الرئيسية » فلسطينيات » ثقافة وفن » فنُّ النقشِ على الخشبِ بتقنيةِ CNC إبداعٌ وذوقٌ

فنُّ النقشِ على الخشبِ بتقنيةِ CNC إبداعٌ وذوقٌ

تربَّعَ على عالمِ الديكور

فنُّ النقشِ على الخشبِ بتقنيةِ ((CNC إبداعٌ وذوقٌ

تحقيق: ميادة حبوب

عندما يجتمعُ الفنُّ مع التكنولوجيا، وينصهرُ القديمُ بالحديثِ، ويمتزجُ  إبداعُ العقولِ مع حرفيةِ الأيدي الماهرةِ؛ فيتأثر بتطورِ الزمنِ وسرعتِه؛ ليُحيلَ هذه الألواحَ الخشبيةَ الصامتةَ الخاليةَ من أيِّ تفاصيلَ  إلى قِطَعٍ فنيةٍ نابضةٍ بالحياةِ مليئةٍ بالجمالِ .. قِطعٌ نسجتْها أناملُ ماهرةٌ، وقرائحُ خلّاقةٌ بأفكارٍ إبداعيةٍ وتصاميمَ جذابةٍ؛ فيندمجُ عبقُ الماضي؛ كونَها أحدَ أقدمِ المِهنِ والفنونِ مع حداثةِ الحاضرِ وتطوُّرِه الرقمي، ووسائلِه وماكناتِه وبرامجِه المُحوسبةِ؛ حيثُ تحولتْ من مجردِ صنعةٍ إلى فنٍّ وإبداعٍ، وأضفَتْ على هذه الصناعةِ الكثيرَ من الدقةِ والسرعةِ والإنجازِ.. إنه فنُّ النقشِ على الخشبِ؛ ولكنْ ليس أيَّ نقشٍ؛ بل هو نقشٌ باستخدامِ تقنياتٍ رقميةٍ تُترجمُ ما في العقولِ _مَهما بلغَ تعقيدُه_ بأسرعِ وقتٍ وأقلِّ جهدٍ .. إنه فنُّ النقشِ باستخدامِ تقنيةِ CNC)) حيثُ أبحرتْ “السعادة” مع مجموعةٍ من الخبراءِ والمصمِّمينَ؛ لمعرفةِ المزيدِ عن هذا الفنِّ وهذه التقنيةِ.

جذورٌ عريقةٌ :

النحتُ والنقشُ على الأخشابِ من أقدمِ الفنونِ التي مرّتْ على الإنسانِ، فيُمكِنُنا القولُ بأنَّ الحفرَ على الخشبِ بدأ فعليا عندما نحتَ الإنسانُ البدائي أولَ قطعةٍ خشبيةٍ لاستخدامِها في الصيدِ، ويشرحُ “إبراهيم ارحيم” صاحبُ منجرةٍ تستخدمُ تقنيةَ CNC)) قائلاً: “هي فعلاً من أقدمِ المهنِ التي رافقتْ الإنسانَ؛ حيثُ بدأتْ هذه الصناعةُ يدوياً باستخدامِ أدواتٍ بسيطةٍ؛ ثُم سرعانَ ما تطورتْ بتطوُّرِ الأدواتِ، واستقرارِ الإنسانِ، وظهورِ الآلاتِ والماكناتِ التي سهّلتْ من عمليةِ (النحتِ والنقشِ والقصِّ) حتى دخلَ الحاسوبُ في هذه الصناعةِ، وأضفَى عليها مزيداً من الدقةِ والسرعةِ في الإنجاز، فقد أصبح المصمِّمونَ اليومَ يُدخِلونَ ما يرغبونَ من تصاميمَ ورسوماتٍ وزخارفَ وكتاباتٍ على برامجَ مُحَوسبةٍ مربوطةٍ بماكناتِ حفرٍ رقميةٍ؛ تقُصُّ الأخشابَ، وتنقشُ التصاميمَ، فلم يبقَ شيءٌ إلا ودخلَ الحاسوبُ في تفاصيلِه، وطوّرَ منه؛ حتى هذه المهنةِ التي كانت في الماضي مُكلِفةً في المالِ والوقتِ لِما يُبذلُ فيها من جهدٍ يتطلّبُ عناءً من أصحابِ الحرفةِ.. أمّا اليومَ بعدَ دخولِ برامجِ التصميمِ وماكيناتِ الحفرِ؛ التي يُطلَقُ عليها  ماكناتُ( (CNC العاملةُ بالتحكمِ الرقمي؛ ما أتاحَ للمُصمِّمِ أنْ يُطلقَ العنانَ لأفكارِه لعملِ أيِّ زخرفةٍ _مَهما كانت معقدةً_ وإنجازِها بأعلى دِقةٍ وجودةٍ، وبأسرعِ وقتٍ ممكنٍ؛ وبالتالي يقلّلُ من تكلفةِ القطعةِ والوقتِ المستغرَقِ لإنجازِها؛ مقارَنةً بالسابقِ عندما كانت تُحفَرُ يدويا”.

