الرئيسية » أسرتي » آباء و أمهات » العُمر.. هاجسٌ لا تبوحُ به المرأةُ بسهولةٍ؛ خوفاً من ثقافةِ المجتمعِ

العُمر.. هاجسٌ لا تبوحُ به المرأةُ بسهولةٍ؛ خوفاً من ثقافةِ المجتمعِ

تحقيق : أحلام الصعيدي

عادةً ما تستاءُ المرأةُ من السؤالِ عن سنواتِ عمرِها!، فهنَّ لا يفضِّلنَ الاعترافَ بأعمارِهنَّ! بل إنّ قواعدَ (الاتيكيت) تمنعُ من سؤالِ المرأةِ عن عمرِها ، و خوفُهنَّ من تقدُّمِ العمرِ؛ يوحي أنّ هناك ثقافةً في المجتمعِ أفرزتْ هذا القلقَ والخوفَ، فالكثيرُ من النساء أجمعنَ على أنهنَّ يُخفينَ أعمارَهنَّ حتى يَبقينَ صغيراتٍ في أعينِ أزواجهِنَّ والمجتمعِ، ولِيبقينَ جذاباتٍ و محطاً للأنظارِ، لذلك أفضلُ ثناءٍ تقدِّمُه للمرأةِ، عندما تخبرُك بِسنِّها؛ هو أنّ تقولَ لها “إنّ هيأتَها توحي بأنها أصغرُ من عُمرِها”.

ترى “دعاء شعت” – موظفةٌ في احدي الوزاراتِ الحكومية- أنّ الرجلَ يفضّلُ المرأةَ صغيرةَ السنِّ، وأنّ غالبيةَ الرجالِ الشرقيينَ عندهم هَوسٌ بالفتياتِ الصغيرات، وتقولُ لـ”السعادة”: “إنّ الرجلَ الغربي لا ينظرُ إلى مَن تَصغرُه بسنينَ كثيرة، بل إنّ المجتمعَ الغربي؛ ينتقدُ مَن لا يكوِّنُ علاقةً بفارقِ سِنٍّ كبيرةٍ، بل ويُشعرُ المرأةَ بأهميتِها وحبِّه لها في جميعِ مراحلِها، ولا يقفُ عندَ سنِّ مُعيّن، على النقيضِ من الرجلِ هنا، ما إنْ تكبَرَ زوجتُه؛ حتى يسعى إلى أنْ يجدِّدَ شبابَه بفتاةٍ أخرى”.

وتجدُ “شعت” أنّ الإيحاءَ للمرأةِ بصغرِ عمرِها؛ يُرضي غرورَ المرأةِ، ويُشعرُها أنها ما زالت محتفظةً بأنوثتِها، ويمنحُها فرصةَ عمرٍ أخرى، إذ تقول: “إنّ المرأةَ لا تتعمّدُ الكذبَ حولَ سِنِّها!، بل تحاولُ الهروبَ من واقعٍ فرضتْه عليها الثقافةُ الاجتماعية”.

ثقتي تمنعُني

الحاجة “أم على حماد” ترفضُ ذِكرَ عمرِها الحقيقِ! فابنُها البالغ ستّينَ عاماً يقول: والدتي تبلغُ ” 85″ عاماً ، وعندما تُسألُ عن عمرِها؛ تقول “61سنة ” لستني صبية وحلوة زي ما أنا “.

ويتابعُ ابنُ الحاجّة أُم علي: في أحدِ المراتِ رفض الطبيبُ أنْ يسجّلَ عمرَها” 61″، وطالبَها بقولِ عمرِها الحقيقِ، فقالت: وكلُّها ثقةٌ بنفسها:” 61″ سنة، و أكمِّ من شهر!! .

وتتفقُ مع “العلَمي” المحاميةُ شيرين حمدان 37 عاماً، فتقولُ :” ثقتي بنفسي تمنعُني من إخفاءِ عمري ، وتتساءلُ لماذا أُخفيه ؟ فمجتمعُنا صغيرٌ ومترابطٌ، ومن يعرفُ شيرين؛ يعرفُ الكثيرَ من المعلوماتِ عنها ، وتضيف: قلّما أرى فتاةً تُخفي عمرَها هنا في غزة، لكنّ كثيراً من الزملاءِ الرجالِ يخفونَ أعمارَهم طلباً للشبابِ، وخاصةً أولئك الذين تَبدو عليهم ملامحُ كِبرِ السنِّ، لاسيّما وأننا جميعاً نبدو أكبرَ من سنِّنا هنا في غزةَ .

