الرئيسية » فلسطينيات » العدوان على غزة » “مناشير” حربيةٌ بترتْ أطرافَ الآلافِ ولم تنَلْ من عزيمتِهم !

“مناشير” حربيةٌ بترتْ أطرافَ الآلافِ ولم تنَلْ من عزيمتِهم !

تقرير: عبد الرحمن الطهراوي

توحي جثثٌ لشهداءٍ ارتقَوا خلالَ العدوانِ الإسرائيليّ على قطاعِ غزةَ، وهي مُقطَّعةُ الأطرافِ، مشوَّهةُ المعالمِ، وكذلك تمزُّقُ أجسادِ الجرحى؛ على استخدامِ الاحتلالِ لأسلحةٍ غير ِعاديةٍ، بل محرَّمةٍ دولياً، تؤدِّي إلى بترِ الأطرافِ بشكلٍ بشِعٍ، في حين تضاربتْ الأنباءُ عن استخدامِ الاحتلالِ لقنابلِ الفسفورِ الأبيضِ المحرَّمةِ دولياً، التي استخدمها في عدوان( 2008_2009).

ولم تُمهلْ الطائراتُ الحربيةُ للاحتلالِ الشابَّ محمد أبو بيض(26عاما)، فرصةً لشراءِ بعضِ الحاجياتِ من سوبر ماركت قريبٍ من منزلِهم في حيّ الشجاعيةِ، شرقَ قطاعِ غزةَ، والعودةِ بهم إلى البيتِ، قبلَ أنْ تباغتَه طائرةٌ حربيةٌ إسرائيليةٌ بدونِ طيارٍ؛ بصاروخٍ فصلَ ساقَه اليُسرى عن بقيةِ جسدِه!!.

ولن يتمكنَ محمد بعد اليومِ من ممارسةِ كرةِ القدمِ كالمعتادِ، والتي أحبَّها منذُ الصغرِ، ومارسَها في الكِبرِ كلاعبٍ مميّزٍ في إحدى النوادي الرياضيةِ في القطاع. ويقول محمد: “خرجتُ من البيت قاصداً الدكان (سوبر ماركت) وأنْ أسمعَ صوتَ إطلاقِ القذائفِ، وما إنْ تقدّمتُ في الشارع، حتى رأيتُ شباباً يفِرُّونَ، ويطالبوني بالهربِ، فهربتُ واختبأتُ في إحدى الأزقة”.

ويضيفُ محمد في حديثه لـ “الثريا” “شاهدتُ سياراتِ الإسعافِ تأتي لنقلِ الجرحى وجُثثٍ مقطّعةٍ للشهداءِ، فخرجتُ من المخبأ بعدما توقّفَ صوتُ المدفعيةِ، ولكنْ ما إنْ مشيتُ بضعَ خطواتٍ حتى سقطَ عليَّ صاروخٌ من طائرةٍ حربيةٍ بدونِ طيار”. مبيِّناً أنه دخلَ في غيبوبةٍ لربعِ ساعةٍ، إلى أنْ وصلَ مستشفى الشفاءِ بمدينةِ غزة.

وأُصيبَ اللاعبُ محمد في اليومِ الرابعِ من العدوان، برفقةٍ مجموعةٍ من الشبانِ؛ نتيجةَ القصفِ العشوائي من قبلِ المدفعيةِ الإسرائيليةِ والطائراتِ الحربيةِ لأحدِ شوارعِ حيّ الشجاعيةِ، ولأراضٍ زراعيةٍ في المنطقة، قبيلَ آذانِ المغربِ، وارتقى خلال القصفِ ثلاثةُ شهداءٍ من المنطقة ،وأصيبَ آخَرُ في قدمِه اليمنى التي بُترتْ لحظةَ وصولِه لمستشفى الشفاءِ.

ويتحسّسُ محمد مكان البترِ، ويقول: “مشهدُ القصفِ العشوائي أمام المنزلِ؛ كان مخيفاً! لا أعلمُ حتى اللحظةِ كيف بُترتْ ساقي؟ وما طبيعةُ الصاروخِ الذي سقطَ عليَّ، فأنا غبتُ عن الوعيِّ لدقائقَ، وبعدَها علمتُ أنّ ساقي قد قُطعتْ فورَ القصفِ، ولكني لن أستسلمَ للواقع، بل سأجتهدَ بممارسةِ كرةِ القدمِ بما يتناسبُ مع حالتي الآن، وأفكّرُ حالياً بالانضمامِ إلى إحدى فرقِ كرةِ الطائرةِ جلوس، وأوصلُ مشوارَ حياتي الرياضي؛ حتى تحقيقِ حُلمي بارتداءِ قميصِ المنتخبِ الوطني”.

القصفُ للجميعِ…

أمّا عائلةُ الشاب مصعب ضاهر؛ فبدّدتْ طائراتُ الاحتلالِ الإسرائيلي فرحةَ العائلةِ بتفوِّقِ ابنتِها بالثانويةِ العامةِ إلى حزنٍ وغمٍّ، بعدما أصيبَ محمد بصاروخينِ أثناء ذهابِه إلى صلاةِ التراويحِ خلال شهرِ رمضان، تسبَّبا له ببَترٍ في كلتا ساقيه، وتَوزُّعِ شظايا الصاروخينِ بكافةِ أنحاءِ جسدِه.

وتحوّلَ اسم شارعِ السلامِ بمدينة دير البلحِ، وسطَ قطاعِ غزة، إلى شارعٍ يحملُ كافةَ معاني الوجعِ في ذاكرةِ العائلةِ، بعدما كان شاهداً على بترِ ساقَي مصعب ابنِ لـ22عاما، ويقولُ الوالد: “بعد الإفطارِ خرج رجالُ البيتِ إلى المسجدِ؛ لأداءِ صلاةِ التراويح، ولكنّ مصعبَ تأخَّرَ بضعَ دقائقَ، وأثناء الصلاةِ سمعتُ صوتَ القصفِ، ولكنه لم يخطرْ ببالي أنْ يستهدفَ مصعب”.

