الرئيسية » أسرتي » آباء و أمهات » انشغالُ الآباءِ عن أبنائهم نارٌ تحرق مستقبلهم

انشغالُ الآباءِ عن أبنائهم نارٌ تحرق مستقبلهم

فوجئَ والد “تيسير” ؛ عندما تلقّى مكالمةً من أحدِ مراكز الشرطةِ في غزة ، وقالوا له أنّ ابنه موجودٌ لديهم في المركزِ، وعليه الحضورُ فوراً ، وعند ذهابهِ؛ صُدم بإلقاء القبضِ على ابنِه مع مجموعةٍ من أصدقائه يتعاطونَ الأترامال ، في الوقتِ الذي من المُفترضِ أنْ يكونَ في جامعتِه ، ووقفَ غيرَ مصدِّقٍ ما سمعَه ورآهُ ، قائلا مستحيلٌ إنّ ابني شابٌ متعلَّمُ ويدرسُ في الجامعةِ، وأنا أذهبُ إلى عملي؛ حتى أوفِّرَ له كلَّ ما يحتاجُه ، ولم يَظهرْ عليه أيُّ أعراضٍ للتعاطي “. فوالدُ “تيسير” مِثلَ الكثيرِ من الآباءِ؛ كلُّ همِّهم جَلبُ النقودِ، وتلبيةُ احتياجاتِ أبنائهم، دونَ السؤالِ عنهم، وعن ما يفعلونه في يومِهم ونقودِهم ، ومَن هم أصدقاؤهم، غافلينَ عنهم ولا درايةَ لهم بشيءٍ ، الإهمالُ الأُسَري آثارُه وأسبابُه ، وما النهايةُ له ؟.

عدمُ الاهتمامِ والسؤالِ عن جيهان “18 عاماً ” كان سببَ رسوبِها في الثانويةِ العامة،فلم تجدْ اهتماماً وعنايةً من أهلِها، وعدمُ السؤالِ عنها؛ فتحَ لها البابَ لتفعلَ ما تريدُ، فلا يوجدُ رقيبٌ ومتابعُ لها، فانشغالُ والدَيها عنها؛ أثّرَ عليها بشكلٍ سلبيّ، وعلى نجاحِها، فكلُّ ما يفعلُه والدُها؛ هو إرسالُ النقودِ لهم في بدايةِ كلِّ شهرٍ، فهو يعملُ في الخارجِ ، ووالدتُها تقضي وقتَها بين الأعمالِ المنزليةِ في بدايةِ النهارِ، والجلوسِ على التلفازِ في آخِره ، دونَ أيِّ سؤالٍ عنها وعن دراستِها.

بحثتْ جيهان عن وسائل، فوجدتْ من النت والفيس وسيلةً لتقضي بها وقتها، فتعرّفتْ على عالَمٍ جديدٍ؛ قضى على وحدتِها، وشعرتْ بالأنسِ فتقول :”تعرّفتُ على أصدقاءٍ من جميع الأطيافِ؛ شبابٍ وفتياتٍ، فأصبحتُ أنتظرُ وقتَ جلوسي على الفيس، فلم تعترضْ والدتي على جلوسي، ما دفعني لأنْ أتعوَّدَ على ذلك، والتعرُّفَ على الكثيرِ من الأصدقاءِ .

ضياعٌ وتَوَهانٌ:

أمّا “ر.م” طفلةٌ تبلغُ من العمر “15عاماً” تشعرُ بالتوَهانِ؛ بسببِ ما تلاقيهِ من إهمالٍ، فهي تفتقدُ والدَيها بدرجةٍ كبيرةٍ، فغيابُهم سمحَ لوجودِ خلافاتٍ ومشاكلَ بين أخواتِها، وعندما تشتكي لوالدتِها عمّا يَحدُثُ؛ لا تعطي للأمرِ أهميةً؛ ما ساهمتْ في تفاقمِ المشكلةِ، وزادتْ التفرقةُ بينهما.

وتقول :” كلما ذهبتُ إليها لأتحدثَ معها عن أشياءٍ تجولُ داخلي؛ أجِدُها إمّا مُنهمكةً بالأعمالِ المنزليةِ، أو تتحدثُ على الهاتفِ مع جاراتِنا أو إحدى خالاتي ، وفي الغالبِ تكونُ على الفيس تتابعُ آخِرَ المُستجدّاتِ “.

