الرئيسية » أسرتي » أزواج وزوجات » الطلاق ليلة الزفاف.. فرحة لم تكتمل

الطلاق ليلة الزفاف.. فرحة لم تكتمل

انهيار قبل البدء

الطلاق ليلة الزفاف.. فرحة لم تكتمل

في ليلة الزفاف، ومن قاعة الفرح ينفض المحتفلون، وينهار كل شيء في لحظة، وتتحول الألوان الزاهية إلى السواد، لأسباب قد تكون تستحق أن نهدم كل شيء في ذروة الانطلاق، وقد تكون تافهة لا تستحق أن ندفع من أجلها باتجاه الكارثة.

الطلاق ليلة الزفاف، بالطبع ليس نهاية المطاف، لكنه حتماً كارثة اجتماعية ونفسية؛ أول ضحاياها المرأة؛ التي تحمل لقب مطلقة لحظة الزفاف وقبل تمامه. فما هي أسباب هذا الطلاق؟ وهل للأهل دور في وقوعه؟ وما آثاره النفسية والاجتماعية على كلا الطرفين؟

تحقيق :هداية الصعيدي

بتنهيدة طويلة بدأت منى (20عاماً) حديثها بالقول: “حفل زفافي كان فرحتي التي لم تكتمل، فمنذ أن داست قدمي قاعة الحفل لم يُعرني أحد من أهل زوجي أي اهتما؛م كأني إحدى ضيوف هذا الحفل، أو أنني قطعة الأثاث التي اشتروها، ولا تهم كثيراً، وبقى إخوته الرجال منذ أن دخلت إلى ما يقارب الساعة والنصف وأنا جالسة مكاني؛ وعليّ عباءتي، وكأن الأمر لا يخصني وليس لي علاقة بما يحدث”.

وتصمت للحظات، وكأنها لا تريد أن تعود بذاكرتها إلى تلك الأيام، وتضيف: “فما كان من والدتي إلا أن أخذت بيدي وهمت بالخروج من الصالة حينها انقلب الفرح إلى ترح، وتراشق كلمات الشتم، بل لم يتوانوا في ضربي.

وتترك لشرودها ودموعها نصيباً من الوقت؛ لتعود وتصف مأساتها: “حينها لم أشعر بنفسي إلا بعد أن أفقت من الإغماء، وبدلاً من أن أعود إلى بيت الزوجية الذي حلمت به عدت من حيث أتيت أحمل لقب مطلقة”.

جرح غائر

“رسمنا حلم حياتنا معاً وخططنا لمستقبلنا، ولكن هناك من هدم أسرة لم تولد بعد، فكنا ضحية ذنب لم نقترفه”. بهذه العبارات روت (ي.ع 25عاماً) حكايتها، ولم تستطع أن تمنع دمعة حزن أبت إلا أن تنزل لتروي لنا حكاية هي صاحبتها: “كنت أنا وخطيبي سعداء معا، وكان التفاهم بيننا أساس علاقتنا، وكل منا يحترم الآخر، ويقدره حتى لاح لي في الأفق ظلال بيت سعيد، تحيط به السكينة والألفة والمحبة، لكنها سرعان ما اختفت”.

وتصمت قليلاً، وكأنها تحاول ألا تنكأ جرحاً غائراً بدأ يندمل، وتضيف: “تقدم أخ خطيبي لخطبة أختي ،ولما رآه أهلي من حسن أخلاق خطيبي وافقوا عليه، لكن هذه الموافقة كانت مقدمة الفراق بيني وبين خطيبي حيث كان أخوه وأختي على خلاف دائم، وعدم توافق، ولم يستطيعا الانسجام معاً، فلم يكن أمامهما إلا الطلاق”.

والصدمة الكبرى كما تقول “أن هذا القرار اتخذ يوم زفافي فقد شب خلاف بين أختي وخطيبها قبل ساعات قلائل من بداية فرحي، وأيضاً بين أختي ووالدة خطيبها في قاعة الحفل، لكني لم أتوقع بأن ينتهي الأمر بطلاقهما، وأخذت بذنبهما لأطلق، وكان هذا بضغط على زوجي، ليبقى هذا جرح لي ولخطيبي، لأعيش بعدها ثلاث سنوات في شبه عزلة عن المجتمع”.

