الرئيسية » غير مصنف » الشهيدُ “البطش” – تنميةٌ بشريةٌ إبداعيةٌ

الشهيدُ “البطش” – تنميةٌ بشريةٌ إبداعيةٌ

بقلم الكاتب: أ. محمد شفيق السرحي.

برزتْ منظومةُ ومُصطلحُ ” التنميةِ البشريةِ “، التي تُعنَى بالاهتمامِ بمُقدّراتِ الإنسانِ البشري، وتطويرِ مهاراتِه، والانطلاقِ من مبدأ المركزيةِ والمِحوريةِ له، في عمليةِ الارتقاءِ والتطوّرِ العِلمي والحضاري، وأنه مَدخلٌ أساسٌ مُهِمٌ، لتحقيقِ التنافسيةِ العالميةِ على مستوى الأفرادِ والكياناتِ والدولِ، في أواخرِ القرنِ العشرين، وبدايةِ القرنِ الحادي والعشرين؛ من حيثُ تطويرِ العقولِ المُبدِعةِ، واحتضانِها، وتزويدِها بالمعلوماتِ والخبراتِ، والمهاراتِ التي تؤسِّسُ لقفزاتٍ نوعيةٍ في ميدانِ الإبداعِ الحضاري، والاكتشافِ والاختراعِ العِلمي .

لقد كان لنجاحِ تجاربِ العديدِ من الدولِ الفقيرةِ والناميةِ، في أرجاءِ العالمِ المتسارعِ التطور_ شرقاً وغرباً_ التأثيرُ البالغُ في انتشارِ مفاهيمِ ” التنميةِ البشرية ” بالمنطقِ العملي الواقعي، بعيداً عن النظرياتِ الجوفاءِ، والمثاليةِ المُبالَغِ فيها، فكانت التجربةُ الماليزيةُ، والتركيةُ، والسنغافوريةُ، التي انطلقتْ من تنميةِ الإنسانِ، وجعلتْهُ المَدخلَ الأساسَ في تطويرِ التعليمِ والاقتصادِ؛ ما انعكس على بقيةِ المنظوماتِ الأخرى داخلَ الدولةِ الواحدةِ.

ومما تَجدُرُ الإشارةُ إليه؛ أنّ العقليةَ العربيةَ والإسلاميةَ ليست بِمَنأى عن هذه المنظومةِ في أفرادِها، وبعضِ كياناتِها، وخاصةً التي وَجدتْ احتضاناً واهتماماً، وبيئاتٍ خصبةً لنموِّ وتطويرِ الإبداعِ، وهذا ما ينسابُ إلى مسامعِنا وعيونِنا من قصصٍ عظيمةِ الإبداعِ للعقليةِ العربيةِ والإسلاميةِ المهاجرةِ، وخاصةً خارجَ الإقليمِ العربيّ، وواقعِه الطاردِ لهذه العقلياتِ غالباً , وبموازاةِ ذلكَ , طريقةٌ فضفاضةٌ , يَغلبُ عليها الشعاراتيةُ، , والنظريةُ , والتجاريةُ في تناوُلِ المفاهيمِ والمبادئِ الأصيلةِ , لمنظومةِ التنميةِ البشريةِ الحقيقةِ , التي تصنعُ تطوّراً , ومجداً , وحضارةً، وتقدُّما , وتأخذُ بيَدِ الشبابِ الظامئِ , لمَراقي أعظمَ , وقِمَمٍ أرفعَ .

وفلسطينياً، سطّرَ أبناءُ وشبابُ فلسطينَ أروعَ الصورَ في سِجلّاتِ الإبداعِ العِلمي، والرُّقيِّ الحضاري؛ برغمِ ظروفِهم القاهرةِ الاستثنائيةِ؛ فكانوا الاستثنائيينَ في الحالةِ الاستثنائيةِ، والزمنِ الاستثنائيّ، مٌحاولينَ الفكاكَ من قيدِ الاحتلالِ العقليّ، وكيِّ الوعيِّ، وحالةِ التغوّلِ الصهيونيّ على العقليةِ الفلسطينيةِ المُبدعةِ.

إنّ استشهادَ العالمِ الفلسطينيّ الدكتور: م.” فادي البطش”_ ابنِ (35 )ربيعاً_ وفي ظِلِّ تَكشُّفاتٍ جديدةٍ؛ تَبرزُ يوماً بعدَ يومٍ، عن سيرتِه العطرةِ، وعطائهِ العِلميّ الفريدِ، وتوَجُّهاتِه الأصيلةِ الكريمةِ، والتي تنصهرُ في بوتقةِ خدمةِ الدّينِ والوطنِ، وقضيتِه الأُم- بِغَضِّ النظرِ عن الجوانبِ والتشابكاتِ الكبيرةِ في ظروفِ اغتيالِه -وهذه الآثارُ الكريمةُ التي رسّخَها، وما حملَه من مُزاوَجةٍ رائعةٍ بينَ عِلمِ الدّينِ والدنيا ؛ ليُدلّلَ بشكلٍ واضحِ لا لبسَ فيه؛ أنّ تنميةَ البشرِ والشبابِ خصّيصاً؛ هو الأساسُ للعِتقِ من ربقةِ المحتلِّ الغاشمِ، والجَمعَ بينَ الأصالةِ والمُعاصَرةِ , وبينَ العِلمِ والفِكرِ , وبينَ القِيَمِ الأخلاقيةِ الأصيلةِ والانتماءِ , وبينَ التفرُّدِ والألمعيةِ الباهرةِ .