جريمةٌ بحقِّ الأبوّة

بالانتقالِ إلى أولياء الأمورِ، يصفُ أبو الوليد عيسى “40 عاماً” أنّ طبيعةَ الحياة، والانشغالَ في العملِ؛ خلقَ نوعاً من عدم الاهتمامِ والمتابعةِ الجيدةِ للأبناءِ من قِبل الآباءِ فيقول:” أبدأُ عملي في تمام الساعةِ الثامنة، وينتهي في المساء، وبعد عودتي أشعرُ بالتعبِ والإرهاقِ، فلم يكنْ لديَّ وقتٌ للسؤالِ الدائمِ عنهم، وتركتُ الأمرَ لوالدتِهم لتحلَّ مكاني.

بينما يشعرُ مصطفى قدادة 52 عاماً_ محاسبٌ لديهِ ثلاثةُ أبناءٍ وبنتان_ بالندمِ الشديدِ نتيجةَ إهمالِه لأبنائهِ، وعدمِ السؤالِ عنهم بشكلٍ مستمر، فيقول :” أخذَني العملُ عن الاهتمامِ والرعايةِ لهم؛ تاركاً الأمرَ لوالدتِهم، وهي تعملُ مدرِّسةً، وهذا ساعَد على أنْ يتصرّفَ أبنائي كلٌّ بطريقتِه، وعندما أمنعُهم من أيِّ تصرُّفٍ خاطئ؛ لا أجدُ أيَّ تقبُّلٍ لِكلمتي عليهم .

ويضيف :” غيابي عنهم ؛خلقَ نوعاً من الفتورِ بينَنا، فلم يتعوّدوا على الجلوسِ معي ومُحادَثتي، ولم أشعُرْ بذلك؛ إلاّ بعد أن أصبحوا شباباً، فلمستُ البُعدَ والجفاءَ في علاقتي بأبنائي”.

حرمان عاطفي

وبدوره يتحدثُ الدكتور “عمران عليان” أستاذُ علمِ الاجتماعِ في جامعة الأقصى :” إنّ غفلةَ الكثيرِ من الآباءِ والأمهاتِ عن مسئولياتهم التربويةِ؛ تتسبّبُ في ابتعادِ الآباءِ عن أبنائهم، وشعورِهم بالإهمالِ الأُسريّ والحرمانِ العاطفي، وهو أمرٌ خطيرٌ ، ويعودُ سببُ تَخلِّي الوالدَين عن مسؤولياتِهم التربويةِ؛إلى انشغالِ أحدِ الوالدينِ أو كِليهما بالعملِ والمسئولياتِ الاجتماعية، حيثُ لا يقتصرُ الأمرُ على الأُسر المفكَّكة ، بل يمتدُّ ليشملَ أُسَراً مستقرّةً ومتعلمةً؛ يعملُ الأبُ أو الأمُّ فيها خارجَ المنزلِ ، حيثُ يَبقيانِ في الخارجِ لساعاتٍ طويلةٍ بعيدَينِ عن الأُسرةِ، ويظنانِ أنّ مُهمّتَهما الرئيسةَ؛ هي جلبُ المالِ، وتوفيرُ المستلزماتِ الماديةِ، دونَ الالتفاتِ للحاجاتِ العاطفيةِ والاجتماعيةِ للأبناءِ، وقد يُغدِقانِ في العطاءِ المادي على أبنائهِما، وشراءِ أحدثِ الأجهزةِ، من بابِ التعويضِ عن الفراغِ الذي يترُكانِه في حياتِهم .

ويوضّحُ أنّ الكثيرَ من الآباءِ؛ لا يعرفونَ شيئاً عن أبنائهم! ولا عن دراستِهم! أو في أيِّ المراحلِ هم! أو في أيِّ صفِّ هم ! ولا مع مَن يقضونَ وقتَ فراغِهم؟ ولا مَن يصاحبونَ؟ ومن هم رفاقُهم داخلَ وخارجَ المدرسة؟ وقد يصاحبُ الابنُ أو البنتُ رِفاقَ سوءٍ؛ يدفعونَهم للانحرافِ الأخلاقيّ والسلوكيّ، وقد ينتهي الأمرُ بالأبناءِ إلى الإدمانِ أو السجنِ أو حتى الموتِ، والأمُّ والأبُ في غفلةٍ عن أبنائهما!!.

ويُعدّدُ أسبابَ غفلةِ الآباء منها :” انشغالُ الآباء في البحثِ عن المالِ أو العملِ أو اللهثِ وراء متطلباتِ الحياة ، عدمُ وعيِّهم بدورِهم وأثرِهما في حياةِ الأبناء ، عدمُ موازنتِهما بين العملِ والانشغالِ خارجَ البيتِ، وبينَ مسؤولياتِهما في البيت ، أنانيةُ بعضِهم، وعدمُ تحمُّلهم المسؤوليةَ تُجاه أبنائهم ، التفكُّك أو التصدُّع الأُسري، وكثرة المشاكلِ والشجارِ بين الوالدَين “.

