الرئيسية » كتاب الثريا » أحبِّيهِ هوناً.. وحصِّنيهِ بالأنفال

أحبِّيهِ هوناً.. وحصِّنيهِ بالأنفال

بقلم: الكاتبة الصحفية دعاء عمار

التضامنُ مع الأسرى، أَمْ التضامنُ مع المخطوفين، أَمْ مع الجرحَى، أَم المرضى الذين أغلقتْ عليهم المعابر، أَم مع المحاصَرين في بيوتهم ومخيماتِهم منذ سنوات، أَم مع أنفسِنا المُثقلةِ بالوهنِ والعجزِ عن نصرتِهم وعونِهم جميعاً، مع من قد يتضامنُ الإنسانُ وهو بحاجةٍ للتضامنِ من غيرِه؟!، وما الذي يمكنُنا أنْ نفعلَه ونحن نعيشُ في الخندقِ نفسِه.. ويمارسُ علينا التضييقُ ذاتُه، والعبثُ بالإنسانيةِ والكرامةِ والحرية!

في الواقع سأتضامنُ هُنا مع الأمهاتِ، والأخواتِ والبنات.. مع كل القلوبِ التي تئِنُّ تحتَ وطأةِ الشوقِ والحنين، مع من أحبّتْ وانتظرتْ، سهرتْ الليالي حتى كبروا ونضجوا وباتوا قابَ قوسينِ من تحقيق أحلامِهم وأحلامِها فيهم، لكنّ قوسَ الدهرِ كان أسبقَ.. فرماهُم بسهامِه في لحظةٍ غافلةٍ.

فكيف تراهم يقضونَ أوقاتَهم؟ يَعدُّون الساعاتِ بل الدقائقَ والثواني في غيابِ أحبتِهم قسراً بشكلٍ لا يعرفون معه أين هم؟ ولا ماذا يفعلون؟ ولا كيف يَبيتون ليلَهم؟ ولا يمرُّ عليهم نهارُهم؟، أبعافيةٍ هم.. أَم في سقَمٍ؟، هل يأكلون ويشربون؟ أم يُضطهدونَ ويكبَّلون؟، هل يرحمُهم من سرق أمنَهم، ومزّقَ أمنيّاتِهم على أعتاب الأخوّةِ الغادرة؟

أَم تراهُ يستعذبُ ممارسةَ القمعِ والتنكيل والإرهابِ صَغاراً وانصياعاً للعدوِّ الأولِ، الذي تركوه جانباً، وارتأوا أنْ يكونوا له خدماً وأعواناً، على خنقِ كلِّ مَن يَخرجُ من تحتِ سيطرتِه، أو يَفوقُهم كرامةً وعزّةً، بعدما نطقوا له بالشهادتينِ، وكفّروا عن كفرِهم به ذاتَ يوم.

سأتضامنُ مع من ترى في المحتلِّ المباشرِ؛ أهوَنِ الشرَّينِ، وأخفِّ الضررينِ على أبنائها، سأتضامنُ مع تلك التي ترى في الشهادةِ راحةً من عناءِ الانتظارِ على بواباتِ المعابرِ؛ كي تَحصلَ أو لا تحصلَ على تصريحِ زيارةٍ بعدَ يومٍ أو يزيدُ من التنقلِ والإذلالِ، لا تكادُ تَصلُ دقائقَ معدوداتٍ، لا يُشبِعنَ الشوقَ، ولا يَطفينَ لهيبَها المُحترقَ قلقاً وألماً عليه.

لذا وأنتِ تُنشئيهِ يا أمَّه.. أحبِّيه هوناً،، فأنتِ عندما أعدَدتِه صغيراً؛ لا بدّ كنتِ تُردّدينَ على مسامعِه حبَّ الوطنِ، وحِرصَ المجاهدِ على أرضِه وكرامتِه، ومن المؤكّدِ أنكِ غرستِ فيه عزّةَ القَويِّ، وأحلامَ التحريرِ على يديهِ، فهل بعدَ ذلك كلِّه؛ تخافينَ عليه بعضَ اللئامِ، يتحيّنونَ الظلامَ كي يسرقوهُ، أو يخطفوهُ، أو حتى يقتلوه؟.

هو الطريقُ لا بديلَ عنه.. فكما علّمتِه خطواتِه يوماً بعدَ يوم، وأسرَرتِ إليه في الحكايا؛ أنّ هذا هو دربُ الفائزينَ، وعليه سار عمرُ وصلاحُ ومحمدُ.. وغيرُهم الكثيرُ الكثير، كُوني أنتِ من ضِمنِ الحكايا، وقُصّي على نفسِك المُرهَقةِ قبلَ السَّحرِ؛ كيف كانت سُمية وأسماءُ والخنساءُ؟، وكيف كانت أمهاتُ الشهداءِ من قبلُ ومن بعدُ؟، كيف كُنَّ الثباتَ والصمودَ؟، وكيف كُن في نفس الوقتِ صوتاً يصدحُ بالحقِّ في وجوهِ الناعقينَ؟.

تَحلّي بالقوةِ إنْ كَثرتْ المشقاتُ، وأضيئي ليلَكِ باليقينِ حينَ يشتدُّ الظلام، وارفعي كلَّ المَطالبِ أمام العالمينَ؛ أنّ هذا الطريقَ لا يمكنُ أنْ نحيدَ عنه، ولا نَلينَ؛ حتى وإنْ مدَّدوا أمدَ الحصارِ، ورمّموا بالكُرهِ ما خلّفوهُ من دمارٍ..

ولْتَتركي مِن خلفِك مَن يحتالونَ عليكِ باسمِ القانونِ حيناً، وأحياناً باسمِ الحبِّ والسلامِ، فالقانونُ ما خلقوهُ إلاّ كي يُطبّقَ على الخائفين، أمّا الحبُّ والسلامُ في عُرفِهم؛ فهو التذلُّلُ تحتَ أقدامِ المحتلِّ.

فأنتِ الآنَ أقوى في خطواتِك على بواباتِ الأقصى حينَ أبعدوكِ، وفي ترتيلِك القرآنَ على أرصفةِ الشوارعِ، حينَ قرّروا وضْعَ الحواجزِ بينَكِ وبينَه، وفي بقائكِ في تلك الخيمةِ على ركامِ منزلِك الذي دمروهُ، حينما قرّرَ زوجُكِ أنْ يكونَ شهيداً في ساحاتِ القدس، وحتى إنْ طردوكِ منها إلى أيِّ مكانٍ آخَرَ؛ فأنتِ هناك وحدَكِ لا أحدَ سواكِ.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إضاعة الوقت في رمضان

بقلم: الشيخ عبد الباري محمد خلة كثير من الناس يشغل وقته في رمضان في مشاهدة ...