الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » مساجدُ “عكا” تحتفظُ بتاريخِها وأصالتِها وفلسطينيتِها

مساجدُ “عكا” تحتفظُ بتاريخِها وأصالتِها وفلسطينيتِها

خاص

حربٌ باردة تدورُ في “عكا” فالزائرُ للمدينة يلحظُ أنّ هناك سباقاً مع الزمنِ، ومحاولةً لإضفاءِ الطابَع الإسرائيليّ عليها، لكنّ في “عكا” ثوابتَ لا تتغيّرُ.. ومنها صوتُ الأذانِ؛ الذي يُجلجلُ في أرجاءِ المدينةِ ليلَ نهارَ؛ يذكِّرُ بالصلاةِ ، فمَن يَحولُ بين “عكا”  ومآذنِها الشامخةِ؟؟

في “عكا” سِتةُ مساجدَ؛ يُرفعُ فيها الأذانُ، ولكلٍّ منها تاريخٌ يشهدُ على إسلاميةِ وفلسطينيةِ المدينة، رُغمَ كلِّ ما مرَّ ويمرُّ عليها من مؤامراتٍ، ومحاولاتِ الطمسِ والإهمالِ والتهميشِ. “السعادة” في الذِكرى السادسةِ والستين للنكبةِ، زارتْ مساجدَ “عكا” برفقةِ
الدكتور “عمران وادي” أستاذِ التاريخِ والآثارِ.

كانت أولى جولاتِ “السعادة” في مسجدِ اللبابيدي، فتحدّث د.” وادي” عن الممارَساتِ البشعةِ من قِبلِ الاحتلالِ؛ لمحاولةِ إغلاقِه، ولكنْ بفضلِ جهودِ أهلِ “عكا” والمسئولينَ؛ فُتِحَ المسجدُ، ورُمِّمَ  بعدَ معاركَ طاحنةٍ مع المؤسساتِ الرسميةِ،  بعدَ إغلاقٍ وإهمالٍ متواصلٍ منذُ نكبةِ فلسطينَ، إلى الثاني عشرَ من آذار عام (2012) على يدِ لجنةٍ خاصةٍ عملتْ على ترميمِه، وإعادةِ افتتاحِه أمامَ المُصلّين.

ويتابعُ :” يقعُ مسجدُ “اللبابيدي” في الجهةِ الشماليةِ – الغربيةِ خارجَ أسوارِ البلدةِ القديمة، بالقربِ من شاطئ البحرِ، في نهايةِ شارعِ “الرشادية” (الذي سمّوه غصباً “بن عامي”)، بُني المسجدُ في فترةٍ اشتدّتْ فيها حاجةُ المسلمينَ إلى مسجدٍ قريبٍ يؤمُّه المُصلّون، خاصةً الذين سكَنوا خارجَ الأسوارِ، وبالقربِ منه.

يُنسبُ بناؤه إلى ابن عكا “الحاج أحمد بن عبد الله اللبابيدي” الذي كان تاجراً ميسورَ الحالِ، يمتلكُ عقاراتٍ وأراضٍ، وقد بناهُ على نفقتِه الخاصة، كصدقةٍ جاريةٍ، وأطلقَ عليه الناسُ اسم جامع “العمارات” لقُربِه من منطقةِ العماراتِ الجديدةِ؛ التي بُنيتْ في فترةٍ متأخِرة.

بُني المسجدُ بشكلٍ مستطيلٍ، وبدونِ مئذنةٍ، تزيّنُ جدرانَ المسجدِ العديدُ من المخطوطاتِ، لآياتٍ وسوَرٍ من القرآنِ الكريمِ؛ من إبداعاتِ الخطّاط “محمد علي” الذي خطَّها بالخطِّ الفارِسي، ويَظهرُ بالخطِّ الديواني لوحةٌ واحدةٌ كُتبتْ عليها الآيةُ ( قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسِهم، لا تقنَطوا من رحمةِ الله، إنّ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعاً، إنه هو الغفورُ الرحيمُ)

وأُقيمَ المسجدُ فوقَ قطعةِ أرضٍ مساحتُها (دونم ونصف الدونم) حيثُ كانت تحيطُ بالمسجدِ حديقةٌ كستَها الأعشابُ والأشواكُ لسنينَ طويلةٍ، وكانت عامرةً بالعديدِ من أشجارِ النخيلِ والتينِ والعنبِ، وما زال بعضُها حيّاً اليوم، في حين نُظفتْ الساحةُ الواقعةُ أمامَ المسجدِ، وأُزيلتْ (الميضأة) من مدخلِ المسجدِ قبل سنوات.

تعرّضَ المسجدُ إلى عدّةِ محاولاتِ اعتداءٍ من جهاتٍ إسرائيليةٍ، وقد جرتْ العديدُ من محاولاتِ ترميمِ المسجدِ، وتهيئتِه للصلاةِ فيه، إلا أنها لم تَنجحْ، حتى جاءت لجنةُ أمناءِ الوقفِ الإسلامي – مسجد “الجزّار” ونجحتْ بافتتاحِه والصلاةِ فيه، واليوم يؤمُّ المُصلّين فيه الشيخُ “محمد زهرة”

وبالانتقالِ إلى مسجدِ “البُرج” الذي يقعُ على سورِ المدينةِ، بالقربِ من بوابةِ “عكا” البريّة، وأُطلقَ عليه هذا الاسمُ؛ لكَونِه يقعُ على البُرجِ الدفاعيّ لبوابةِ الأُسودِ، وهي البوابةُ الرئيسةُ لأسوارِ “ظاهر العمر” وقد شُيّدَ هذا الجامعُ خصيّصاً للجنودِ المرابطينِ على الأسوار، يُصعَدُ إليه عبرَ درجاتٍ من شارعِ “صلاح الدين” وقد استعملَه الضباطُ العثمانيونَ؛ الذين كان مقرُّهم في مبنَى محكمةِ الصُلحِ الآن.

