الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » بعدَ سنينَ من انتظارِه لمولودِه..صاروخٌ يختطفُ حياة “أحمد”!

بعدَ سنينَ من انتظارِه لمولودِه..صاروخٌ يختطفُ حياة “أحمد”!

بقلم: أنوار هنية

في وطني كلُّ شيءٍ استثناء، فالحياةُ فيها استثناءٌ، وبات القتلُ والموتُ هو الأصلُ! إمّا من صاروخٍ أو دبابةٍ أو مدفعيةٍ أو رصاصةٍ من جنديٍّ؛ تخترقُ الجسدَ دونَ سابقِ إنذارٍ من محتلٍّ صهيونيّ؛ يأبَى لأيِّ فلسطينيّ أنْ يعيشَ حُراً على وطنِه.

ثلاثةُ أقمارٍ كانوا على موعدٍ مع الموتِ؛ بعدَ استهدافِهم بصاروخٍ صهيونيٍّ قتلَ أحلامَ “أحمد”، وأوقفَ سنينَ عُمرِ “محمد”، واختطفَ حياة “عُبادة” ، ولكُلٍّ منهم قصةٌ روّتْها دماؤهم الطاهرةُ التي تناثرتْ على تُرابِ غزة …

في وطني رجالٌ تركوا دفءَ بيوتِهم؛ وطبعوا القُبلةَ التي قد تكونُ الأخيرةَ على جباهِ مُحبِّيهِم قبلَ مغادرةِ منازلِهم؛ ليُرابطوا على ثغورِ الوطنِ، يتحلّونَ بإرادةٍ فولاذيةٍ تُحرّكُهم بلا وجلٍ ولا وهنٍ، لصناعةِ النصرِ، وقد امتَطوا صهوةَ نخوةٍ وشجاعةٍ قرأوا عنها في سيرةِ “أسامة بن زيد” و مَرُّوا عليها في صفحاتِ “خالد بن الوليد، ومصعب بن عُمير.

“في وطني رجالٌ أرادوا أنْ يَحيوا حياةً كالحياةِ؛ لكنّ الاحتلالَ الصهيوني بترَ حياتَهم؛ وحوّلَها إلى أشلاءَ؛ كما أجسادهم الطاهرة التي اجتمعتْ في صفٍّ واحدٍ لتأديةِ صلاةِ المغربِ جماعةً، فكان الصاروخُ الصهيونيّ أسرعَ من صلاتِهم التي بدأوها في الدنيا؛ وسيُكملونَها في جنانِ النعيمِ بإذنِ ربهِم.

في وطني “أحمد، وعبادة، ومحمد” ثلاثةُ رجالِ لم يتجاوزا الثلاثينَ من عُمرِهم؛ كانوا هدفاً لصاروخٍ حوّلَ أجسادَهم إلى أشلاءَ.

“أحمد البسوس” ذو الثمانيةِ وعشرينَ ربيعاً؛ الذي انتظرَ مولودَه البكرَ بعدَ سبعِ سنواتٍ؛ فكانت البشرى التي تنتظرُها شغافُ قلبِه، بعدَ سبعٍ عجافٍ شارفتْ أنْ تكونَ بعدَها السبعُ السمانُ؛ ولكنْ أنَّى للمحتلِّ الصهيوني أنْ لا يبتُرَ حُلمَ.. ولا يُشوِّهَ معالمَه.

مَشاهدُ كثيرةٌ تركتْ آثارَها في حياة “أحمد” بينَ شدٍّ وجذبٍ لمشاعرِه الدفينةِ، فكَم من محلٍّ لألعابِ الأطفالِ؛ وقفَ أمامَه يسترقُ النظرَ خلسةً؛ و يرسمُ صورةً لطفلٍ تمنى أنْ يلقاه، ويشتري له تلكَ اللعبةِ، أو يُجلسَه على أرجوحةٍ مرَّ في طريقِها، أو وقفتْ في طريقِه لتُذكّرَه بغُصّةِ قلبِه، لكنه الرضا الذي لطالَما عاشه، وتعايشَ معه.

