الرئيسية » فلسطينيات » ثقافة وفن » “الفيس بوك” قرّبَ المسافاتِ، ووثّقَ العلاقاتِ بين الكبارِ والصغارِ

“الفيس بوك” قرّبَ المسافاتِ، ووثّقَ العلاقاتِ بين الكبارِ والصغارِ

تقرير:تمام محسن وهدى الحلبي .

الوَحدةُ والفراغ والملل، حالةٌ تجتاح كبار السنِّ، وقد تتأزّم الأوضاعُ النفسية لديهِم؛   لطبيعة المرحلةِ التي يمرّون فيها، فلجأ بعضهم إلى (الفيس بوك) لتكونَ وسيلتَهم في الترفيهِ والتسلية والمعرفةِ والتواصلِ مع الأهلِ والأصدقاء، ويعاصروا أجيالاً مختلفة، “فالفيس بوك” أصبح حديثَهم الدائمَ والمتواصل  .

بين مليارٍ وربعِ المليارِ من مستخدِمي موقع ِالتواصل الاجتماعي “فيس بوك ” نجدُ أنّ حكاياتِ كبار السنِّ؛ هي الأكثرُ جاذبيةً، لنتناولها في تقريرنا هذا، ولنسلِّط الضوء َعلى دوافعهم لاستخدامه، و عدد ِالساعات التي يقضونها على الموقع ، و ما الحاجات التي يلبّيها لهم؟  وكيف يفسِّر علمُ النفسِ والاجتماع ذلك ؟

معرفةٌ وتعارف ٌ:

يحدِّثُنا الخمسيني “محمد أبو ستة”،عن تجربته مع الفيس بوك  فيقول :”أنشأتُ حساب الفيس منذ عام (2010) وكنت في البداية أستخدمه لمدة عشر ساعات متواصلة !ولكنْ مع ظروف الكهرباء تقلّصت لأربع ساعات فقط، وأستخدمه لعدّة أغراض منها: التواصل مع الأهل والأحبة في الداخل والخارج من أقاربي ، وقد دعوتُ أصدقاءً كثُر من الخارج؛ لزيارة غزة، كما ساهم في معرفتي على الكثير من الثقافات والأخبار، والتي تحدُث حول العالم، فمن خلاله أتابعُ أولاً بأول ما يحدث في الدول العربية،كما ساهم في ترجمة أفكاري، وتعبير آرائي عن طريق البوستات “.

ويضيف في ظِل الظروف التي يعيشها مجتمعُنا، ومع تقدُّم العمر؛ وجدْنا وسيلة تلهينا، وتنسينا الضغوطاتِ التي نمرُّ بها، فهي وسيلة جمعتْ بين المعرفة والتسلية والترفيه والثقافة  .

بينما تجلس” نهلة أبو القمصان” ربّة بيت 55 عاماً؛ بالساعات وهي تنتقل من صفحة لصفحةٍ، تستخدم) الفيس بوك) منذ ثلاث سنوات، فقد علّمها أولادها كيفية استخدامه، فتقول :”كَوني ربّة بيت، وأبنائي أصبحوا شباباً، أصبحتُ أشعرُ بالوحدة والفراغ، لذلك أردتُ أنْ أطرُقَ هذا العالم الكبير المليءَ بالأحداثِ، والذي أجهَلُه ولا أعرفُ عنه شيئاً”.

وتتابع :”فاستفدتُ منه كثيراً على مستوى ثقافتي، ومعرفة أشياء كثيرةٍ  على مستوى التعرّف على عادت وتقاليد المجتمعات، ومعرفة آراء الناس حول القضايا الوطنية، وقراءة القصص الدينية والاجتماعية، فأصبحتُ مُلِمَّةً بما يحدُث حولي .

وتضيف :” أتاح لي المجال في التواصل مع الأصدقاء والأقارب في الداخل والخارج، ومعرفة أخبارهم، والتعرف على الجيل الشاب منهم، فأصبحت تربطنا علاقات قوية، وأتابع صفحاتِهم ومنشوراتهم، ونناقشها بمساحة واسعةٍ من الحرية” .

و تكشف لنا” نهلة “سرَّ انجذابها وتعاطيها مع الموقع” أجلسُ على) الفيس بوك) أتابعُ فيه كلَّ ما يقرِّبُني إلى الله، لأني أضفتُ صفحاتٍ دينيةً لعلماء ومشايخ، زادوا من معرفتي للدِّين.

و لم تفوّت” أم طارق عيد  52 “عاماً  الفرصة على نفسِها في التعرفِ على عالم “الفيس” والولوج ِإليه بالرغم من كَونها سيدة ًعاملة  ً،فهي تجلس على الموقع ما يقارب ( 6) ساعاتٍ، موزّعة بين ساعاتٍ تقضيها في  مكان العمل، أو في البيت، وعن حجم تفاعلها  مع الموقع تذكر ” أتفاعلُ بشكل كامل ،وأشارك بكتابة منشورات، منها ما هو حِكَمٌ ومواعظُ وآياتٌ قرآنيةٌ؛ أفيد بها غيري، أو تفريغ لمشاعري وانفعالاتي  ” .

