الرئيسية » أسرتي » آباء و أمهات » صناعة الطفلِ المُبدع (2)

صناعة الطفلِ المُبدع (2)

صناعة الطفلِ المُبدع (2)

أهلاً بك من جديدٍ في المَقالةِ السادسةِ؛ لجعلِ حياتِك أفضلَ ، كُنا قد بدأنا الحديثَ هنا عن موضوعِ صناعتِك، وكيف تمّت في الطفولةِ ، عن البرمجةِ التي اكتسبتها وشكّلتْ شخصيتَك ، جولتُنا اليومَ كي نحترفَ فن التأثيرِ في صناعةِ الطفلِ المُبدعِ، وكيف تجعلُ من طفلِك إنساناً سعيداً يستحقُّ الحياةَ وبجدارةٍ .

مدخل : الذاتُ مقابلَ السلوكِ – أفصلُ بين الطفلِ وسلوكِه:

خلاصةُ ما ذكرناهُ سابقاً؛ أنّ الأطفالَ يتصرفونَ حسبَ توقُعكِ لتصرفاتِهم وقدراتِهم، وخصوصاً في السنواتِ  السبعِ الأولى من العمرِ، فالأطفالُ يؤمنون إيماناً راسخاً بما تخبرُهم به.. فإذا أخبرتِ طفلَكِ بطريقةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةِ، أو بالحديثِ عنه مع الآخَرينَ؛  بأنه عنيدٌ.. فسوفَ يكونُ كذلك، و إذا أخبرتِه بأنه خجولٌ فسوفَ يكونُ كذلك،  خصوصاً تلك العباراتِ التي تبدأ بصيغةِ  “أنت…” ثم الحديثُ عن الذاتِ، سواءٌ أكانت العبارةُ هي”أنت شقي جداً” أو “أنت طفلٌ رائع” . دَعني أوضّح لكِ الأمرَ بمِثالٍ عمليٍّ معكِ أنت ، هنالك فرقٌ كبيرٌ بين أنْ أتحدّثَ عن السلوكِ الذي قمتَ به؛ فأمدَحَه أو أذمَّه؛ وبينَ أنْ أتحدثَ عنك أنتَ فأمدَحَك أو أذمَّك ، توقفْ الآنَ عن قراءةِ المقالِ لحظةً، وفكّرْ في شيءٍ عن نفسِك فعلتَه أو تريدُ أو تتمنّى أنْ تفعلَه ؟؟ الآنَ أكملْ القراءةَ  . بخصوصِ الشيءِ الذي فكرتَ به قبلَ لحظةٍ: أنتَ كذاب ؟؟؟!!!

قل لي ما هو شعورُك ؟؟؟ لحظة لا تنفعلْ ، أعِدْ التفكيرَ مرةً أخرى تجاهَ ما فكرتَ فيه قبلَ قليل ؟؟؟ بخصوصِ نفسِ الشيءِ الذي فكرتَ فيه : هذا الشيءُ كذبٌ ؟؟؟ … طيب … هذا الشيءُ غيرُ صحيحٍ ؟؟؟ طيب … هذا الشيءُ غيرُ دقيقٍ ؟؟؟؟…. طيب …. هذا الشيءُ هنالك ما هو أدقُّ منه من وجهةِ نظري ؟؟؟

كيف هو تفاعُلكَ مع التعليقاتِ السابقةِ مِني على ما فكّرتَ فيه ؟ أيها تأثيرُه السلبي عليكَ أكبرُ ؟؟ وأيها أخفُّ ؟؟

أعرفُ أنك تقولُ الأولى أكثرُ تأثيراً سلبياً، لأنها تصفُ ذاتكَ ، تصفُكَ أنت كلُّكَ، وكلُّ تاريخِك، وكل ما فيك : كلُّه كذبٌ، وأنت كلك كذابٌ !!! هذا اسمُه انتقادُ الذاتِ .

تخيلْ معي كم مرةً تصفُ طفلك بهذه الطريقةِ يومياً ؟؟ مقابلَ كلِّ سلوكٍ غيرِ مُرضٍ قام به الطفلُ، فتصفُ ذاتَ الطفلِ بهذا السلوكِ، وتطبعُه طبعاً في داخلِه ، راقبْ حواراتِك مع طفلِك، هل تُشبهُ هذه:

“قيس ليش انت مؤذي هيك؟  مش عارف ليش انت يا هبة فاهية.   الخراب بيسعى بدمك يا أحمد،