فكم من ملبسٍ تراءى أمامَ ناظرَيهِ أثناءَ عودتِه من عملِه؛ عرَضها صاحبُ المحلِّ في الواجهةِ؛ لتستقرَّ عليها عيناهُ؛ فيذوبَ شوقاً لتلكَ اللحظةِ التي يشتريه لطفلِه! وكم دمعةٍ غالبتْهُ حينما يرى طفلاً يلعبُ؛ يمشي بجوارِ أبيهِ في متنزهٍ جمعَهم معاً.

ثقيلةً مرّت عليه الأيامُ.. وكذا بطيئةً، فكم من “مبارَك” أطلقتْها شفتاهُ لأحدِهم أنجبَ طفلاً، و آخَرَ حملتْ زوجتُه! بابتسامةٍ تعلو شفتَيه بينما يبكي قلبُه؛ ليس حسَداً ولا تمنِّي لزوالِ نعمةٍ؛ إنما شفقةٌ على روحهِ وقلبِه وحالِه التي تمنّى أنْ تكونَ كما حالِ الآخَرين.

وكان قدَرُ اللهِ وهديتُه التي أهداهُ إياها وزوجتَه بعدَ السبعِ العجافِ خبراً لطالَما تمنّى أنْ يسمعَه؛ ولم تصدِّقْهُ أذناهُ، فحينما تأتي إرادةُ اللهِ؛ تتحققُ المستحيلاتُ . أشهرٌ قليلة أشرقتْ معها شمسُ أيامِ “أحمد” وزوجتِه ببُشرى حملِها، فلا القلبُ عادَ في مكانِه من شدةِ خفقانِه، ولا العقلُ يصدّقُ ما يعيشُه..!

ومرّتْ أيامُهم بطيئةً؛ فلم يَعدْ بالإمكانِ الانتظارُ أكثرَ، تمنَّى لو تمضي سريعاً، أو لم تكنْ مدّةُ الحملِ تسعةَ أشهر! كأنها في ناظرَيهِ المتعبتينِ شوقاً تِسعَ سنين.

ماذا أعددْتَ لطفلِك المنتظَرِ منذُ سبعِ سنينَ! فأيُّ سريرٍ انتقيتَه له! وهل عدتَ أدراجَك إلى تلك الأرجوحةِ التي رأيتَها وتمنيتَ أنْ تشتريها لطفلِك الذي لطالَما انتظرتَه! وهل عاهدتَ نفسكَ مراراً أنْ تصطحِبَه إلى الحديقةِ نهايةَ كلِّ أسبوعٍ، وهل أعددتَ له جهازَ المولودِ! واشتريتَ له من كلِّ محلٍّ مررتَ به قطعةً؛ لتروي ظمأكَ من السبعِ العجافِ.

ما لونُ الدهانِ الذي اخترتَه لغرفةِ طفلِك! لتُعدَّها على أكملِ وجهٍ لاستقبالِ جلالةِ الملكِ؛ الذي انتظرتَه وبكيتَ من أجلِه في مواقفَ عدّة.! هل قررتَ أنْ تُعدَّ له حفلةَ الأسبوعِ! و اشتريتَ مستلزماتها! كم مرةً استمعتَ لحركةِ طفلِك يصارعُ ليَخرجَ ويراكَ قبلَ أنْ ترحلَ! لعله سمعَ أحاديثَك معه؛ و أنت تشتِمَه بلطفٍ، لماذا تأخّرتَ عليَّ يا هذا ؟؟ لقد انتظرتُك طويلاً، و بكى لتأخُرِك قلبي ؟؟أهان عليكَ ما فعلتَه بي؟؟

كم بدلةً اشتريتَها لطفلِك خلالَ أشهرِ حملِه القليلةِ، و تخيّلتَه بها و أنت لا تملكُ سدادَ باقي دَينِك؛ لكنك آثرتَه عليكَ وهو جنينٌ، و لم يرَ الحياةَ بعدُ؛ لتنتقيَ له أجملَ الثيابِ ، وما الحلوياتُ التي قررتَ أنْ توَزّعَها يومَ قدومِه؟ و كيف خططتَ لاستقبالِه؟ وهل ادّخرتَ ثمنَ الذبيحةِ التي كنتَ ستذبحُها لطفلِك؟ أم أنّ نصفَ الراتبِ الذي تتقاضاهُ حالَ دونَ ذلك!