معيارُ العنوسة

ومن جانبها تقولُ الأخصائية النفسيةُ والاجتماعيةُ “عروب الجملة، من برنامج الصحةِ النفسية نابلس : إنّ الأوضاعَ التي نعيشُها بفعلِ الاحتلالِ والحصارِ، وكلَّ الأزماتِ التي مرتْ علينا؛ تجعلُ ملامحَنا تبدو أكبرَ بكثيرٍ من أعمارِنا ، لأنّ متطلباتِ الحياةِ الأساسيةِ تحتاجُ الجهدَ الكبيرَ لتحقيقِها .

وتضيف: إنّ الظاهرةَ موجودةٌ بشكلٍ كبيرٍ، ومرتبطةٌ بعواملَ نفسيةٍ، ومعاييرَ اجتماعيةٍ، ينظرُ من خلالها المجتمعُ لعمرِ المرأة ، وترى أنّ أهمَّ عاملٍ نفسي، هو شعورُ المرأةِ الدائمُ بحُبها للصّبا والدلالِ والجمالِ، والذي هو مرتبطٌ بسنواتِ العمرِ في نظر الرجلِ، لذا تلجأُ الكثيراتُ للكذبِ في محاولةٍ لِلَفتِ نظرِ الرجلِ ، فمعيارُ “العنوسة” مرتبطٌ بسنواتِ العمر .

وترى “الجَملة” أنّ إخفاءَ العمرِ قد يتغيرُ من المرأة المتزوجةِ عن غيرها ، فالمتزوجةُ ترى أنها حقّقتْ طموحَها بالزواجِ والإنجابِ، فلا مشكلةَ لديها إنْ كبرتْ أو صغرتْ ، فالمجتمعُ ينظرُ إلى المرأة كبيرةِ السنِّ غيرِ المتزوجةِ، بنظرةِ شفقةٍ وكأنها تعيشُ الحرمانَ بعَينِه.

وتصفُ الأخصائية الاجتماعيةُ المرأةَ التي تلجأ للكذبِ بخصوصِ عمرِها ، في العادة تكونُ غيرَ واثقةٍ في نفسِها وشخصيِها و جمالِها، و تجعلُ محورَ تفكيرِها هو إرضاءُ الآخَرين، وشعورُها بأنها مرغوبةٌ وجميلةٌ في نظرِهم .

وتتابع: تلجأ المرأةُ إلى الكذبِ في مقدمةِ الأربعينات، حيثُ ترفضُ ما يعرفُ بسنِّ الأمانِ ” اليأس”، وبالتالي تصبحُ غيرَ قادرةٍ على الإنجابِ، فالمجتمعُ يعدُّ المرأةَ وعاءً للإنجابِ فقط ، أمّا المرحلةُ الثالثةُ التي قد تَكذبُ فيها المرأةُ بسنواتِ العمرِ؛ فهي ما بعدَ الستينَ خوفاً من الموتِ والتجاعيدِ والشيخوخةِ ، فنجدُ كبارَ السنِّ يختصرونَ عمرَهم خوفاً من الموتِ والمرضِ، و لرُبما الحسدِ .

عقدةُ المَظهر

ومن جهتِها تؤكّدُ الأخصائية النفسيةُ إيناس الخطيب :” إنّ إخفاءَ المرأةِ لسنِّها يتعلقُ بالنظرةِ الاجتماعيةِ السلبيةِ إليها، باعتبارها كائناً جميلاً، قبلَ أنْ تكونَ عقلاً أو حتى روحاً ، وبالتالي شكلُها وجسدُها هما المقياسُ الأولُ لتقييمِ دورِها في الحياةِ، وأيُّ تراجعٍ في أنوثتِها؛ يعني تراجعَها في الحياةِ وفى عيونِ الناس ، ولهذا تسعى طوالَ الوقتِ إلى إخفاء عمرِها الحقيقِ .

