الرئيسية » طور حياتك » هكذا تُدار المواقف

هكذا تُدار المواقف

إعداد: إسراء سعيد أبوزايدة

نتعرّضُ في حياتِنا إلى العديدِ من المواقفِ؛ التي تُجبِرُنا على ضرورةِ التصرُّفِ معها بذكاءٍ؛ يُجنِّبُنا أقلَّ الخسائرِ، حيثُ تَحدُثُ معنا مواقفُ متعدِّدةٌ، وقد يكونُ الموقفُ إيجابياً, أو سلبياً, وعلينا أنْ نَخرُجَ من هذا الموقفِ بأقلِّ عددٍ من الخسائرِ النفسيةِ  والمعنويةِ والجسديةِ , وعلينا الالتزامُ  بِعِدّةِ  طرُقٍ ومواقفَ وأخلاقٍ منها:

خُلق التغاضي ؛ حيثُ نحتاجُ في أحيانٍ كثيرةٍ أنْ نُغمِضَ أعيُنَنا عمّن نحبُّ في هفواتِه وزلاّتِه؛ من أجلِ سعادتِنا وسعادتِه, ونكونَ ممّن أغمضَ عينَيّهِ قليلاً عن عيوبِ الآخَرينَ وأخطائهم, كي لا نَجرحَ  مشاعرَهم.

في قصةٍ ذُكرتْ؛ تَحمِلُ الكثيرَ من المعاني الجميلةِ في جَعبتِها، حيثُ  ذهبَ رجلٌ  إلى الحربِ؛ تاركاً زوجتَه وأولادَه، وعند انتهاءِ الحربِ؛ بلَغَه أنّ زوجتَه أصابها الجدريّ, فجعلَ من نفسِه أعمَى ؛حتى لا يجرحَ مشاعرَ زوجتِه , وبعد ما يقرُبُ من خمسةَ عشرَ عاماً ؛ تُوفيتْ زوجتُ،ه وحينها تفاجأ الجميعُ بأنه عاد مُبصراً, فَعلَتُه هذه كانت من بابِ المحافظةِ على العلاقةِ الزوجيةِ, وإبقاءِ صورةِ زوجتِه بنظرِه جميلةً.

القرارُ الصحيحُ :
تذَكَّرْ دائماً أنّ الصحيحَ ليس دائماً شائعاً, وأنّ الشائعَ ليس صحيحاً دائماً, وإبعادُ العواطفِ عن القراراتِ المصيريةِ والحاسمةِ؛ غالباً ما يُنجيكَ من عواقبَ وخيمةٍ, أنتَ في غِنىً عنها.
إذا وجدتَ  مجموعتينِ من الأطفالِ؛ يلعبون بالقربِ من مَسارَينِ مُنفصلَينِ لسِكّةِ الحديد: أحدُهما مُعطَّلٌ، والآخَرُ ما زال يعملُ, وهناك طفلٌ واحدٌ يلعبُ على المسارِ المعطَّلِ, ومجموعةٌ من الأطفالِ يلعبون على المسارِ غيرِ المعطَّلِ, وكنتَ أنتَ تقودُ تُجاهَ محوِّلِ  القطارِ, وليس أمامَك إلاّ ثوانٍ لتُقرِّرَ في أيِّ مسارٍ يمكنُك أنْ توَجِّهَ القطارَ, فأيُّهما تختارُ: قتلَ الطفلِ، أَم مجموعةَ الأطفالِ؟

معظمُنا يرَى أنّ الأفضلَ التضحيةُ بطفلٍ واحدٍ، وهذا تقديرٌ عاطفيٌ . القرارُ الصحيحُ يقول: ليس من العدلِ تغيّيرُ مسارِ القطارِ؛ لأنّ الأطفالَ الذين يلعبونَ في مسارِ القطارِ العاملِ؛ عند سماعِهم لصوتِ القطارِ سوفَ يهربونَ؛ لعِلمِهم أنهم يلعبون في المسارِ العاملِ, أمّا الطفلُ الذي يلعبُ في المسارِ المعطَّلِ ؛ فسوفَ يموتُ بالتأكيدِ, لأنه لن يتحرّكَ من مكانِه عندَ سماعِ صوتِ القطارِ؛ لعِلمِه أنه مُعطَّلٌ, وتغييرُ مسارِ القطارِ لن يَقتلَ فقط الطفلَ, بل سوف يودِي بحياةِ الركابِ ويقودُهم إلى مخاطرَ حقيقيةٍ, هذه الفكرةُ تُسيطِرُ علينا كلَّ يومٍ في مجتمعاتِنا, ويتِمُّ التضحيةُ بمصلحةِ الأقليةِ مقابلَ الأكثريةِ, بِغَضِّ النظرِ عن قراراتِ الأغلبيةِ؛ حتى لو كانت غيرَ صحيحةٍ، وقراراتِ الأقليةِ صحيحةً.

