الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » “العودةُ حقٌّ كالشمس” سيمفونيةُ التحدي و الصمود

“العودةُ حقٌّ كالشمس” سيمفونيةُ التحدي و الصمود

ملفات خاصة

ميّزَ اللهُ الفلسطينيَّ على وجه البسيطةِ جمعاءَ بأنْ منحَنا حبَّ الوطنِ وسكناهُ في داخلِنا اكثرَ من أنْ نَسكنَه ، فللترابِ والهواء والماءِ حبٌّ مدفونٌ في قلوبِ أبناءِ الأرض منذُ أنْ غادروها ، يعيشُ معهم كحُلمٍ جميلٍ يراوحُ مخيّلاتهم يوماً بيومٍ .

مازالت تعيشُ فينا، وستبقى ذاكرةُ الوطنِ السليب، وأحلامُ الطفولة التي بدّدها الاحتلالُ قبل ستينَ عاماً، لعلَّ الزمنَ يعودُ بنا إلى الوراء، وينقشعُ سوادُ الاحتلال، الذي جثمَ على صدورنا طويلاً، وسيُبعثُ من الرقادِ كلُّ من احتضنتْهُ الأرضَ في أحشائها، ليَنعمَ بالعودةِ بعيونِ أبنائه وأحفادِه الذين سيُقبِّلونَ ثراها آجِلاً أم عاجلاً.

فإنْ مزقتْ الأحداثُ الوطنَ الواحدَ إلى أوطانٍ، وجعلتْ مِنّا شعباً مشتَّتاً في كلِّ أصقاعِ الأرض، فإنها لن تمزقَ فينا ذاكرتَنا الحيّةَ النابضةَ، التي نغرسُها في الأجيالِ حتى يحينَ موعدُ اللقاءِ مع برتقالِ وزيتونِ الأرض، ونسماتِ عبيرِ الوطنِ الحيِّ في قلوبِنا وعقولِنا وخلجاتِ صدورِنا.

 

“نجْد حلوة “ياباي ما أحلاها!” كل شيء فيها حلو؛ لِعنبها وتينِها وجميزها وخبزها ومائها طعمٌ لا يُشبِهُهُ شيءٌ اليوم في غزة، كرومُها كانت تمتدُّ على مرمَى بصري، وصوتُ الأذان يمتد إلينا من قريةِ “دِمرة”؛ فتضجُّ أصواتُ أهلِ القرية “يلا للصلاة، وَدَّنْ في دِمرة”.

“أم جميل الكُرد” نجدوايةٌ أصيلة، تَذكرُ قرية “نجد” كما لو كانت تتركُها للتو، تبتسمُ وتُحدِّثك: “كان الفرح فرح، واللعب قصة كبيرة، الوسع والشجر، كنت أظل أمشي من نجد؛ تأَوصل قرية برير أنا و رفيقاتي، ونرجع وإحنا بنغني ومحمَّلين بخير برير من مزارعها وكرومها. كان نفسي كتير أروح سمسم من كثر ما سمعت عنها، قلت بيني وبين نفسي بس تبرِّد الدنيا راح أروح. كان هذا الحكي في بداية الشهر اللي أجو فيه اليهود وطردونا لغزة، وما عادت الدنيا برَّدت، ومن يومها النار في قلبي قايدة لما أتذكّر نجد وقعدات زمان، وحكي زمان”.

 

ما حدا بنسَى بلدو!

بلَكنتِها اليافوية الدافئةِ؛ تقول التسعينية نعيمة نصار  لـ”لسعادة”: “يافا أجمل مدن فلسطين، لها ألوان غير التي تلون غزة. لم يكن البحر يبتعد عنا في حي المنشية، وكان الصيف أجمل مواسم المدينة؛ يأتي إلينا سكان القرى ليستمتعوا برمال وبحر يافا، يروون عطشهم ببرتقالها وليمونها وحمضياتها… يافا مدينة الحضارة والتجارة.

وتضيف: “خرجت منها مع كل أهليها، تَحْمِلُنا الشاحنات بسرعة جنونية. يقال أنّ البعض من هول الصدمة نسي أطفاله هناك! كانت مرارة لا تُنسى، وخوف ترتعد من الفرائص. وصلنا إلى غزة وعيوننا لم تنقطع عن البكاء، وحتى هذه اللحظات أهل يافا أكثر من بكوا على جميلتهم”.

وتتابع: “كان عمري حين ذاك ثمانية عشر عاماً، جئت إلى غزة وسكنت الخيام والطرقات كباقي المُهجرين إلى أنْ بنيت المخيمات. وها نحن لا نبارحها منذ سبعين عاماً مضت، كَبرنا وتزوجنا ودافعنا عن غزة بكل الأوقات، لكننا نتوقُ لليوم الذي نعود فيه إلى يافا حُلماً نوِّرثه لأطفالنا، ونُعلّمهم لكنتَها وجمالها، وكيف يحلموا بالعودة إليها”.