لقد رسّخَ الشهيدُ العالمُ الدكتور: م. “فادي البطش”،_بجانبِ إخوانِه السابقينَ من العلماءِ الشبابِ والشهداءِ والأَسرى، على مستوى فلسطينَ والأُمةِ_ المفاهيمَ الحقيقةَ للتنميةِ البشريةِ المتوازِنةِ؛ دونَ جُموحٍ نحوَ الإفراطِ أوِ التفريطِ في المُدخلاتِ الأساسيةِ، والمبادئِ والمُنطلَقاتِ، التي ترسمُ مُخرجاتِها المَنشودةَ، بما يخدمُ قضيةَ الأُمةِ المركزيةَ، وقضاياها الأخرى المصيريةَ.
ومما لا لبُسَ فيه، أنّ النابغةَ ” الشهيد البطش “؛ قد آلَمَ أعداءَه أشدَّ الإيلامِ؛ وشكّل لهم حالةً من الرعبِ والتوَجّسِ ؛ وهو الذي يعيشُ غُربتَه ؛ ولم يُشهِرْ سلاحاً في وجوهِهم ؛ ولم يَنبسْ ببِنتِ شَفةٍ عن وِجهتِه ؛ ولم يجاهرْ بعداوتِه لهم على الملأِ ؛ ولكنّ الصمتَ القاهرَ , والعملَ النابغَ , والتفوقَ الباهرَ؛ كان أعلَى صوتاً , وأشدَّ ألماً على كيانٍ لَطالَما رأَى في هذه العقولِ المُبدِعةِ , زوالَه وانهزامَه , وتدميرَ نظريةِ التفوّقِ والرّدعِ الصهيونيةَ ؛ وهو الذي يباهي العالمَ ويتفاخرُ بمَعهدِ الأبحاثِ التكنولوجيةِ, المُزامِنِ في إنشائهِ للجامعةِ العِبريةِ ” التخنيون ” , ويرفعُ شعاراً على واجهتِه ” لنا الشرفُ أنْ كُنا سبباً في نشأةِ إسرائيلَ “.

إنّ أعظمَ ردٍّ على اغتيالِ العقليةِ الفذّةِ المُبدِعةِ_ التي يُمثّلُها الشهيدُ العالِمُ د. م” فادي البطش”_ هو الاعتناءُ بالنّجَباءِ والنابغينَ، واحتضانُهم، حتى وإنْ كانوا في دربِ المقاومةِ والجهادِ فعلاً، وإنشاءُ حاضناتٍ خاصةٍ لهم، واستقطابُهم داخلَها، وجعلُ ذلكَ أولَويةً قُصوَى _مَهما كلّفَ الأمرُ , والحفاظُ على المَوردِ البشريّ وصَقْلُه وتدريبُه , وربطُه بالغاياتِ الإستراتيجيةِ الكُبرى لدِينه ووطنِه , وتوظيفُ هذه الكفاءاتِ وتطويرُها؛ للتركيزِ على إعلاءِ شأنِ التفوقِ، والردّعِ العِلمي المقاوِمِ , الذي يُمَهِدُ لإحداثِ تغيُّراتٍ جوهريةٍ كُبرى في طريقةِ تفكيرِ وتَعامُلِ العدوِّ مع قضيتِنا؛ وهذا يقتضي أيضاً الانغماسَ في تطويرِ منظومةِ التنميةِ البشريةِ , وتكثيفَ البحثِ العِلميّ وأدواتِه في جامعاتِنا ومؤسّساتِنا التعليميةِ؛ لتَخرُجَ من إطارِها النظريّ , إلى جوهرِها التطبيقيّ العملي؛ الذي يُخرجَ لنا الآلافَ والآلافَ من المُبدعينَ والنوابغِ ؛ كالعالمِ الدكتورِ (فادي البطش) , فشَتّانَ شتّانَ ما بينَ تنميةٍ تجاريةٍ , وتنمويةٍ أصيلةٍ , وما بينَ فَوضويةٍ تقليديةٍ، وعقليةٍ ألمَعيةٍ إبداعيةٍ .

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاعتداد وتكثير السواد

بقلم: محمد شفيق السرحي. وأنت تتجول في مخيمات العودة، وجنبات مسيرة العودة الكبرى، تجد أناسا ...