الرئيسية » أسرتي » هل أضحت مشاعرنا الكترونية فحسْب؟

هل أضحت مشاعرنا الكترونية فحسْب؟

بقلم : د. مريم البرش خبيرة أسرية

أخذتْ مواقعُ التواصلِ الاجتماعي حيزاً كبيراً من وقتِ واهتمامِ أغلبِ الشبابِ في الآوِنةِ الأخيرةِ، وليس الشبابُ فقط، بل مختلفُ الفئاتِ العمريةِ من الجنسَينِ فقلّت العلاقاتُ الاجتماعيةُ والأُسريةُ إلى حدِّ الانقراضِ، وبدأ العالمُ الذي نسمِّيهِ (افتراضي) يطغَى على الواقعِ بأشكالِه كافةً .

فمَن لديهِ مناسبةٌ عائليةٌ؛ يشاركُها كمنشورٍ (post) عبرَ الفيس بوك، أو بتغريدةٍ عبرَ توتير… لتنهالَ عليه التهاني أو التعازي _حسبَ المناسبةِ_ حتى أنه قد تكونُ التعزيةُ بأعجَبني (لايك)!!!!

واللافتُ للنظرِ كذلك أنّ “رموزَ المشاعرِ” احتلّتْ مكاناً مُهِماً عبر صفحاتِ التواصلِ الاجتماعي, لتضحي بديلاًً عن المشاعرِ الحقيقةِ، فالوجهُ الضاحكُ يعبِّرُ عن السعادةِ، ومن يُرِدْ إخبارَك بغضبِه؛ يبادرْ بوضعِ الوجهِ الغاضبِ ذي الخدِّ الأحمر!!!!

هل انخفضَ مستوى تواصُلِنا الاجتماعي لهذه الدرجة؟! وهل بِتنا نضعُ الأقنعةَ بهذه السهولةِ؟! هل أصبحتْ علاقاتُنا جافةً إلى هذا الحدِّ؟ وتفتقرُ إلى بريقِ الحياةِ الواقعيةِ ورونقِها ومشاركتِها الفعلية.

إلى حدِّ أنْ يكونَ الإنسانُ حزيناً، ويضعُ الوجهَ الضاحكَ، لن يشعرَ بألمِه أحدٌ … ولن يقولَ له صديقُه: “ما تضحك وإنت حزين، عيونك فيها حكي”. هذا ما افتقدناهُ … المشاعرَ الصادقةَ … حتى أضحتْ مشاعرُنا الكترونيةً فحسْب!!

بصراحةٍ يجبُ أنْ نقفَ لحظةً ونفكِّرَ؛ قبلَ أنْ ننجرفَ في تياراتِ الإعصارِ الإلكتروني، أنْ نعطيَ الواقعَ أهميتَه الحقيقةَ على الأقلِّ، لنجدَ لمشاعرِنا الحقيقيةِ حِراكاً.

يجبُ أنْ نعطيَ فرصةً أكبرَ للاجتماعاتِ العائليةِ، وللزياراتِ الأسريةِ، للجلساتِ الهادئةِ مع الأصدقاء، للمشاركةِ الواقعيةِ في الأفراحِ والأتراحِ، وجميعِ المناسباتِ، و ليستْ مشارَكةً (بضغة زر) خلفَ شاشةٍ صمّاءَ لا تعي لغةَ المشاعرِ، ولا تَحملُ أيّاً من مكنوّناتِ البشرِ العاطفيةِ.

،،،

نحن بحاجةٍ لمزيدٍ من الفضفضةِ

مزيداً من البُعدِ عن أشعةِ الشاشاتِ

ومزيداً من تفريغِ الشحنةِ الكهربائيةِ

التي اجتاحتْ عقولَنا حتى كأنّ الواحدَ مِنّا إنسانٌ آليّ

،،،

نحن بحاجةٍ لمزيدٍ من الفضفضةِ، مزيداً من البُعدِ عن أشعةِ الشاشاتِ، ومزيداً من تفريغِ الشحنةِ الكهربائيةِ؛ التي اجتاحتْ عقولَنا حتى كأنّ الواحدَ مِنّا إنسانٌ آليّ.

رِفقاً بأنفسِنا، بمكنوناتِنا الداخليةِ بعواطفِنا، فلو تمَّ تفعيلُ آلَةِ الزمنِ التي ذكرتْ إدارةُ فيس بوك سابقاً أنها ستستَحدِثُها لحسابِ الأوقاتِ التي نقضيها على فيس بوك، فقط منذُ تسجيلِ الدخولِ حتى إنهاءِ الجلسةِ لأُصبنا بالذعرِ من النتيجةِ، والتي قد تصلُ لأكثرَ من منتصفِ عمرِنا، لنجدَ أنّ أغلبَها ضاعتْ في صداقاتٍ وهميةٍ!!!

دعوةٌ لنا جميعاً أنْ نقفَ مع ذواتِنا بعيداً المشاحناتِ الفكريةِ المتطرّفةِ لتعيشَ واقعَنا الفعليّ بكلِّ تفاصيلِه و أحداثِه، لنعيشَ مع أنفسِنا وعائلاتِنا وإخوتنا و أبنائنا و أصدقائنا ومعارفِنا بعيداً عن طقطقاتِ (الكيبورد) المزعجةِ، بل نعيشُ بمشاعرِنا الحقيقيةِ، وبتفاعلاتِنا مع الآخَرينَ بكلِّ حريةٍ و راحةٍ وانسجام، وهذا لا يعني الاستغناءَ الكاملَ عن وسائلِ الاتصالِ ، بل هي محاولةٌ لاستعادةِ تواجُدِنا الحقيقي.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلاحُ المقاومةِ وصواريخُ الجكرِ والفتنةِ والتخريبِ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي-بيروت ليس كل صاروخٍ ينطلق من قطاع غزة تجاه العدو الإسرائيلي ...