ولا تختلف تجربة “خليل أبو القمصان” 62 عامًا عن سابقيه، ولكنه يضيف دافعًا آخرَ لاستخدامه (الفيس بوك) وهو متابعة أبنائه ونشاطاتهم على موقع التواصلt يقول أبو القمصان ” أنشأتُ الحساب منذ حوالي عام ،وأتابع أولادي وماهية نشاطاتهم على) الفيس بوك) وأماكن وجودهم، وأقوم بالتعليق على صفحاتهم  ” مما قرّبني من أبنائي، وفتحَ علاقةَ صداقةٍ قوية بيننا “.

ويضيف:” الفيس مُهم جداً بالنسبة إليّ، من خلاله أستطيع معرفة آخر ِالأخبار، وكذلك فيه نوعٌ من التسلية والمتعة ” .

استثمارُ الوقت ِ:

ويرى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الإسلامية” أمين شبير” أنّ الفيس بوك وسيلةٌ جيدةٌ ومسلية ٌوسهلة وسريعةٌ جدا في التواصل بين الناس مع بعضهم، ومتابعة مستجدّات الأحداث على مدار الساعة، لكنه سلَبَ من مستخدميه حميميةَ وفاعليةَ الحديث وجهاً لوجهٍ، وشكّل نوعاً من الاغتراب داخل الأسرة ،فالأب منشغلٌ بالفيس بوك ،و الأم و كذلك الأبناء .

ويقول” :” الفيس بوك وسيلة سريعةٌ و مجانية ،جذب كبارَ السنِّ له ، واستخدامه أمرٌ إيجابي، ولكنه خطير في نفس الوقت؛ لأن فيه هدرٌ للأوقاتِ، وهروبٌ من الواقع والمشاكل الاجتماعية، والتعقيدات الحياتية ،والمتطلبات الاقتصادية المتزايدة على كاهل كبيرِ السن “.

ويضيف ” من الأفضل للإنسان في هذه المرحلة من العمر؛ استغلال وقته في متابعة شئون الأسرة، ومناقشة مشاكل الأبناء، وقراءة القرآن ،والوعظ والإرشاد، فالوقت كالسيف إنْ لم تقطعْه قطَعك “.

ويتفق” درداح الشاعر” أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة الأقصى، مع سابقه  مؤكّداً:”إنّ كبار السن يجب ألاّ تضيع ثانية من أعمارهم إلاّ في مرضاة ِالله ،أو غاية تنفعه عند ربه، و مجتمعه ,فالإنسان إذا ما تخطّى عتبة الخمسينَ؛ يجب أنْ يتجِه في حركةِ حياته نحو الآخِرة “. محذّراً من انقطاعهم بشكلٍ كاملٍ  عن العالم، والتفرغ للفيس بوك  , وهدرِ أوقاتِهم، وتضييعِ أعمارهم .

هروبٌ من الواقع:

وحول دوافع استخدامِ كبار السنِّ لموقع التواصل “فيس بوك”  يوضح أنها قد تتراوح بين شغلِ وقتِ الفراغ، أو التحلي بروح العصر، أو هروبٍ من الواقع وسوء العلاقاتِ الاجتماعية .

ويفسر بالقول  ” قد يكون الدافع النفسي وراء استخدام كبار السنّ للفيس ؛هو شغل أوقات فراغهم , فكبير السنِّ أصبح لديه وقتُ فراغ ٍكبير , وانقطاع الناس عنه وانشغالُهم يشكِّل دافعاً آخرَ له ؛ليشغل نفسه بالفيس بوك ”

ويتابع ”  وكذلك رغبةُ كبار السنِّ في اللحاق بروح ِالعصر؛  تشكِّلُ سبباً آخرَ , فالكثير منهم يرفض الاعترافَ؛ بأنه في عصرٍ، وأولادُه في عصرِ آخرَ، فهو بذلك يسعى إلى أنْ يثبِت َبأنه ليس بمتخلّفٍ أو منعزلٍ عن عصره  , أضِفْ إلى ذلك سوء العلاقات الاجتماعية، فهو لم يعُدْ قادراً على التفاعل الناجحِ داخل الأسرة، فيهرب إلى (الفيس بوك) كوسيلةٍ دفاعية ِ،والهروبِ من مشاكله ”

ويشير الأستاذ” الشاعر” إلى أنّ كبيرَ السنِّ؛ الذي لا يفتقد  تقديرَ المجتمع المحيط،  ولا يستطيع تحقيقَ ذاتِه؛ يلجأ هارباً إلى) الفيس بوك) ليحصلَ على التقدير، و يحقِّقَ ذاته ،فيشعر أنّ لديه قيمةً اجتماعيةً ووجوداً، وإنْ كان في عالمٍ افتراضي .

وفي الوقت نفسه يؤكّد” الشاعر” على  أنّ التحلي بروح ِالعصر، ومواكبةَ التطورِ؛ أمرٌ جيدٌ وإيجابيّ،  ولكنْ مع الحرص على الوقتِ واستثمارِه  في الحق، و تحقيقِ النفع له في الدنيا والآخِرة ,مستنيراً بقوله تعالى ” وابتغِ فيما أتاكَ الله ُالدارَ الآخِرةَ ولا تنسَ نصيبَكَ من الدنيا ” .

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التداوي بالأعشابِ تجارةُ وهْمٍ لا سبيلَ لوقفِها إلاّ بوَعيِّ المواطنِ

ما إنْ تدخل سوقَ الزاويةِ بغزةَ؛ حتى تطالعَ عيناكَ مئاتِ الإعلاناتِ على واجهاتِ المحلاتِ، وفوقَ ...