الخلف وكذلك يتم ربط القدمين وكما لا يسمح للأسير باصطحاب أي شيء من مقتنياته الشخصية”.

ويؤكد أن الأسير المعزول يكون في الغالب قد وُقع عليه مجموعة من العقوبات فهو محروم من إدخال الأدوات الكهربائية كلها أو جزء منها، وقال: “وفي حال تم رفع العقوبات عنه فإن المسموح به يكون التلفاز والمروحة وفي بعض الأحيان ثلاجة صغيرة وبلاطة للطهي”.

تكبيل بالسلاسل

وعن وسائل التضييق التي يمارسها السجان في العزل يؤكد الخفش أن تفتيش الزنزانة يتم يومياً، وخلاله يتم تكبيل الأسير بالسلاسل قبل الدخول إلى الزنزانة وبحضور ضابط ، مشيرا إلى أن التفتيش يقصد به تخريب المقتنيات الخاصة بالأسير وأحيانا يحاولون ممارسة التفتيش العاري الذي يرفضه الأسرى.

ويشدد الخفش على أن إدارة السجن تتعامل مع المعزول بطريقة استفزازية مقصودة ومدروسة بهدف جره إلى ردة الفعل التي تؤدي إلى توقيع عقوبات جديدة عليه وهم يحاولون بكل الطرق استفزاز الأسير والتعرض لكرامته وإذلاله.

و يُفصِّل الخفش:” إن سياسة العزل تمارس ضدَّ كلِّ من تمَّ اعتقاله، وقد يصل العزل لأيام وشهور وسنين، ويبدأ منذ بداية الاعتقال والتحقيق في زنازين سوداء متسخة وموحشة، وفي أجواء نفسية وممارسات إرهابية بحق الأسرى جميعًا”.

وأما مدة العزل فكما يبين لخفش  قد تصل لما يزيد عن عشرة أعوام لمجرد ملف استخباري مفاده أنَّ للأسير تأثيراً تنظيمياً أو ثقافياً على محيطه، وقد يتم عزل أسير لمكانته السياسية كونه أمين عام تنظيم أو قيادياً سياسياً، وقد يعزل لأنَّه يتصدَّر اعتقالياً تثبيت حقوق الأسرى ويعي مضمون الاتفاقيات الدولية والقانون الدولي الإنساني.

ويوضح الخفش :” أوضاع الأسرى المعزولين في غاية القسوة من الناحية الجسدية والنفسية بسبب انعكاس ظروف الزنازين السيّئة على نفسياتهم وصحتهم كالرطوبة وقلة التهوية وعدم دخول الشمس للزنازين مع وجود حشرات وقلة الحركة وسوء الطعام كمًا ونوعًا والاستهتار الطبي والضغط النفسي وغيرها”.

يقبع في زنازين وأقسام العزل في السجون الإسرائيلية عدد من الأسرى المعزولين، وهؤلاء الأسرى موزعين على السجون الإسرائيلية التالية كما يوضح الخفش”: بئر السبع بقسميه أيشل و اوهلي كيدار، جلبوع، عسقلان، الرملة، شطة وكفار يونا، متابعا :”ويعتبر العزل من اقسي أنواع العقوبات التي تلجأ إليها إدارة السجون الإسرائيلية ضد الأسرى، حيث يتم احتجاز الأسير بشكل منفرد في زنزانة معتمة وضيقة لفترات طويلة من الزمن لا يسمح له خلالها الالتقاء بالأسرى، وأخطر ما يواجه الأسير المعزول هو عدم وجود سقف زمني محدد لعزله، ولا يقدم الأسير المعزول لأية جهة قضائية تبت في مسألة عزله، اذ يتحكم في مصيره جهاز المخابرات وجهاز الأمن في إدارة السجون أو وزير الأمن الداخلي.

وأخيرا يعيش الأسرى المعزولين في أقسام العزل ظروفاً جهنمية لا تطاق مسلوبين من أدنى معايير حقوقهم الإنسانية والمعيشية، يتعرضون للضرب والإذلال بشكل يومي، معزولين اجتماعياً عن سائر زملائهم بالسجن وعن العالم الخارجي. و يمكن تشبيه الزنازين التي يعزلون فيها بالقبور، وقضى بعض الأسرى سنوات طويلة في زنازين انفرادية معزولين عن العالم الخارجي كلياً وخرجوا منها مصابين بأمراض نفسية وعضوية خطيرة ولا يزال الصمت المطبق يرد صدى صرخاتهم وأوجاعهم.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انتفاضة الأسرى عنوان الوحدة وسبيل الوفاق الحرية والكرامة “9”

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي- بيروت إيماناً بعدالة قضية الأسرى والمعتقلين، وإحساساً بمعاناتهم، وأملاً بحريتهم ...