الرئيسية » أسرتي » مزحةٌ خسرتُ بها صديقَ عمري وأُخرى عرَّضتْني للمُساءلةِ

مزحةٌ خسرتُ بها صديقَ عمري وأُخرى عرَّضتْني للمُساءلةِ

السعادة:خاص

جميعُنا يعرف تفاصيل قصة “الراعي والذئب” الذي قلبتْ مزحتُه إلى شيء جادٍّ بعد تَكرارِ مزحتِه عدّة مرات ، هذا حالُ الكثير والكثيرِ من الأشخاص الذين يتمادون في المزاحِ، ويتخذونه وسيلةً للترفيه عن النفس ، وأحيانا وسيلة للاستهزاء والسخرية بالآخَرين ، دون مراعاةٍ لمشاعرهم ، غيرَ مباليين لعواقبهِ الوخيمة ، ء المزاحُ ما هو ، وما ضوابطُه ، وما هي عواقبه ؟

أراد ماهر.ش أنْ يمازحَ شقيقتَه الوحيدة فاشترى شريحة جوال جديدة بجانب شريحته، ليرسلَ لها رسائلَ حبٍّ وغزل، ويهاتفها بصوت متنكر، وفي احدى الأيام أخذ والدُه هاتف شقيقتِه لإجراءِ مكالمة، لتصل رسالةٌ غرامية من رقم مجهولٍ بالنسبة لوالدها، وبالطبع أعتقدَ أنّ ابنتَه تقيمُ علاقة مع أحدِ الشباب، فما كان منه إلا أنْ قامَ بضربِها ضرباً مبرّحاً، وسحبَ هاتفها، ومنعها من الخروج من المنزل .
وخوفا من ردّة فعل والدِه؛ خاف أنْ يفصحَ الأمرَ، برغم من عدم تجاوبِ أخته معه، أو الاستجابة لإرسال أي رسالة فيقول :” شعرتُ بندم شديد، فصورةُ أختي اهتزّت أمام أهلي، وحُرمت من حقها بالتعليم، من أجلِ مزحةٍ، ويعبّر “ماهر” عن ندَمهِ الشديد لِما فعلَه، فهو لم يتوقعْ أنْ تصلَ الأمورُ إلى هذه الدرجةِ.

موقفٌ مُحرج ٌ:
تعرّضتْ “وفاء” طالبة جامعية؛ لموقفٍ محرج جداً، بسبب مزحةٍ من إحدى صديقاتها، وتقول :” كنت غائبة عن الجامعة، وفي يوم غيابي، قام الدكتور بتوزيع علاماتِ الامتحان ، وفي لحظة حضوري إلى الجامعة في اليوم التالي، لاقتني صديقتي، وقالت إنني رسبتُ في الامتحان! ولأنني كنت متأكدةً من إجاباتي، ذهبتُ مسرعةً بدون تفكير إلى مكتبِ الدكتور لأسأله عن سبب الرسوبِ، واتهمتُه بتزوير العلامة وترسيبي متعمداً، ورفعت صوتي عليه ، واكتشفتْ بعدها أنّ علامتي عاليةٌ، وأنّ صديقتي كانت تمزحُ معي “.

لم تستطع “وفاء” وصفَ تلك اللحظة التي عرفتْ أنها تهجّمتْ على أستاذها دون سبب، وتوضح أنّ هذا الموقف؛ جعلها تخاصمُ صديقتها، ولم تعاوِدْ الحديثَ معها .

ترى منى صافي”20 عاما”  أنّ المزاح إذا التزم حدودَه؛ كان جميلاً، ويقرّب بين الأصدقاء ، أمّا إذا زاد عن حدِّه؛ انقلبَ إلى ضدِّه، وأصبح شيئاً مزعجاً يفرّق بين الأصدقاء ، وتبيّن أنها تمزحُ مع صديقاتها كثيراً، ولكنْ تتجنب أنْ تجرحَ أو تؤذي أحداً بمزاحها .
ويعرّف أستاذ علم الاجتماع في جامعة الأقصى الدكتور “عائد الكحلوت” المزاح بأنه خُلقٌ إنساني راق، يضفي على الحياة لوناً إيجابياً وطعماً جميلاً للحياة، ويهدف إلى تعزيز العلاقات الاجتماعية، بل وينشرُ بين الناس قيم التسامح؛ لما يعكسه من أحاسيس إنسانية لطيفة متبادلة بين الأفراد، مضيفاً أنّ المزاح يُعدُّ تنفيساً انفعالياً عن ضغوط الحياة المختلفة، وأسلوباً لتعزيز جوانب الأخوّة والمحبة والألفة بين الأشخاص، ويساهمُ بقوة في كسرِ حواجز التعامل بين الأفراد.