فنٌّ وإبداعٌ :

كما أنّ فنَّ النقشِ على الأخشابِ؛ يُعَدُّ من أكثرِ الفنونِ ملامَسةً لدواخلِ المصمِّمِ؛ هذا ما تراهُ المهندسةُ “ميسون العلمي” مصممةُ وصاحبةُ مشروعِ “عناب للتصميمِ” فتقول: “إنّ فنَّ النقشِ من أكثرِ الفنونِ تعبيراً عن دواخلِ وخلجاتِ المصمّمِ، وكلِّ ما يجولُ في جَعبتِه من إبداعٍ ومشاعرَ وفنٍّ وجمالٍ، فيُحوِّل قِطعَ الخشبِ والألواحَ الخشبيةَ الميتةَ إلى قِطعٍ فنيةٍ تُبهجُ النفسِ، وتُريحُ العينَ، ولابدّ للإبداعِ أنْ يتربّعَ على عرشِ هذه الصناعةِ؛ لتَخرُجَ من كونِها مهنةً وصنعةً؛ فتصبحَ فناً يتطلبُ الذوقَ والخيالَ”، وتوضّحُ “سماح شاهين” _صاحبةُ مشروعٍ خاصٍّ للحفرِ على الأخشابِ بتقنيةِ CNC))_ بأنّ هذه الصناعةَ ليست مهنةً فقط ؛بل هي فنٌّ  يَنتجُ عنها  قِطعاً فنيةً راقيةً؛ تُستخدمُ في الديكورِ الداخليّ لتزيينِ المنازلِ والمحالِّ، ويُمكنُ إدخالُ هذه التقنيةِ في أغلبِ قِطعِ الأثاثِ، والإكسسوارِ، والتحفِ، والبراويزِ، واللوحاتِ الجداريةِ، وساعاتِ الحائطِ، والآياتِ القرآنيةِ، كما تُستخدمُ في صُلبِ التصميمِ الداخلي؛ كأنْ تُستخدَمَ ألواحُ CNC)) في كسوةِ عمودٍ داخلَ المنزلِ، أو ركنٍ من أركانِ المدخلِ، أو جزءٍ من جدارٍ، بل ويمكنُ تصميمُ وحداتٍ تُثبّتُ على السقفِ؛ كأرضيةٍ للنجفِ والثُريّاتِ، كبديلٍ عن الجبسِ الذي انتشرَ استخدامُه في تزيينِ أسقُفِ المنازلِ؛ فالخشبُ يعطي أناقةً وفخامةً للمكانِ؛ حيثُ أنه من أكثرِ الخاماتِ التي تضفي الدفءَ والجمالَ والحميميةَ للفراغاتِ والتصاميمِ الداخليةِ.

الخاماتُ وآليةُ التصميمِ :

وتشرحُ م.” العلمي” أهمِ الخاماتِ المستخدمةِ في النقشِ قائلةً: “إنّ أكثرَ أنواعِ الخشبِ شيوعاً هو خشبُ MDF) ) وخشبُ (الزان) حيثُ أفضِّلُ شخصياً هذا الأخيرَ؛ فهو من أقوى الأخشابِ وأكثرِها مقاومةً للرطوبةِ والماءِ، أمّا بالنسبةِ لآليةِ التصميمِ بعدَ نضوجِ الفكرةِ وتَبلوُرَها، يتمُ رسمُها _بشكلِها النهائي، ومقاساتِها الدقيقةِ_ على أحدِ برامجِ التصميمِ المحَوسَبةِ، ومن ضِمنِها برنامج (الأوتوكاد)، ثُم يتمُ تحويلُها إلى برنامجٍ آخَرَ؛ هو برنامج (الكورل)؛ وهو برنامجٌ مرتبطٌ بماكنةِ CNC))؛ لتنفيذِ التصاميمِ على الألواحِ التي تمَ اختيارُ مقاسِها وسَمكِها، وبعد ما يتمُ تنفيذُ النقشِ؛ تأتي عمليةُ الدهانِ،  ثُم يتمُ تجميعُ القطعةِ”. وتشرحُ “شاهين” بأنّ الخامةَ الأساسيةَ في هذه المهنةِ هي الأخشابُ بأنواعِها؛ كلُّ نوعٍ حسبَ القطعةِ المُصمَّمةِ، وحسبَ ذوقِ الزبونِ وإمكاناتِه الماليةِ، كما ويمكنُ استخدامُ معادنَ يُطَعّمُ بها الخشبُ؛ لإضفاءِ فخامةٍ وقيمةٍ أكبرَ للقطعةِ، وغالباً يتمُ استخدامُ معدنِ النحاسِ الأصفرِ أو الأحمرِ، ويتمُ رسمُ التصاميمِ على أحدِ برامجِ التصميمِ، مِثلَ برنامج (آرت كام) الذي يعملُ مع ماكينةِ الحفرCNC )) لتنفيذ التصاميم على الألواح بالأبعاد والمقاسات المصممة.