ويقارنُ بين سلبياتِ الإهمالِ؛ وإيجابياتِ الاهتمامِ بالأبناء :” من سلبياتِ الإهمالِ فسادُ الأبناءِ وانحرافُهم، وسوءُ أخلاقِهم؛ لافتقادِهم القدوةَ ، ينعكسُ ذلكَ سلباً على تحصيلِهم الدراسيّ، وعلى تعامُلهم مع الآخَرينَ، ويخلقُ فجوةً بين الآباءِ والأبناءِ، ويسبّبُ الجفافَ العاطفيَّ داخلَ الأسرة، ويخلقُ الكثيرَ من المشاكلِ والأمراضِ النفسية والاجتماعيةِ عند الأبناء ، وبالمقابلِ فإنّ للاهتمامِ آثارَه الجيدةَ والإيجابيةَ على الأبناءِ، فهو يُنمِّي روحَ المسؤوليةِ لدَى الأبناء؛ ليكونوا أشخاصاً مسئولينَ في المستقبل ، ويعملُ على صلاحِ الأبناءِ ومنفعتِهم لمجتمعِهم ودينِهم ، يقوِّي الرابطَ العاطفيّ والأخلاقيّ بين الأبناءِ وآبائهم ، وزيادةُ التحصيلِ المدرسيّ، والثقةُ بالنفس ، الراحةُ النفسية والسلوكُ الإيجابي من قِبلِ الأبناء” .

الاهتمام أساس التربية

ومن جانبه، يوضح بالقول الأخصائي النفسي “إسماعيل أبو ركاب” :” أثبتتْ الدراساتُ أنّ قلّةَ اهتمامِ الوالدينِ بالأبناء؛ يُمكنُ أنْ تكونَ السببَ الرئيسَ في معظمِ المشاكلِ السلوكيةِ عندهم، مع العلمِ أنّ بعضَ الآباءِ والأمهاتِ يعُدُّونَ أنهم بمُجردِ توفيرِ الاحتياجاتِ الأساسيةِ من مأكلِ ومشربٍ وملابسَ؛ يكونُ قد حقّقَ جزئيةَ الاهتمامِ؛ رغمَ أنّ جميعَ علماءِ النفسِ؛ أجمعوا على أنّ جلوسَ الأبِ أو الأمِّ مع ابنِهما لبِضعِ دقائقَ في اليومِ؛ يسمعانِ فيها لشكوى أبنائهِم ولانفعالاتِهم ومشاعرِهم؛ يمكنُ أنْ يساوي توفيرَ جميعِ الاحتياجاتِ السابقةِ، بل إنّ هذه الدقائقَ هي الأساسُ في بناءِ التركيبةِ النفسيةِ السليمةِ للأبناءِ؛ وخصوصاً البناء الشخصي”.

ويشير إلى أنّ معظمَ المشاكلِ النفسيةِ عند الأبناءِ والأطفالِ؛ تأتي بسببِ الإهمالِ، وعدمِ الاهتمامِ بهم، فمعظمُ حالاتِ الكذبِ والسرقةِ والغيرةِ والعدوانِ والتبوُّلِ اللاإرادي، وغيرِها من المشاكلِ سببُها الرئيسُ إهمالُ الوالدَينِ، وهذه المشاكلُ هي تعبيرٌ واضحٌ بأنني بحاجةٍ إلى اهتمامٍ ورعايةٍ، وللأسفِ الشديدِ أنّ هذه السلوكياتِ تواجَهُ بردَّةِ فعلٍ عكسيةٍ من الوالدينِ، عن طريقِ العقابِ، وهذا ما يزيدُ المشكلةَ تعقيدًا “.

وعلى ذلك فإنّ تربيةَ الأبناءِ هي جزءٌ من هذه الأعمال، ويجبُ على كلِّ أبٍ أو أمٍّ أنْ يرتّبَ أعمالَه؛ فإنّ الإعدادَ والتنشئةَ هي جزءٌ من هذا الواجبِ، ومطلوبٌ أنْ يكونَ لهم أولوياتٌ، كالتربيةِ والمراقبةِ ؛ كما ويجبُ على الآباءِ والأمهاتِ في البيتِ؛ أنْ يكونوا قُدوةً حسنةً لأبنائهم.أأ

 

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كلماتٌ نُدَمِرُهم بها !!

بقلم : د.مريم البرش لَئيمٌ، صعبٌ، بخيلٌ، خبيثٌ.. بعضُ الصفاتِ التي قد تُطلِقُها الأمُّ أو ...