ويوضّح أنّ للمزاح جمالَه ودورَه الإيجابي؛ إذا كان بلا كذبٍ ولا ترويعٍ ولا مبالغةٍ ولا إكثار، ويكون كذلك أيضاً إذا كان لا يترتب عليه إيذاءٌ للطرَف الآخَر في نفسه أو ماله، مضيفاً أنّ هناك من تأخذُه خفةُ الدم إلى أنْ يصنعَ مقالبَ فعلية أو كاذبة؛ تؤدي إلى ترويعِ المسلم أو إيذائه جسدياً أو نفسياً، وهذا لا شك ممّا نهى الله تعالى عنه، ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، لافتاً إلى أنّ هذا النوعَ من المزاح ينتجُ عنه ممارسةٌ اجتماعيةٌ سلبيةٌ، تتسببُ في خلافات شخصية، أو مشاكلَ عائليةٍ، ذاكراً أنه كثيراً ما خسرَ البعضُ أصدقاءً بسببِ المزاح، وربما تسبّبَ المزحُ الثقيلُ الضارُّ بحدوثِ نتائجَ وخيمةٍ لا تُحمد عقباها.

أثارُ المزاحِ الثقيل :

ويشير أنّ للمزاح غيرِ المنضبط آثاراً وخيمة، ونتائج أليمة، ومن أخطرها المزح بالسلاح سواءٌ بالذخيرة الحية أو السلاح الأبيض، الذي قد يؤدي إلى إصابة المتضرر أو وفاته، وهنا تكون الكارثة، مضيفاً أنه على الرغم من قلّةِ مِثلِ تلك الحوادث، إلا أنَّها تعدُّ أمراً مزعجاً؛ ويورثُ الحسرة والندامة لدى أطراف المزاح المفرط، مبيّناً أنه يجب علينا انتقاءُ الأنماط الشخصية المستهدفة بالمزاح، فالحالة النفسية للمتلَقي تخضعُ للعديد من المؤثّراتِ التي تنعكس آثارُها عليه، فالانفعالات تؤثّر على التغيّرات النفسية, مشدّداً على ضرورة اختيارِ الوقت والمكان المناسبَين، فالمزاحُ يمكن أنْ يتحول من تنفيس انفعاليّ إيجابي؛ إلى صدمةٍ نفسية، وردّةِ فعلٍ سلبية، يمكن أنْ تتطور إلى أسلوبٍ حاد، من صور ذلك أنْ تجترئَ على أخيك في المزاح بضربةٍ مُهينةٍ، أو كلمة نابية، أو تناديهِ بغيرِ ما يحب”

ويشدّد د. “الكحلوت” على ضرورة الاقتصاد في المزاح، فإنَّ الإسرافَ والإكثار منه؛ غالباً ما يؤدي إلى تجاوز حدوده المعقولة والمقبولة إلى نتائجَ غير محمودة.

المزاحُ والصحابة:

ويتحدث الدكتور “ماهر السوسي” أستاذ الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية، عن مشروعية المزاح و ضوابطه، ويوضح أنّ المزاح أمرٌ مشروع في الإسلام، ويُعدُّ صدقةً من الصدقات يُؤجَر عليها المسلم، ولكنّ لذلك بشروط وضوابطَ ،والحكمةُ من مشروعيته أنّ فيه إدخالاً للسرورِ على قلبِ المسلم، ويستعان به على التخلص من السأمِ والملَل، وطردِ الوَحشة، ودفعِ الهمِّ والخوف والقلق، ونحوِه عن قلب المسلم، · المزاحُ ويعدّد ضوابطه وشروطه :”بألا يكونَ فيه شيء من الاستهزاء بالدين لقوله تعالى :”{ولئن سألتهم ليقولنّ إنما كنا نخوض ونلعب قل أباللهِ وآياته ورسوله كنتم تستهزئون }”65 التوبة ” ، وتعتبرُ السخرية والاستهزاءُ بالآخَرين ، فتلك محرّمة وتعدُّ من الكبائر، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُـونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْـقَــــابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} “الحجرات:11وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحلُّ لمسلم أنْ يروِّع مسلماً” ،ويجب الاقتصادُ في المزاح، حيث أنّ الإفراط فيه يورثُ الضحك وقسوةَ القلب، ويشغلُ عن ذِكر الله “.

 ويوضّح أنّ المزاح أمرٌ مشروعٌ ومباح في الإسلام؛ إذا كان الغرض منه الاسترواحَ عن النفس، ودفعَ الملَلِ والسأمِ والكربِ عن النفوس، ويُثاب عليه صاحبه؛ إذا ابتغى من ورائه وجهَ الله،

ويصلُ إلى مرتبة الواجبِ إذا كان للاستعانِة به على أداء الواجبات، كلُّ ذلك شرطُ خلُوِّه من أيِ مخالفاتٍ شرعية، وإلا فهو حرامٌ منهي عنه، وعلى المسلم أنْ يكونَ مقتصداً فيه، فيوازن بين الجدِّ والمزاح، إذ التوازنُ أمرٌ مطلوبٌ في الإسلام، وهو ناموسٌ كَونيّ ، كما قال على بن أبي طالب “رضي الله عنه ” خيرُ هذه الأمة النمط الأوسط: يرجعُ إليهم الفاني، ويلحقُ بهم التالي”.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خطواتٌ لتعليمِ أطفالِك آدابَ المائدةِ

“التعلّمُ فى الصغرِ كالنقشِ على الحجرِ” مَثلٌ نردِّدُه كثيراً، ولكنْ في أوقاتٍ كثيرةٍ لا نستعينُ ...