وترى “الخطيب” أنّ المرأةَ لم تُخلقْ لتكونَ جسداً فحسب، والتقدُّم في العمرِ قد يكونُ أحياناً دلالةً إيجابيةً على النضجِ، واتساعِ التجربةِ، وليس عيباً ، والخوفُ من التقدمِ في العمرِ أمرٌّ طبيعيّ مرتبطٌ بحُبِّ الحياةِ وحبِّ الذاتِ ، وقد عرفَ الإنسان حُلماً قديماً بأنْ يبقى شاباً وهو يبحثُ عن “ماء الحياة” ليعيدَ له الشبابَ ، وعندما تخفي المرأةُ عمرَها الحقيقَ، وتحاولُ أنْ تظهرَ بشكلٍ أكثرَ شباباً، وأصغرَ سنّاً؛ فهي تفعلُ ذلك لأنّ المجتمعَ يحدّدُ عُمرَ المرأةِ بقُدرتِها الجسديةِ الأنثويةِ، والتي ترتبطُ بنشاطِ الهرموناتِ، وغيرِها من الأمور العضويةِ الكيميائية ، وهناك اختلافٌ واضحٌ بين المرأةِ والرجلِ، من حيثُ نشاطِ الهرمونات، ولكنْ إلصاقَ قيمةِ المرأةِ بجسدِها فقط، وبالتالي تضخيمُ هذه القيمةِ على حسابِ المكوناتِ الأخرى؛ هو نوعٌ من ضِيقِ النظرِ والاضطهادِ لها.

عمرُ الحكمةِ

وبيّنتْ أنّ خوفَ المرأةِ من التقدّمِ في السنِّ؛ نتيجةً لخوفِ المرأةِ من الموتِ من الناحيةِ النفسيةِ ، بالإضافةِ إلى أنّ هناك العديدَ من الأساليبِ الدفاعيةِ النفسيةِ، التي يحاولُ الإنسانُ أنْ يستعملَها، ليبعدَ شبحَ الموتِ والشيخوخةِ، بعضُها إيجابيٌّ ومفيدٌ، وبعضُها غيرُ ذلك، والحقيقةُ أنّ الإنسانَ الذي خلقه اللهُ ذكراً أو أنثى؛ يمرُّ بمراحلَ متعددةٍ من الناحيةِ البيولوجيةِ والنفسية والاجتماعيةِ، ابتداءً بالمرحلةِ الجنينيةِ، إلى الطفولةِ، إلى المراهقةِ ثم الشبابِ، ثم مروراً بالكهولةِ، ثم الشيخوخةِ.. إلى أنْ تنتهيَ دورةُ الحياةِ بالموت.

وتنوّه أنّ عادةَ تصغيرِ السنِّ ظاهرةٌ مرتبطةٌ بالنساء، و بينما أصبح بعضُ الرجال يتّجِهونَ إلى استخدامِ هذه الظاهرةِ، ويقومون بإخفاء أعمارِهم؛ ليَظهروا بشكلٍ جذابٍ أمام الطرفِ الآخَرِ، و بحثاً عن الشبابِ في ظِل معادلةِ الخوفِ من التقدّمِ في العمرِ .

وتتفقُ “الخطيب والجَملة” على أنه من المؤسفِ أنّ أكثرَ النساءِ ينسينَ أنّ المرأةَ وإنْ كانت تفقدُ الجمالَ والنضارةَ، كلّما تقدّمتْ سنةً؛ إلاّ أنها تكتسبُ الحكمةَ كلّما كبرتْ يوماً، وهو الشيءُ الأهمُّ والأكثرُ فائدة، و بها تبقى المعادلةُ متوازنةً، وتبقى المرأةُ رابحةً، لو فكرتْ بهذه الطريقةِ.

في حين اهتمَ الإسلامُ بالجوهرِ أكثرَ من المظهرِ، ولذلك جاء في السُّنةِ أنّ سنَّ الاكتمالِ هو الثالثةُ والثلاثينَ، ويبدو -والله أعلم- أنّ المرأةَ في هذا السنِّ تكونُ متوازنةً، من حيثُ العقلِ، ومن حيثُ جمالِ المظهر؛ فيكونُ عقلُها ناضجاً، وشكلُها ما زال نضراً .

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صدقَ سَلمان.!

بقلم: إيمان يونس الأسطل. سمعتُ يوماً تسجيلاً لأحدِ الدُّعاةِ؛ يحثُّ الرجالَ على الخروجِ للدعوةِ في ...