ويصِفُ مصعبُ لحظةَ الاستهدافِ بالقول: “فورَ سقوطِ الصاروخِ الأولِ؛ شعرتُ أنّ شيئاً ما مني قد قُطعَ، ورأيتُ الدمَ ينزفُ بغزارةٍ من جسدي، وشظايا من جسدي، وبعد الصاروخِ الثاني لم أشعرْ بشيءٍ، غبتُ عن الوعي”، ويعاني مصعبُ بجانب بترِ أطرافهِ السفليةِ من حروقٍ وكسورٍ في جسدِه.

في ذاتِ السياقِ، أشارَ تقريرٌ أصدرَه فريقُ ‘ميديكا’ الذي يضمُّ خبراءَ إيطاليينَ إلى وجودِ دلائلَ على استخدامِ الاحتلالِ لأسحلةٍ محرّمةٍ دولياً في غزة خلالَ العدوانِ، وهذه الأسلحةُ فتاكةٌ وجديدةٌ وغيرُ معروفةٍ، موضّحاً أنّ أعراضاً جديدةً وغريبةً ظهرتْ بينَ الجرحَى والشهداءِ الفلسطينيين.

وقال التقريرُ إنّ الأسلحةَ المستخدَمةَ تسببتْ في بترِ الأطرافِ السفليةِ بصورةٍ وحشيةٍ وغيرِ معروفةٍ، وكثيراً ما يطلبُ الأطباءُ الفلسطينيون مساعدةَ المجتمعِ الدوليّ؛ من أجلِ فهمِ أسبابِ هذه الجروحِ غيرِ المألوفةِ، والتي تحتوي على شظايا صغيرةٍ، وغالباً غيرِ مرئيةٍ للأشعةِ السينيةِ.

لجنةُ تحقيقٍ

ودعتْ وزارةُ الصحةِ الفلسطينيةُ إلى ضرورةِ تشكيلِ لجنةِ تحقيقٍ دوليّ؛ لمتابعةِ ومعرفةِ طبيعةِ الأسلحةِ التي استخدمَها الاحتلالُ في عدوانِه، والتحقيقِ في الجرائمِ التي ارتُكبتْ بحقِّ المدنيينَ، والتي تخالفُ الاتفاقاتِ الدوليةَ، محذِّرةً في ذات الوقتِ من المخاطرِ الصحيةِ والبيئيةِ التي تكمنُ خلفَ تلك الأسلحةِ، كأمراضِ السرطانِ وأمراضِ الدمِ والعقمِ.

الناطقُ باسمِ وزارةِ الصحةِ؛ أشرف القدرة قال لـ “الثريا” إنّ العديدَ من الحالاتِ وصلتْ لمجمّعِ الشفاءِ الطبي وهي مبتورةُ الأطرافِ، وتعاني من إصاباتٍ بالغةِ الخطورةِ بمختلفِ أنحاء الجسدِ؛ بسببِ استخدامِ الاحتلالِ لأسلحةٍ فتّاكةٍ ضدَّ المدنيينَ العزّلِ، ومحرّمةٍ في المواثيقِ الدوليةِ، ومن بينها قنابلُ “الدايم” المحرمةِ دولياً.

ويشيرُ مصطلح “دايم” وتعني متفجراتِ المعدنِ الخاملةِ الكثيفةِ، وتؤدي إلى قتلِ ضحاياها عبرَ بترِ أطرافِهم، بما يشبِهُ عملَ المنشارِ الآلي، في حين يصابُ بالسرطانِ كلُّ من ينجو من ذلك السلاحِ، بسببِ احتوائها على “التنغستن” المُسرطنِ.

وأوضحَ “القدرةُ” أنّ الأطباءَ في غزةَ رصدوا استخدامَ الاحتلالِ لقنابلَ متفجرةٍ تحتوي على عشراتِ القطعِ الحديديةِ والمعدنيةِ مختلفةِ الأحجامِ والأشكالِ، تتناثرُ على نطاقٍ واسعٍ بفعلِ قوةٍ الانفجارِ، فتصيبُ أغلبيةَ المواطنينَ القريبينَ من مكانِ الاستهدافِ، وتتوزعُ الشظايا على مختلفِ أنحاءِ الجسدِ، بجانبِ وجودِ حروقٍ من درجاتٍ مختلفةٍ.

وتتكونُ قنابلُ “الدايم” من غلافٍ من أليافِ الكربونِ المحشو بخليطٍ من الموادِ المتفجرة , ومسحوقٍ مكثّفٍ من خليطٍ من معدنِ “التنغستون” الثقيلِ والمكوَّنِ من( التنغستون والنيكل، والكوبالت، والكربون، والحديد) وتظهرُ على الضحيةِ علاماتٌ تشيرُ إلى استخدامِ الدايم، إذ تُقطعُ أطرافُ الضحيةِ بطريقةٍ بشِعةٍ، بجانبِ ارتفاعِ الحرارةِ، ووجودِ الحروقِ حولَ منطقةِ البترِ، وكأنّ العظامَ قُطعتْ تحتَ أسنانِ منشارٍ آليٍّ.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“مُنى كَسكين” أولُ جرّاحةِ أعصابِ في قطاعِ غزة

داخلَ أروقةِ مستشفى الشفاءِ بغزة، تتنقلُ في قسمِ الجراحةِ العامةِ بلباسِها الأخضرِ المشابِهِ لكُل العاملينَ ...