إنّ مساحةَ الجامعِ تبلغُ نحوَ (مئةِ مترٍ مربّع) وتعلوهُ قبّةُ بيضاءُ متوسطةُ الحجمِ، بلا مئذنةٍ، ولا تقامُ الصلاةُ في هذه الأيامِ في جامعِ البُرج، وكانت فيه مؤسسةُ الجامعيينَ العكِّيّينَ العرب”،

وتََحدّث  دكتور الآثارِ عن جامعِ “الجزار” فيقولُ :” أهمُّ مساجدِ “عكا” لضخامتِه وعُلُّوِ وجمالِ قُبّتِه الخضراء، وهو يبدو حارساً للمدينةِ وهُويتِها، وفيه تقامُ خطبةُ الجمعةِ المركزية في المدينة، بُني المسجدُ في القرنِ الثامن عشرَ؛ على يدِ حاكمِها الأبرزِ خلالَ الحقبةِ العثمانيةِ المتأخِرة “أحمد باشا الجزار” الذي يدلِّلُ لقَبُه على شِدّةِ بأسِه، ويأخذُ المسجدُ المبنِيُّ على الطرازِ العثماني، وفي ساحتِه ضريحُ بانيهِ، شكلاً مستطيلاً، جُلبتْ حجارتُه من خرائبِ “قيساريّة وعَتليت” في فلسطين.

ويوضّح د. “وادي” أنّ الغُرفَ المحيطةَ بالمسجدِ؛ استُخدمتْ مأوىً لطلابِ العلمِ، ممّن درَسوا في مدرسةِ الأحمديةِ حتى العام (1948) وهي مدرسةٌ مُهِمّةٌ خرّجتْ أجيالاً من المثقّفين الفلسطينيين.

ويبيِّنُ أنّ هذا المسجدَ؛ تعرّضَ لمحاولاتٍ شرسةٍ لطمسِ ملامحِه الفلسطينيةِ  من قِبلِ المحتلّين، ولكنْ بفضلِ اللهِ ثُم المدافعينِ عنه؛ استطاعوا المحافظةَ على هُويتِه، فمَهما فعلوا لن يغيِّروا جذورَ وثوابتَ أصيلةً .

ويحدِّثُنا دكتور الآثارِ عن أقدمِ المساجدِ، وهو  مسجدُ “الزيتونِ” نسبةً إلى الأشجارِ المحيطةِ به، إذ يعودُ إلى الفترةِ العثمانيةِ عام( 1745) لكنه يقومُ على أنقاضِ مسجدٍ أُموَيٍّ من القرنِ الثامنِ الميلادي، وتتوسطُ باحتَه نافورةٌ مبنيةٌ على الطرازِ المعماري السلجوقي.

ويتابع “يمتازُ المسجدُ بلمساتٍ فنيةٍ فاطميةٍ؛ كانت تُعتمَدُ في مساجدِ المغربِ العربي، وكان طيلةَ العقودِ مَقرَّاً للشيخِ “علي نور الدين اليشرطي” مؤسِّسِ الطريقةِ الشاذليةِ في القرنِ التاسع عشر”.

أمّا مسجدُ “الميناء” فشأنُه كشأنِ مسجدِ “الزيتون” إذ سبقَ أنْ حوّلَه الصليبيون إلى كنيسةٍ، قبلَ استردادِه على يدِ المماليكِ، في القرنِ الثاني عشر الميلادي، وهو من أوائلِ دُورِ العبادةِ في المدينةِ، ويقومُ بمحاذاةِ ساحلِ البحرِ الأبيضِ المتوسط.

ويوضّح د. “وداي”  عراقةَ المسجدِ الذي يُشبِهُ “الجزّار” في تصميمِه الخارجيّ والداخلي، بالإشارةِ إلى كثرةِ تسمياتِه في الفتراتِ المتتاليةِ؛ التي شهِدتْ ترميماً له؛ كمسجدِ “البحرِ” ومسجدِ “سنان” نسبةً إلى بانيهِ المهندسِ العثمانيّ الشهيرِ “سنان” باشا، وجامعِ “الجرينة”.

وتبقَى مساجدُ “عكا” الكثيرةُ؛ تحفظُ مكانتَها التاريخيةَ، وتَشهدُ على عراقتِها ومركزيتِها، مِثلَما تساهمُ في زيادةِ رونقِها، بفضلِ ملامحِها الفنيةِ والهندسيةِ المتنوعةِ والجميلةِ، وتصونُ هُويّتَها العربيةَ الإسلاميةَ الفلسطينيةَ، وتوصلُ رسالتَها في الذِكرى السادسةِ والستينَ للنكبةِ، وتقولُ: سيبقَى الأذانُ يَصدَحُ عبْرَ المآذنِ في كلِّ مكانٍ ..

 

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التكافلُ الاجتماعيُّ صمامُ أمانِ الأُسرِ المستورةِ في رمضانَ

إعداد – إسراء أبو زايدة يتسابقُ المؤمنونَ في شهرِ اللهِ للعطاءِ والطاعاتِ وفعلِ الخيراتِ..، والتكافلُ ...