 

القهر يَسكُنَّا

وبنفس اليأس يقول الحاج أبو “حسام طبيل”، مواليد قرية الخصاص التي لا تبعدُ كثيراً عن المجدل: “للبلاد نكهةُ الأصالةِ التي ما عُدنا نشعرُ فيها، في ظِلِّ ظروفٍ أقوى بكثيرٍ من أي كوارثَ قد عشناها. كنتُ حينها في العاشرة من عمري، أتنقّلُ في لعبي بين خصاص والمجدل، فالحقولُ الممتدة، والمزارعُ الخضراءُ لم تكنْ تنهي ألعابي، كل ما في “الخصاص” كان يدلُّ على الخير والعطاء”.

ويتابع: “كان أهالي الخصاص يَقضونَ معظمَ أوقاتِهم في مدينة المجدل، ثم يعودون لمتابعةِ زراعتِهم وحقولهم، وكان مهرجانُ الحصاد أكثرَ مواسمِ “الخصاص” جمالاً وبركة، وكانت الأيامُ لا تتشابهُ كما اليوم؛ فكلُّ يومٍ له نشاطُه وبرنامجُه ومكانُه المختلف، ورغم أننا أطفالٌ؛ إلاّ أننا زُرنا كلَّ القرى المحيطةِ بنا، باحثين عن المرحِ واللعبِ، والتمرُّغِ في خيراتِ كلِّ قرية، لم نكنْ ندركُ يوماً أننا سنغادرُ ونتركُ كلَّ شيءٍ وراءنا”!.

ويضيف: “في بدايةِ سنةِ( 48) كُنا نسمعُ عن مجازرَ ومذابحَ وقرىً تهربُ، وآخَرينَ يأتون إلينا باحثين عن مأوى، ولم نكن نَعلمُ أنّ الموتَ سيصلُ إلينا كما الآخَرين، وأذكُرُ حينها أنّ الخوفَ حمَلنا على المغادرةِ باتجاهِ غزة، وكنا نعتقدُ أننا سنعودُ كما قالت لنا الجيوشُ آنذاك…! وصلنا إلى منطقةِ جباليا، وجلسنا هناك بدونِ مأوى في بدايةِ الأمر، ثم جاءت الأممُ المتحدة، وبدأتْ بنصبِ الخيامِ، وكانت العائلةُ الصغيرةُ تأخذُ خيمةً، والكبيرةُ اثنتينِ… وقسَّمونا إلى مربعاتٍ؛ يسكنُ في كلِّ مربّعٍ أهلُ قريةٍ بعينِها، ومن ثم بُنيتْ المعسكراتُ على شاكلةِ الخيامِ، وسكنَّا بيوتاً أشبَهَ بالصناديقِ، تفصلُ بيننا وبين الجيرانِ مساحاتٌ صغيرةٌ”.

 

قبلَ فواتِ الأوان!

الكاتبُ والناشطُ الفلسطيني، و ورئيسُ تحرير مجلةِ “العودة” الصادرةِ في لبنان،  ياسر علي يقول لـ”لسعادة”:لا أعتقدُ أنّ القضيةَ الفلسطينية ستقعُ في قيودِ المناسباتِ، ولكننا _كناشطين فلسطينيين_ نستخدمُ هذه المناسباتِ لإبقاءِ جذوةِ القضيةِ مشتعلةً في نفوس أهلنا الذين أنهكتْهم ظروفُ الحياةِ الاجتماعيةِ ومشاغلِها، والفقرُ والحرمانُ اللذان يقاومونَهما في الشتاتِ”.

 

ثوثيقُ النكبة

ويتابع: “لذلك، فإنّ أفضلَ ما يقومُ به الآن مَن يستطيعُ توثيقَ الذاكرةِ؛ هو ترْكُ المقالاتِ والشعاراتِ التعبَويةِ، والتفرّغُ إلى هذا الأمرِ «ولا يحقرنّ صغيرة إنّ الجبالَ من الحصَى»، والأمرُ مستعجلٌ، ويستحقُ منا العناءَ كلَّه، ويمكنُ تأجيلُ بقيةِ الأعمال. وإذا جازَ لنا التشبيهُ؛ فإننا الآنَ نقفُ أمام قضيةٍ محكومةٍ بالوقت، ومعروفةٍ لدينا، نحن المسلمين، فقد لا تكونُ الصلاةُ في أولِ الوقتِ أهمَّ مما يقومُ به مجاهدٌ في رباطٍ مثلاً، ولكن في آخِرِ وقتِها سيَحكمُه بترْكِ كلِّ ما في يدَيه من أجلِها، وهذا ما قصدناهُ… إنّ توثيقَ الذاكرةِ الآنَ يستدعي مِنا ترْكَ ما في أيدينا، وحشْدَ الجهودِ من أجلها”.