تصرُّفٌ صغيرٌ :
نحن قد لا نرى أبداً ردودَ أفعالِ البشرِ تُجاهَ تصرُّفاتِنا، فأحياناً ما نكونُ القرآنَ الوحيدَ الذي سيَقرأهُ الناسُ , لذا يجبُ أنْ يكونَ كلٌّ مِنا قدوةً للآخَرين, ولْنكُنْ دائماً صادقينَ , لأننا قد لا ندركُ أبداً مَن يراقبُ تصرُّفاتِنا. فعلينا مراجعةُ قراراتِنا بحِكمةٍ قبلَ تنفيذِها.

انتقلَ إمامُ أحدِ المساجدِ في “لندن” إلى مسجدٍ آخَرَ, وذاتَ مرةٍ ركبَ الحافلةَ، ودفعَ الأُجرةَ، وجلسَ فاكتشفَ أنّ السائقَ أعادَ له مبلغاً ليس من حقِّه, فأخذَ الشيطانُ يوسوِسُ له , وعند توقُفِ الحافلةِ في المحطةِ التي يريدُها الإمامُ،  وقبلَ أنْ يَنزلَ أعادَ للسائقِ المبلغَ، وقالَ له: أعطيتَني أكثرَ ممّا أستحِقُّ, فأخذَها السائقُ وابتسمَ وقالَ له :ألستَ الإمامَ الجديدَ ؟ أُفكِّرُ منذُ مدَّةٍ في الذهابِ الى المسجدِ، والتعرُّفِ الى دينِكم،  وأعطيتُكَ المالَ الزائدَ عمْداً؛ لأرَى كيف سيكونُ تصرُفُك.

أنواعُ الأكوابِ :
دائماً نراقبُ ما عندَ الآخَرين, في الحقيقةِ هذه آفةٌ يعاني منها الكثيرونَ،  فهناك نوعٌ من الناسِ لا يَحمَدُ اللهَ على ما هو فيه؛ مَهما بلغَ من نجاحٍ, لأنه يراقبُ ما عند الآخَرين, فمِن العدلِ لنفسِكَ أنْ تنظُرَ لِما حباكَ اللهُ من مِنَحٍ؛ دونَ الحاجةِ للنظرِ لِما عندَ غيرِك من النّعمِ , فالمُنعِمُ هو أعدَلُ  العادلينَ.

تقولُ القصةُ؛ توَجَّهَ مجموعةٌ من الطلابِ لزيارةِ مُعلِّمِهم,  فقدَّمَ لهم إبريقاً من القهوة, وأكواباً في مُنتهَى الجمالِ  تصميماً ولوناً,  وكانت هناك أكوابٌ من النوعِ الذي تَجِدُه في أفقرِ البيوتِ, قالَ المعلمُ لطلابِه: لِيصُبّ كلُّ واحدٍ منكم لنفسِه القهوةَ, فلاحَظَ أنّ الطلابَ وقعَ اختيارُهم على الأكوابِ  الجميلةِ , فلو كانت الحياةُ هي القهوةُ, فإنّ الوظيفةَ والمالَ هي الأكوابُ, وعندما نركِّزُ فقط على الكوبِ؛ فإننا نضيِّعُ فرصةَ الاستمتاعِ بالقهوةِ.

هل أُعلِّمُه الأدبَ ؟
وفي قصةٍ أخرى؛ في كلِّ صباحٍ كان يأخذُ رجلانِ صحيفتَهما المفضّلةَ من بائعِ الصحفِ, الأولُ يُلقي التحيةَ، والبائعُ لا يرُدُّ عليها, والرجلُ الآخَرُ لا يُلقي التحيةَ , ذاتَ مرّةٍ تساءلَ الرجلُ الذي لا يَردُّ التحيةَ للرجلِ الذي يردُّ؛ وقال له: أعتقدُ أنه رجلٌ غيرُ مهذَّبٍ،  فلا تُلقِ عليه التحيةَ !
فأجاب: وما الغَضاضةُ في ذلك ؟ إذا هو غيرُ مهذّبٍ؛ فأنا أعلِّمُه الأدبَ .

زاويةٌ محدَّدةٌ : لا تدَعْ الألمَ الذي يَحدُثُ لك في موسمٍ مُعيّن؛ يجعلُكَ تخسرُ الفرحَ في بقيةِ المواسمِ!  ولا تَحكمْ على الحياةِ أوالشخصِ  في مَظهرٍ واحدٍ! وحاوِلْ أنْ تقفَ فوقَ المواقفِ الصعبةِ؛ لأنّ اللهَ يخبّئُ لك حياةً أفضلَ.