يا كريم، وابنُ الأكرمينَ، يا “أحمد” الشهيد؛ لقد فتحتَ جرحاً في القلوبِ، بكتْ شهداؤها دونَ تفرِقةٍ بينهم، فكيف بمن ترَقّبَ طفلَه منذُ سنينَ، ورحلَ قبلَ أنْ يطبعَ عليه قُبَلَ اشتياقِ و لوعةِ سنينَ!

فأيُّ أجرٍ هذا الذي ستنالُه و أنتَ الذي صبرتَ على ابتلائك! :”وقد وعدكَ اللهُ ب”وبشِّر الصابرين “..و أيُّ أجرٍ هذا الذي ستنالُه وأنت تدافعُ عن وطنِك وعِرضِك، وتتركُ دفءَ بيتِك، وقد تخضّبتْ دماؤك بِثَرى الوطنِ…! وأيُّ منزلةٍ هذه التي حباكَ اللهُ بها.! و أي حرف تصفه اللغة في عبارات صففتها بقلبي و ليست بقلمي ، بأدمعي و ليست بيدي، بعينين لم تنم ليلتها حزناً و ألماً على زوجتك التي كان مصابها مصابين و فاجعتها فاجعتين.

ما حالُ زوجتِك التي وهي التي تخيّلتَك تحملُ طفلَها بيديكَ، وتُحنّكُه برِيقِ فمِك! و تؤذّنُ له بصوتِك النديّ، وهي التي انتظرتْ اليومَ الذي تجتمعونَ فيه معاً؛ تُمسِكُ طفلَك بيدٍ، و بالأخرى يدَها؛ وأنتم عائدونَ إلى البيتِ بعدَ ولادتِه، تعيشونَ كما الباقينَ؛ تأكلونَ معاً على مائدةٍ واحدة، أو تَحملونَ طفلَكم وتتمشونَ في شوارعِ غزةَ في ليلةٍ معتمةٍ طالتْ ساعاتُ انقطاعِ التيارِ الكهربائي فيها.. !

وهي التي أرادتْ أنْ تعيشا معاً أولَ مناغاةٍ لطفلِكم و أولَ تسنين، وضحكةٍ، وخطوةٍ، وأولَ “بابا” ينطقُها فمُه، وأولَ “ماما” يتلعثمُ بها.

حياةٌ طبيعيةٌ أصبحتْ مُحالاً في وطنٍ سليبٍ؛ صافحَ فيه الأذِلةُ أيديَ المحتلِّ، و طبَّعوا معه! لكنّ القلوبَ التي تعاهدتْ مع اللهِ حرمتْ نفسَها الحياةَ، و آثرَتْ أنْ تذودَ بأرواحِها دفاعاً عن وطنِها.

كيف حالُ قلبِك أيتها الزوجةُ المكلومة ُ؟ هذا القلبُ الذي يلعنُ المحتلَّ ألفَ مرّةٍ، ويغلي منتظراً ردّاً يشفي جزءاً من غليلِك؟ كيف حالُ روحِك التي فارقتْكِ معه، وخارتْ قواكِ بعدَه، تحاولينَ أنْ تستجمعي شتاتَ نفسِك، وتضمِّدينَ جرحَك بآياتِ اللهِ لتنالينَ الأجرَ؟

ماذا ستقولينَ لطفلِك الذي سيَرى الحياةَ دونَ وجهِ أبيهِ! وتُمسكينَ بيديَه دونَ أنْ يلمسَ طفلُك يدَي والدِه؟

لا شيءَ يواسي سِوى كلامِ اللهِ لشعبٍ اختارَ أنْ لا ينحنيَ إلا للهِ، وعَلِمَ يقيناً أنّ للجنةِ ثمناً سيَدفعُه في الدنيا للحظاتِ الخلودِ الأبدي مع أحِبّةٍ تذوّقوا مَرارَ الدنيا لينالوا أجرَ الآخرةِ.

 

 

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أقبِلْ ولا تَخَفْ

بقلم: الكاتبة الصحفية دعاء عمار (يا موسى أقبِلْ ولا تَخفْ إنكَ من الآمِنين)، كثيرةٌ آياتُ ...