الرئيسية » أسرتي » نوار العويوي…أفقدَها الاحتلالُ توأمَها لتنتفضَ حروفُها ثأراً

نوار العويوي…أفقدَها الاحتلالُ توأمَها لتنتفضَ حروفُها ثأراً

الثريا: أنوار هنية

على قارعةِ الأملِ رسموا أحلامَهم، حلّقوا بها بعيداً في عنانِ السماءِ، علّقوها بسُحبِ الأملِ حريةً، و عايشوا خَطوَها بأناملِهم الصغيرةِ التي كبرتْ سوياً يوماً بعدَ يومٍ، “كلزار و نوار” توأمٌ جمعتهما الحياةُ معاً، وفرقتهما رصاصةُ غدرٍ صهيونيةٌ، خرجتْ “كلزار” إلى مدرستِها تحملُ دفتراً وقلماً، فكانت رصاصاتُ الغدرِ أسرعَ من خطاها للمدرسةِ، فاختطفتْ روحَها بين عشيةٍ وضحاها، هي لا تقبلُ الدَنيّةَ، و لم تعشْ عليها، سرقوا وطناً كان لها، قتلوا ، أسروا ، دمّروا، شرّدوا، فكانت شاهدةً حيةً.. ليستكملَ المحتلُّ مسلسلَ التدميرِ اليومي..

خمسةُ أشهرٍ كانت بين الامتحاناتِ النهائيةِ و اليومِ الذي حلّقتْ فيه روحُها لعنانِ السماءِ، تشتكي لربِّ السماءِ الظُلمَ والبيعَ بأرخصِ الأثمانِ لوطنِها السليبِ من ثُلّةٍ لا مِلَّةَ لهم.

كلزار العويوي“كلزار” الاسمُ الفارسي الذي يعني الوردَ، كان لها نصيباً من اسمِها، فهي وردةٌ على جبينِ كلِّ حُرٍّ، وردةٌ في بستانِ شهداءِ انتفاضةِ القدسِ، الذين لم تمنعْهم دراسةٌ، و لم يمنعْهم خوفٌ من الدفاعِ عن مقدّساتِهم، فكانت الروحُ رخيصةً في تجارةٍ رابحةٍ مع اللهِ.

“كلزار” و رفيقةُ روحِها “نوّار”، عاشتا معاً تفاصيلَ الحياةِ، ما بين الطفولةِ و عنادِ المراهقةِ، إلى الثانويةِ العامةِ التي كانت آخِرَ محطةٍ تَجمعُ كِلتيهِما، رصاصةٌ واحدةٌ فرّقتْ الأحبابَ، و مزّقتْ شريانَ الحنينِ، ليدومَ نزفُ الشوقِ مع كلِّ موقفٍ يَحدثُ، تشاركتا ذاتَ السريرِ، و ذاتَ الملبسِ، و ذاتَ الفصلِ الدراسي، تشاركتا اللعبَ، و اقتسمتا مصروفَهما الشخصيَّ، تعاركتْ أيديهما حباً ولهواً، وشهدتْ عليهما (مسندةٌ) ضربتْ بها إحداهما الأخرى ضربةَ حُبٍّ، تعانقتا ألماً و صبراً وحباً” أرواحاً وجسداً”، ولم يفرِّقْهما حتى ذلك الكفنُ.. فالأرواحُ التي عرفتْ العشقَ لا تعرفُ النسيانَ، هو قدَرُ اللهِ الذي ما انفكتْ تلهجُ القلوبُ والألسنةُ له بالحمدِ، لكنها القلوبُ التي أدماها الشوقُ ولوعةُ الفِراقِ.

صورتها مشعل

كلزاريومُ الفرحةِ و الألمِ في ذاتِ الوقتِ؛ هو يومُ إعلانِ نتائجِ الثانويةِ العامةِ، انتظَروا ليسمعوا الاسمَينِ “كرزار و نوار”؛ لكنّ كلزار اختارَها اللهُ لتنالَ شهادتَها في علِّيّينَ، وبحثتْ “نوار” عن نتيجتِها التي أقسمتْ لحبيبتِها أنْ تستمرَّ في دراستِها، فلم يوهِنْها فَقدُ رفيقةِ روحِها، بل كان وهجُ الثأرِ لحبيبتِها ينتفضُ مع حرفٍ تخُطُّه أناملُها في ورقتِها، معَ كلِّ فقرةٍ حفظتْها هي و أختُها، و تسابقتا على تسميعِها، معَ كلِّ دفترٍ تَشاركتا فيه التعبَ و الجهدَ، معَ كلِّ تفصيلٍ عاشتاهُ معاً إلى أنْ فرَّقتْهُما رصاصةُ غدرٍ صهيونيّ؛ اخترقتْ جسدَ أختِها قبلَ الامتحانِ بخمسةِ أشهر.

