الطبيعة الأم

عرفتها منذ الصغر، فتاة رقيقة هادئة، مفعمة بالحساسية والشاعرية، متزنة الروح والنفس، حادة البصر والبصيرة، واثقة الصبر، لا تعبأ بالصخب، ولا تزعجها الوحدة، سألتها ذات يوم عن صفاتها تلك، قد تفاجأت من “التركيبة” التي نعتّها بها، فابتسمت وقالت: لا أفهم تماماً سبباً لتفسيرها، لكنني أظنه شيئاً واحداً فقط، لا بد أن تحضري بنفسك، فهو غير قابل للشرح.

اصطحبتني إلى بيتها، وأنا أعرف أنها من سكان منطقة هادئة وسط عدة بساتين، لكنني لم أتوقع أن أرى ما رأيته في منزلها، أو بوصف أدق: منتجعها!

نعم، لقد كان منتجعاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى في زمن التكدس السكاني واللاحق المعماري، وفوضى المجمّعات الملوثة، بستان من أشجار مختلفة الثمار تبلغ مساحته دونمين، وهي ثروة عائلتها الوحيدة، “البيارة”، التي اختاروا إنشاء منزلهم المتواضع على أرضها حفاظاً عليها من استيلاء أصحاب البيارات المجاورة على قطع منها، كما شهدوا في محاولات سابقة باءت بالفشل، منزل متواضع لكنه ينم عن حس مرهف، تستغل النوافذ والشرفات في جدرانه المساحة العظمى، ويختبئ بين الأجمات ككوخ الأقزام السبعة، وسط ممرات صخرية بسيطة وأنيقة، ويقطع البستان جدول صغير جارٍ مصدره نبع ماء طبيعي، جعل له والدها مجرىً صغيراً كنهر عريق، أضفى على المكان سحراً وجمالاً وروعة، كان تلك الزيارة إجابة كافية عن كل شيء، ووسط ذهولي وأنا أتجول في الحديقة السحرية التي تقطعك عن العالم إلا من أصوات الطيور وخرير الماء وعليل الهواء، ابتسمت وقالت: أظن أن هذا هو السرّ، قلت: بل هو سرّ الأسرار، إن بإمكاني أن أصبح “بولدير”، في هذا المكان!

قبل أن أقضي اليوم على شرفتها الساحرة التي تطل مباشرة على الطبيعة الأم، قابلت والدها العجوز، منهمكاً في ترتيب جنته، حياني مبتسماً، ولم يترك ما بيده، وعقّب بجملة قصيرة مختصرها: إنني أجد في هذه الجنة الصغيرة بعض التعويض عن جنتي الكبيرة الرائعة التي تركتها في الكوفخة..”الذكرى بتموتش يا بنتي، بس إشي أهون من إشي”.

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الهدف

من أسباب النجاح في الحياة أن تتعلم كيف تضع أهدافك، وتركز عليها، وتسعى لتحقيقها، فحياتنا ...