  

انتشارٌ وقَبولٌ :

وممّا لا شكَ فيه أنّ مِثلَ هذا الفنِّ ذي الجذورِ العريقةِ، والذي طوّعَ الحاسوبَ لخدمتِه لتنفيذِ إبداعاتِ المصممينَ بدِقةٍ عاليةٍ وفترةٍ قياسيةٍ من الزمنِ، وتكلفةٍ أقلَّ؛ يعدُّ قيمةً ثقافيةً وفنيةً لابد ّمن الحفاظِ عليها وتطويرِها، ومحاولةِ الحدِّ من المعوّقاتِ والصعوباتِ التي تواجِهُ هذه الصناعةَ ومعالجتِها. وتوضّح م.” العلمي” أهمَ هذه المعوقاتِ بقولِها: “إنّ عدمَ تَوفُّرِ الأخشابِ بالأنواعِ والكمياتِ الكبيرةِ_ جراءَ الحصارِ والإغلاقِ الذي يعاني منه القطاعُ_ يرفعُ من تكلفةِ الأخشابِ لعدمِ توفُّرِها، وبالتالي يرتفعُ سعرُ القطعةِ على الزبونِ الذي يعاني هو الآخَرُ من ضيقِ وضْعِه الاقتصادي”، وتناشدُ “شاهين” أصحابَ القرارِ بأنْ يدعموا المشاريعَ التي من هذا النوعِ؛ خصوصاً في ظِل الحصارِ الخانقِ، وقلّةِ الموادِ، ومشكلةِ الكهرباءِ التي تعرقل ُعملَ ماكيناتِ CNC) ) التي تتطلبُ وجودَ تيارٍ كهربائي، ويكونُ الدعمُ عن طريقِ توفيرِ مولّداتٍ للكهرباءِ، وموادٍ خامٍ بأسعارٍ مناسبةٍ، وعملِ معارضَ دوريةٍ لهذه المشغولاتِ الخشبيةِ؛ لتعريفِ الجمهورِ بهذه الحِرَفِ العريقةِ، وكيف أنها تواكبُ كلَّ جديدٍ؛ لتبقَى وتنافسَ منتجاتِ عصرِ التكنولوجيا.

يشرحُ “ارحيم” ماهيةَ عملِ ماكينات CNC قائلا: “تعملُ هذه الماكناتُ _بالتحكمِ من بُعدٍ_ من خلال مجموعةٍ من برامجِ التصميمِ؛ مِثلَ برنامجِ (الكورل، وبرنامج الاوتوكاد) والتي يتمُ تصميمُ الرسوماتِ والزخارفِ عليها؛ ثُم يتمُ تحويلُها إلى برنامجٍ آخَرَ؛ هو برنامجُ (الماستر كام) وهو يحوّلُ خطوطَ التصميمِ من مجردِ خطوطٍ، ويترجمُها إلى إشاراتٍ تسمحُ للماكنةِ أنْ تنقلَ التصاميمَ على الأخشابِ؛ حسبَ سماكةِ لوحِ الخشبِ، وبكلِّ دقةٍ ومهارة” .. وفقرة أخرى في العقباتِ والصعوباتِ ..يرى “ارحيم” أنّ أهمِ العقباتِ التي تواجهُ هذا الفنَّ؛ هي القوةُ الشرائيةُ التي باتت ضعيفةً جداً بسببِ الوضعِ الاقتصادي السيءِ للمواطنينَ، وخصوماتِ الموظفينَ من جهةٍ، وارتفاعِ سعرِ القطعةِ على المواطنِ من جهةٍ أخرى بسببِ ما يعانيهِ أصحابُ المناجرِ والورشاتِ من حصارٍ خانقٍ أثّرَ على صيانةِ المكَنِ وتجديدِه، وأثَّر على نوعيةِ الخاماتِ وألواحِ الخشبِ المسموحِ لها بالدخولِ إلى القطاعِ .

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الجرافيتي .. خربشة أَم قِيمٌ جماليةٌ، ورسالةٌ وقضيةٌ

  كلماتٌ هنا ورموزٌ هناك، ألوانٌ تتداخلُ مع الأحرفِ، وأشكالٌ تتعانقُ مع الجدرانِ في الشوارعِ؛ ...