حطام بشري

ويرى د.علم النفس والتربية درداح الشاعر أن الزواج هو فرصة طيبة لاستمرار الحياة وتجديد النسل، وهو أمر فطري في حياة الإنسان، والإسلام حث عليه ونفر من البعد عن الزواج، وجعل الطلاق أمراً غير محبب، ووفر كل السبل التي تؤدي إلى إتمام الزواج.

أما عن الآثار النفسية على كلا الطرفين فيوضح الشاعر أن الخاطبين سوف يتعرضان إلى ما يعرف بالصدمة النفسية؛ التي تخلق حالة من عدم التوازن النفسي، وتؤدي الخوف وفي بعض الأحيان ربما تؤدي إلى الأمراض الجسمية المصاحبة لهذه الصدمة النفسية، وعليه تعيش المرأة حالة من التردد والشك والريبة والخوف من المستقبل، والخوف من الرجال بصفة عامة لأنها تقوم بعملية تعميم بأن جميع الرجال كتاركها، وربما إذا تقدم لها أي رجل ستكون في حالة من التوجس والريبة، وكذلك قد تصبح تشك في نفسها وفي قدراتها، “فهي تظن نفسها أنها غير قادرة على الزواج وتشعر بالضعف والعجز النفسي”.

ويضيف: “ستعاني من النظرة الاجتماعية الصعبة فالمجتمع ينظر إليها  كمطلقة، وبالتالي سينالها من الوصمة من المجتمع ما ينالها من سخرية واستهزاء وفي بعض الأحيان تحقير أو عدوان عليها، وربما تتحول هذه الفتاة إذا لم يكن لديها عقيدة قوية إلى حطام بشري” .

وفي مجتمعنا حينما يحدث الطلاق -كما يقول الشاعر- لا يلام الرجل في شيء، لكن المرأة هي من تلام، ولهذا تكون المخاطر النفسية والصحية والاجتماعية على المرأة وعلى أسرتها أيضا أكبر بكثير من المخاطر الواقعة على الرجل وعلى أسرته، بل قد تشعر في بعض الأحيان عائلة الرجل بالفخر من التخلص من هذه العروس، لكن أسرة المرأة يصاحبها الضيق والقلق والخوف على المستقبل، إضافة إلى الخشية من معايرة المجتمع.

ويؤكد الشاعر أن نظرة المجتمع للمطلقة قبل الزواج تختلف عن نظرته لها بعد الزواج، فالتي طلقت بعد أن تزوجت تكون الوصمة لها أكبر، لأنها منحت فرصة لأن تعيش حياة كريمة ولكنها فشلت، بغض النظر عن أي منهما كان السبب في وقوع هذا الطلاق، لكن التي طلقت قبل الزواج لم تمنح فرصة كافية للتعرف على زوجها، أو إمكانية النقاش أو دفع الأذى ورد الظلم، وبالتالي انتهت العلاقة قبل أن تبدأ، وسيكون مستوى “الوصمة والعار” الذي يلحق بالمرأة التي طلقت بعد الزواج أكبر من الذي يلحق بالمرأة التي طلقت بعد الزواج.

أفسحوا لها المجال

ويبين آليات العلاج فيقول: “إذا أردنا أن نصلح من هذه الحالة النفسية التي وصلت إليها الفتاة والشاب؛ علينا أن نظهر لها سلبيات هذا الشاب الذي تركها حتى تشعر بأنها لم تخسر شيئاً؛ لأنها إذا شعرت أن الذي تركها إنسان طيب الأخلاق وفاضل ستظل تشعر بالندم مدى الحياة, ولا بد أن نفسح لها مجالاً وأملاً في الحياة، وأنها لا زالت إنسانة طيبة ومخلصة، وحتماً سيتقدم لها الكثيرون من الرجال، ويجب أن نمنحها ثقتها بنفسها”.