ويؤكدُ رئيسُ تحرير مجلة “العودة” ، أنّ ما كتبه الإعلامُ، وما نُشِر حتى اليومِ لا يكفي بالشكلِ والمضمونِ حجمَ القضيةِ وحجمَ الحقِّ الذي نتحدثُ عنه في الهجرة.

ويضيف: إنّ الجهودَ المبذولةَ لا تتوقفُ فقط على نشرِ القضية؛ وإنما على حفظِها بكافة وثائقِها ومعاهداتِها وأحداثِها، لا سيّما وأنّ العدوَّ معروفٌ كمُضلِّلٍ وكاذبٍ ومزوِّرٍ، وقد زوَّرَ الكثيرَ من الوقائعِ والصورِ، ولابدّ أنْ تكونَ مخالبُه قد وصلتْ إلى التاريخ. لذا لابدَّ أنْ نكونَ أكثرَ وعياً بالمسئوليةِ الملقاةِ على عاتقنا .

وبحسبِ “علُا عوض” رئيسُ مركزِ الإحصاء الفلسطيني؛  فإنّ عددَ الفلسطينيين في العالم بلغَ حتى نهاية( 2014) نحوَ  12.1(   مليوناً،  وهذا يعنى  أنهم تضاعفوا( 8.6) مراتٍ منذُ النكبة، و أنّ “نكبة فلسطين ” شرّدتْ وطردتْ  شعباً أعزلَ، وأحلّتْ شعباً آخَرَ مكانه في( 1948).

وأضافت : ” تم تهجيرُ وتشريدُ نحوِ (800) ألفِ فلسطيني من قراهم ومدُنهم إلى الضفةِ الغربيةِ، وقطاعِ غزة، والدولِ العربيةِ المجاورةِ، فضلاً عن تهجيرِ الآلافِ من الفلسطينيينَ من ديارِهم؛ رغمَ بقائهم داخلَ نطاقِ الأراضي التي أُخضعتْ لسيطرةِ الاحتلالِ الإسرائيلي، وذلك من أصلِ( 1.4) مليونِ فلسطيني؛ كانوا يقيمونَ في فلسطينَ التاريخيةِ عام( 1948) في 1300 قريةٍ ومدينة “.

وتشيرُ البياناتُ الموثّقةُ إلى أنّ الاحتلالَ الإسرائيليَّ سيطرَ خلال مرحلةِ النكبة على (774) قريةً ومدينةً، حيثُ قامَ بتدميرِ 531 قريةً ومدينةً فلسطينيةً، كما اقترفتْ القواتُ الإسرائيليةُ أكثرَ من (70) مذبحةً ومجزرةً بحقِّ الفلسطينيينَ؛ أدّتْ إلى استشهادِ ما يزيدُ عن( 15) ألفَ فلسطيني خلال فترةِ النكبة”.

وتوضّحُ “عوض” أنّ عددَ الفلسطينيين المُقيمين حاليًا في الأراضي الفلسطينيةِ المحتلةِ عام (1967) نحوَ( 4.6) ملايين نسمة، منهم (2.8) مليون في الضفةِ الغربيةِ، ونحو( 1.8 مليون في قطاعِ غزة. ويشكّلُ اللاجئونَ الفلسطينيون في الضفة الغربيةِ وقطاعِ غزة (43.1%) من مُجملِ السكان.

وبلغ عددُ اللاجئين المسجّلين لدى وكالةِ الغوثِ في الأول من تموز/يوليو للعام (2014)، حوالي (5.49) ملايين لاجئ، يعيشُ نحوُ( 29%) منهم في (58) مخيماً، تتوزع بواقع 10 مخيماتٍ في الأردنِ، و(9) مخيماتٍ في سوريا، و(12) مخيماً في لبنان، و (19) مخيماً في الضفةِ الغربية، و(8) مخيماتٍ في قطاع غزة.

وتمثلُ هذه التقديراتُ الحدَّ الأدنى لعددِ اللاجئين الفلسطينيين؛ لوجودِ لاجئين غيرِ مسجلين، إذْ لا يشملُ هذا العددُ مَن تم تشريدُهم بعدَ عامِ (1949) حتى عشيةِ حربِ حزيران( 1967) “حسبَ تعريفِ وكالةِ غوثِ اللاجئين”،  ولا يشملُ أيضاً الفلسطينيينَ الذين رحلوا أو تمَّ ترحيلُهم عام( 1967) على خلفيةِ الحربِ، والذين لم يكونوا لاجئين أصلاً.

 

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القدسُ.. حيثُ اللقاء الأخير

كنتُ أتابعُ أحداثَ المسجدِ الأقصى المباركِ بكلِّ اهتمامٍ، في كلِّ يومٍ من  (١١) يوماً أوصلتْ ...