الرئيسية » أسرتي » آباء و أمهات » الزواج بين الباءة والغنى.. هل يتعارضان؟!

الزواج بين الباءة والغنى.. هل يتعارضان؟!

د . محمد علي عوض – المحاضر بجامعة الأقصى.

لا تعارض بين منع الزواجِ إلا بالباءةِ التي هي النكاح أو القدرة عليه، وقولِه تعالى: “إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ”؛ وذلك لأمورٍ:

أولها:  الآيةُ أولُها “وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا…”، وهذا يعني أنّه إياكم أن يشغلَكم كونُ هؤلاء الذين أنتم أسيادُهم صالحِين عن السعيِ في تزويجِهم؛ إذ لهم أشواقُهم، وتطلعاتُهم، وطموحاتُهم، ما يوجب عليكم سدَّها وتغذيتَها بالحلال، وإن كان مدى الآية أوسعَ في القصديّة والظاهر من مدى مباشَرة الخطاب عن الأيامى الإماء والعبيد.

وثانيها : أعدنا المستدِلّ بشطر الآية إلى صدرها؛ لأنّ مفتتحَها “وأنكحوا”، وهو فعلُ أمر للمسؤولين عن الأيامى أن يُنكِحوا أياماهم وعزّابَهم، ما يجعل المسؤولية مشتركةً ابتداءً، وكأنّه إيماءٌ إلى “التكافل الاجتماعي في الزواج”؛ بأن يقدمَ الدينُ، ويقلَّ المهرُ، ويساهَمَ في توفير احتياجاتِ الزواجِ وما بعده، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

وثالثها: ظاهريّةٌ لغويةٌ أن يُتقحَّم تفسيرُ القرآن بما يبدَهُ العقلَ أو يبادرُ اللسانَ، وهنا يظنّ بعضٌ: أنّ مجرد الزواج ومحضَه يجلب معه الرزق بـ (on – off) ! هذا تجنٍّ على القرآن واللغة جميعًا، ويضحى لا معنى لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ من الثلاثة الذين حقٌّ على الله عونُهم “الناكح يريدُ العفاف”، والصحيح أنّ هذه دعوة قرآنيةٌ تغذّي جانبَ اليقين بتحصيل النتيجة العمليّة من العمل وأنّ الزواج لا يمكن أن يشكل عائقًا ولا إفقارًا بذاته، لكن لم تقل آيةٌ ولا حديثٌ أنّ تحصيلَكم هذا دون ضربٍ في الأرض وأخذٍ بالأسباب!! ثم أيُظنّ مع ذلك أنه يكون مصيبًا أو كبيرًا من تسأله وهو مقدم على الزواج: ماذا تعمل؟ فمن قائل: زوجي موظفةٌ، وآخر: سأعيش في جلباب أبي، وثالث: إنّ الجمعيات الخيرية لن تقصّر معي؟ هل هذا يقوله عاقل ديّنٌ؟!

ورابعها: لم يقل النبيّ (ومن لم يستطع –الباءة-) فليتزوج، فهو مرزوق مرزوقٌ، والقرآن يجري منه مجرى النَّفس، وإنما قال: اعصم نفسَك من التشظّي النفسي والتفكير الخوائيّ بالصيام؛ لأنّ المقصود كسرُ حدّة أكثر ما يعانيه الشاب، وهو ثَوَرانُ شهوته وغليانُها أحيانًا، ما قد يوقعه في الخطيئة لو لم يتكافل معه المجتمع، فندب إلى الحل المؤقت بالصيام الذي هو قربةٌ إلى الله ومنعٌ من الانحراف إلى حين ميسَرة وباءة ولو في الحدّ الأدنى.

وخامساً: لو كان فهمُ الآية كما نزع بعضُ الإخوة الكرام بظاهرية، فسنسألُهم: هل المقصود من قوله تعالى في موضوع الزواجِ نفسِه “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، أن تزوّجوا وستجدون المودّة والرحمة قبلكم في بيت الزوجية ينتظرانكم؟!! أم أنّ المعنى أمرٌ في ثوب خبرٍ مقصودُه: أقيموا الحبَّ والرومانسيةَ والاحترامَ والتراحمَ والتواددَ والتآلفَ والسؤالَ والتواصلَ والتكاملَ والتفاعلَ بينكم، فهذا كله يجعل حياتَكم أنسًا وطمأنينة وسكنًا كريمًا!

وسادسها : في الدرس الواقعيّ لا تجدُ أنّ كلَّ أحدٍ تزوّج فاستغنى، بل إنّ منهم أغنياءَ افتقروا لا سيما مع عدم حسن تقدير الزوجات، وآخرين لم يجدوا للغنى سبيلًا، فيكون ذلك سبيلًا لاتّهامنا صدقيّة الآية –حاشاها-، بدل أن نتهم أفهامَنا وتواكلَنا وعدمَ اتّعاظنا بتجارب الآخرين!

المختصرُ هنا:

إنّ الذهابَ للزواجِ يلزمُ معه الباءة، وهي في أدنى أحوالِها القدرةُ على العملِ وإن كان صاحبُها فقيرًا، فهو موعودٌ إن أخذ بالأسبابِ وضربَ في الأرض أن يغنيَه الله إن تزوّج، وعليه أن يكونَ يقينُه كاملًا أو كبيرًا، أمّا إذا كان “همشريًّا” أو ضحك عليه بعضٌ بتوفيرِ كذا وكذا له، ثم تركوه عند الخطّ الأول في سكّةِ الزواج، ولم تكن عنده تلك اللياقةُ الروحيةُ والنفسيةُ، فهذه أسرعُ الوصفاتِ لخراب البيوت، ونشرِ النكد في أنحائها، واسألوا رسولَكم العظيمَ الذي جعل المرأة (التي بها يحصل الزواجُ) مصدرًا من السعادة، لكنه ذكر أن السعادةَ أركانُها أربعة؛ ومنها مسكنٌ واسع أو مقبول، ومالٌ في حدّه المناسب! والله أعلم!

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصلحُ الاجتماعيّ بينَ الواقعِ والمأمولِ

كتبه د. ياسر فوجو   استاذ مساعد بكلية الشريعة والقانون الجامعة الإسلامية غزة. يُعَدُّ الصلحُ ...