كان حدَثاً جلَلاً، وقْعُه أحَدُّ من السيفِ لروحِها، لكنّ “نوار” أحالتْ تلكَ المرارةَ و القهرَ الذي يسيطرُ على حنايا قلبِها؛ إلى عزيمةٍ صُلبةٍ أرادتْ أنْ توصلَ رسالتَها، سرقتُم أرضَنا، و قتلتم أحِبَّتَنا، لكنكم لن تقتلوا أرواحاً تعشقُ الحريةَ، وكتبتْ النصرَ على جبينِها.

أطربتْنا “نوار” بحديثها؛ حينما قالت في لقائنا معها: “وضعتُ صورةَ حبيبتي على مكتبي، وفوقَ سريري، و على الرغمَ من صعوبةِ المَشهدِ إلاّ أنني اتخذتُ صورتَها دافعاً لي؛ لأستكملَ ما بدأناهُ معاً، و ما حرَمها الاحتلالُ من تحقيقِه.

كلزار العويوياختنقَ صوتُها.. لكنْ لم تختنقْ إرادتُها، فتابعتْ تقول:” كنتُ  حينما أحادِثُها دوماً أقولُ لصورتِها: “وصلتُ للفصلِ السادسِ وأنهيتُ مادة كذا .. وراجعتُ حفظَ المادةِ الأخرى، ما زلتُ أشعرُ بروحِها معي، و كلّما ملَلتُ أو فتَرتْ عزيمتي، أنظرُ إلى صورتِها، وأُكرِّرُ وَعدي لها، فكانت دافعاً لي فيما تبقَّى لدراستي من أيامٍ”..

نظرةٌ من “نوار” في عينَي أختِها “كلزار” في الصورةِ التي لم تبتعدْ عنها؛ تلخِصُ الحكايةَ، حكايةَ شوقٍ لم تُسطِّرْهُ حروفُ اللغةِ، فالحروفُ تذوبُ أمامَ المشاعرِ الملتاعةِ الصامتةِ، التي لا دواءَ لها سِوى اللقاءِ..

يومُ إعلانِ النتائجِ كما تصِفُه نوار؛هو يومُ فرحةٍ امتزجَ بالألمِ، كانت توَدُّ أنْ تسمعَ اسمَ أختِها؛ لتتعانقا معاً؛ كما كان في مخيّلةِ كلتيهما؛ لتتقاسما الفرحةَ التي أضحتْ منقوصةً بغيابِ “كلزار”.. لكنه قدَرُ اللهِ..

فرحة من الألم

والدُها الذي حاولَ أنْ يصنعَ الفرحةَ لابنتِه؛ نجحَ في رسمِ الابتسامةِ على مُحياها، و ربطَ على جُرحِه، و رضيَ بما قدّرَه اللهُ، يقولُ و قد اختلطتْ مشاعرُه :” رضينا بما قدّرَه اللهُ..، “كلزار” شهيدةٌ عندَ ربِّها، و نوارُ أسعدتْ قلوبَنا رغمَ أنّ( 82 % )لا يعكسُ مستواها الحقيقَ، فاستشهادُ حبيبتِها أثّرَ كثيراً عليها، لكنّ نجاحَها يبعثُ الفرحةَ “.

nnnnو شاركتْ الحديثَ والدتُها التي زيّنتْ بيتَها لتستقبلَ المُهنئينَ بابتسامةِ مُكابرٍ!، كعادةِ الفلسطينيينَ الذين يضمِّدونَ جراحَهم، و يرسمونَ البسمةَ و هم ينزفونَ!، عانقتْ “نوار”، و كانت تتمنّى أنْ تعانقَ نبضَ قلبِها “كلزار”، أخفَتْ لوعتَها، وتحدّثتْ عيناها بما أخفاهُ لسانُها، فرحةٌ منقوصةٌ بدونِ “كلزار”.. لكنه إصرارٌ على الحياةِ، و على مواصلةِ النجاحِ، وعلى الوفاءِ لخُطى “كلزار” التي لم تستكمِلْها…

و للحكايةِ بقيةٌ لا تنتهي عندَ “كلزار و نوار”، إحداهما شهيدة ٌتحكي حكايةَ تضحياتِ أبناءِ فلسطينَ، و الأخرى تواصلُ النجاحَ و الحياةَ، و تَعِدُ بالثأرِ في كلِّ حرفٍ تعلَّمتْهُ، و أبوانِ عظيمانِ ينسجانِ الفرحةَ من الألمِ!،  ويصنعانِ حروفَ عزٍّ اختزلاها بإرادةٍ و صبرٍ.. عرفا أنه بابٌ للجنّةِ، فلم يتركاه…

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جنّةُ الدنيا أنتِ ” أمي “

بقلم: د. مريم البرش هالَني مَشهد أُم “عبد العزيز”؛ وهي تَقفُ على مقرُبةٍ مِنّي في ...