كان لرجلٍ أربعةٌ من الأبناءِ، أرادَ أنْ يعلِّمَهم درساً في الحياة؛ ألاّ يَحكموا على الأمورِ بسرعةٍ,  ولا تكُونُ نظرَتُهم سطيحةً للأمورِ, فأرسلهم الى مكانٍ ما ؛حيثُ توجدُ شجرةٌ كبيرةٌ، وطلبَ من كلٍّ منهم أنْ يصِفَ له الشجرةَ, فذهبَ الابنُ الأكبرُ في فصلِ الشتاء, فقال: الشجرةُ كانت قبيحةً, وذهبَ الثاني في الربيع, قال: كانت مورقةً وخضراءَ, وذهب الثالثُ في الصيف, قال: تبدو في غايةِ الروعةِ والجمالِ , والرابعُ في الخريفِ فقال:  إنها كانت مليئةً بالثمارِ , فشرحَ الأبُ مفسِّراً كلامَهم  جميعاً بأنه صحيحٌ, لأنّ كُلاً منهم ذهبَ في موسمِ آخَرَ،  لذلك لا يجبُ عليك أنْ تَحكمَ على شخصٍ في موقفٍ بعَينِه، فإذا استسلمتَ في الشتاءِ؛ فستَخسرُ جمالَ الربيعِ، والاحساسَ الرائعَ بالصيفِ، والحياةَ المثمرةَ في الخريفِ .

معرفةُ العواقبِ:

لا تَكذبْ! ولا تفعلْ شيئاً لا تَعلمُ عواقبَه! جاءتْ امرأةٌ الى مجلسٍ يتجمّعُ فيه التجارُ , فأشارتْ بيدِها إلى أحدِ التجارِ, فجاءَ إليها, وقالت: أريدُ منك خِدمةً, إنْ قدّمتْها سأُعطيكَ عشرينَ ديناراً, قال: وما نوعُ الخدمةِ, قالت: زوجي ذهبَ الى الجهادِ منذُ عَشرِ سنواتٍ, وأريدُ رجلاً يذهبُ إلى القاضي على أنه زوجي ويُطلِّقُني , ذهبا إلى القاضي, وقالت: يا حضرةَ القاضي هذا زوجي الغائبُ عني منذُ عشرِ سنواتٍ، والآنَ جاء ليُطلِّقَني, فقالَ له القاضي: هل تريدُ أنْ تطلِّقَها؟  قال: نَعم , فطلَّقها, وقالتْ للقاضي: يا حضرةَ القاضي, رجلٌ غابَ عني، وعندما عادَ طلّقني, أريدُ نفقةَ العشرِ سِنين والطلاقِ, فقال القاضي: ادفعْ لها ألفَي دينارٍ نفقةً, فانصرفا، وأخذتْ المرأةُ الألفَي دينارٍ، وأعطتْه العشرينَ ديناراً, فالرجلُ حينَها وقع َ في مشكلةٍ, لو أنكرَ يجلدوُ ويَسجنوه, وتسقطْ سمعتُه بينَ التجارِ.

كُن لَبِقاً :
الحياةُ لا تسيرُ على وتيرةٍ واحدةٍ , ومن الطبيعيّ أنْ يحدُثَ سوءُ تفاهمٍ وخلافاتٌ بين الناسِ, فيجبُ ألاّ ننسَى عندَ حدوثِ المشكلةِ؛ خُلقَ الأدبِ واللباقةِ وحُسنِ التصرُف, وآدابِ التحدثِ والتعاملِ مع الآخَرين,عن عائشةَ أمِّ المؤمنين, قالت: قال رسولُ اللهِ “صلى الله عليه وسلم: إني لأعلَمُ  إذا كُنتِ عني راضيةً , وإذا كنتِ عليّ غضْبَى, قالتْ: من أينَ تعرفُ ذلك؟ فقالَ عليه الصلاةُ والسلام: أمّا إذا كنتِ عني راضيةً؛ فتقولينَ لا وربِّ مُحمد , وإذا كنتِ غضبَى قلتِ لا وربِّ إبراهيم , قالت: أجلْ يا رسولَ اللهِ، ما أهجُرُ إلاّ اسمَك”.

المصدر: كتابُ فنّ إدارةِ المواقف, محمد عبد الله الفريح بتصرف

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غير نمط حياتك

لماذا نحتاج إلى تغيير أنماط حياتنا؟ يظن البعض أن تغيير نمط الحياة يرتبط فقط بالتجديد ...