خلَص مضليش هيك دلوعه”. نتصرفُ كما لو أنّ “الأذى والفهاوة والخراب والدلع” هي سماتٌ شخصيةٌ ثابتةٌ ودائمةٌ  في طفلِنا ، وأننا نتحدثُ كما لو أنّ هذه هي طبيعةُ أطفالِنا ، قيس له شَعرٌ بنيٌّ، وذراعانِ وعينانِ اثنتانِ، ومؤذي ومخرّب ووقِح،  وله قلبٌ ومعدةٌ ولسانٌ، وغبيّ وفاشلٌ، ولونُ عينيهِ عسليٌّ ….هذه اسمُها صفاتُ الذاتِ؛ تبقى راسخةً في الطفلِ، وثابتةٌ فيه، ويتبرمجُ بقوةٍ عليها . ابحثْ في نفسِك كشخصٍ كبيرٍ.. ستجدْ كثيراً من هذه الصفاتِ في داخلِك ، كم استغرقتُ في جلساتٍ خاصةٍ في الاستشارةِ؛ لأخلّصَ رجالاً كباراً من مِثل هذه الصفاتِ التي تمّتْ برمجتُهم عليها من أيامِ الطفولةِ ؟؟؟

الحلُّ والطريقةُ الصحيحة:

افصِلْ الشخصَ عن سلوكِه ، وتحدّثْ عن السلوكِ بمَعزلٍ عن ذاتِ الطفلِ، وعن شخصيتِه وكيانِه ،أنتَ قمتَ بإلقاءِ قِشرِ الموزِ على الأرضِ، وهذا سلوكٌ خطأٌ ، أنتَ رسبتَ في الامتحانِ، وهذا تصرفٌ يدلُ على الفشلِ ، أنتَ صرختَ في وجهِ أمِّك وهذا سلوكٌ غيرُ مؤدَّبٍ.

لاحظْ السلوكَ غيرَ مؤدَّبٍ وليس الطفلُ ، الفشلُ للرسوبِ، وليس للطفلِ ، الخطأ هو رمي الموزِ على الأرضِ، وليس أنّ الطفلَ خاطئٌ مُطلقاً، وكلُّه كذلك !!!

بالمقابلِ يمكنُ استخدامُ هذه الطريقِ للصفاتِ الإيجابيةِ؛ للتأكيدِ أنها في ذاتِ الطفلِ تماماً ، يعني عكسَ السابقِ تماماً في الصفاتِ الإيجابية ، استخدمْ لغةَ الذاتِ في الأمورِ الإيجابيةِ للطفلِ، فإذا قام طفلُك بعملِ شيءٍ مفيدٍ وإيجابيّ؛ امتدحْ ذاتَ الطفلِ :” محمد،شكراً أنك ساعدتَ ماما.. أنت ولدٌ شاطر  . قيس ،أنت كريم لأنك طعميت أختك من حصتك. حسن، أنت فنان لأنك رسمتَ بهذه الطريقة ، علي أنت مُبدع لأنك قمت بهذا التصرف ، الإبداع فيك من يومك” . هذه كلها صفاتٌ ذاتُ إيجابيةٍ، وقويةٌ تجعلُ الطفلَ يشعرُ أنها منه وفيه بعُمق ، فهو له شعرٌ بنيّ، وذراعان، ومبدعٌ وله قلبٌ ومعدة، وفنان ولونُ عينيه عسليّ، وكريمٌ وشاطرٌ وذكي، وله أصابع ..

الخلاصة: صفاتُ الذاتِ مُهمةٌ في البرمجةِ الإيجابيةِ والسلبيةِ على حدٍّ سواء، فهي تصنعُ فينا ما نحن عليه، وما نريدُ أنْ نكونَ ، المعادلة:

الأبُ يقول : أنت + صفة ذات سلبية = برمجة سلبية عميقة  . مثال : أنت غبي = شعور الطفل العميق، وقناعته بالغباء وتصرُّفه بناءً على ذلك .

الأب يقول : أنت + صفة ذات ايجابية = برمجة ايجابية عميقة . مثال : أنت ولد ذكي = شعور الطفل العميق، وقناعته بالذكاء، وأنه جزء منه، والتصرف بناءَ على ذلك

الخطوة العملية:

لكُل شخصٍ : لاحِظْ أهمَّ الصفاتِ العميقةِ فيك، وكيف ارتبطتْ بذاتِك من الطفولةِ، سواءً الإيجابيةَ لتعزِّزها، أو السلبيةَ لتعملَ على تغييرِها.

للأبِ والأم : افصِلْ بين طفلِك وبين سلوكِه ،في حالةِ الخطأِ؛ انتقدْ السلوكَ السلبي ، وفي حالِ المَدحِ امدَحْ الذاتَ بالسلوكِ الإيجابي: أنتَ طفلٌ ذكيٌّ ومُبدعٌ ..ولكنْ ماذا بعدَ انتقادِ السلوكِ السلبي ؟؟ ما هي الخطوةُ المُهمةُ للتغيير ؟؟ انتظِرْ المقالةَ التالية.. ، في أمانِ اللهِ أتركُك.

 

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المولودُ الجديدُ عاداتٌ ونصائحُ لنومٍ عميقٍ

بمُجردِ أنْ ينتهي قلقُ وتَوترُ الحملِ والولادة، تدخلينَ في مرحلةٍ جديدةٍ تواجِهينَ فيها تحدياتٍ مختلفةً، ...