ويضيف: “يجب على المجتمع أن يتقبلها ويعزز موقفها، ويعطيها مزيداً من الثقة بنفسها، كي تخرج من هذه المحنة ويتوقف عن معايرتها، فإذا بقى المجتمع يعايرها بأنها فقدت شيئاً كبيراً وكان إيمانها ضعيفاً ستتحول إلى حطام، وسوف ترفض الزواج، وتعيش في عزلة، وربما في لحظة من اللحظات قد تفكر في الانتحار؛ إن لم يكن لها عقيدة قوية، لكن إذا منحها المجتمع ثقة بنفسها؛ حينها سترى أن هناك أفقاً في الحياة، ووجود الدعم الأسري والاجتماعي سيبقي عندها الأمل في الحياة والحصول على زوج مناسب.

أما عن حكم الشرع في هذا الأمر فيقول عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية الدكتور ماهر الحولي: “الشريعة الإسلامية جعلت هناك كليات خمس ضرورية متمثلة في “الدين، العقل ،المال ،النفس ،العرض، والزواج يأتي للمحافظة على العرض وكذلك النسل وشرع الله عز وجل الزواج كي تستمر الحياة وجعله سكن ورحمة ومودة” .

ويوضح الحولي أن هناك اختلاف بين الطلاق الذي يقع قبل الدخول، والذي يقع بعد الدخول، فمثلا المطلقة قبل الدخول يرجع لها نصف المهر، وذلك بنص القرآن الكريم “وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم “وأيضاً لا يوجب للمطلقة عدة على عكس الطلاق الذي يقع بعد الدخول فيكون للمطلقة عدة”.

ويضيف: “الطلاق قبل الدخول يستوجب عقد ومهر جديدين إذا أراد الزوج أن يراجع زوجته؛ بخلاف الطلاق بعد الدخول فللزوج أن يراجع زوجته بعد الطلقة الأولى والثانية خلال فترة العدة من دون مهر جديد أو عقد جديد، وهذا ما يعرف بالطلاق الرجعي، لكن إذا طلقها طلقة ثالثة فإنها لا ترجع له حتى تنكح زوجاً غيره بشرط ألا يكون ذلك باتفاق أو بشيء من هذا القبيل”.

علاج أخير

ويقول: “الطلاق في أصله مباح إذا تعثرت الحياة الزوجية إلى أقصى الحدود وشرعه الإسلام كعلاج أخير بعد جملة من الوسائل وطرق العلاج، ويمكن أن يلجأ إليه ويقع قبل الدخول عندما يظهر لأحد الطرفين ما يكره في الآخر ويشعره أن الحياة معه قد تكون مستحيلة، لكن إذا وقع يجب أن يقفوا عند حدود الله ولا يظلم بعضهم بعضاً ولا ينتهكوا أعراض بعضهم البعض” .

وفي ختام حديثه ينصح الحولي الأزواج بأن يحافظوا على هذا الرباط المقدس، وألا يستهينوا به، فهو آية من آيات الله، ومن خلاله تنشأ الأُسر، وتقام المجتمعات وتترابط وتتكون الأمة الإسلامية الصالحة. فيجب أن نأخذ كل التدابير والأسباب من أجل اختيار الزوج والزوجة المناسبين؛ من أجل أن نضمن الحياة الزوجية الكريمة، لكن إذا وصلا إلى طريق مسدود يجب أن يراعيا حرمة الشريعة الإسلامية، ويجب على أولياء الأمور أن يعطوا الفرصة للأزواج، وألا يتدخلوا في مشاكلهم إلا بما فيه الخير والصلاح وتقريب وجهات النظر، وألا ينحوا منحى الخصومة، ولابد أن يتحلى الجميع بالصبر والحلم، ويضع تقوى الله أمام عينيه.

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كلماتٌ نُدَمِرُهم بها !!

بقلم : د.مريم البرش لَئيمٌ، صعبٌ، بخيلٌ، خبيثٌ.. بعضُ الصفاتِ التي قد تُطلِقُها الأمُّ أو ...