الرئيسية » رمضانك معنا غير » عوائلُ مستورةٌ تستقبلُ رمضانَ بتكافلٍ مجتمعيّ

عوائلُ مستورةٌ تستقبلُ رمضانَ بتكافلٍ مجتمعيّ

تحقيق_ ديانا المغربي

لا شيءَ يغلقُ أمامها البحر ، كما تغلقُ الحياةُ أبوابَها دوماً في وجهها.. أنْ تصنعَ لعائلتِها حياةً كريمةً تكفُلُ لهم الاستمرارَ بعيداً عن مدِ يدِ الحاجةِ والعوزِ للآخَرين ، في داخلِ البيتِ المُهترىء قواماً و روحاً ، تعيشُ عائلةُ ” أُم عرب ” في نهايةِ الأربعيناتِ من العمرِ ، مع زوجِها الذي تركَ عملَه منذُ سنواتٍ طويلةٍ، ولم يجدْ داخلَ غزةَ المحاصَرةِ بديلاً .

تتشاركُ في منزلِها المكوّنِ من ثلاثِ غرفٍ، مع عائلةِ ابنِها البِكرِ “عرب ” و الذي شقَّ طريقَه في الحياةِ مبكّراً، في محاولةٍ لانتشالِ العائلةِ من وضعِها الماديّ المُتعبِ ، فاتّجهَ للعملِ في “الباطون” لكنّ الأمرَ لم يدُمْ طويلاً.. وجاء القدَرُ بسقوطِه خلالَ عملِه؛ ما أدّى إلى أصابتِه بشلَلٍ كاملٍ ، لتزدادَ معاناةُ العائلةِ، و تغوصَ في صراعِها مع الحياةِ .

تقولُ أم عرب لــ”السعادة ” :” مُرعبٌ أنْ تفكّرَ بالحياةِ دونَ أنْ يكونَ لكَ أساسٌ متينٌ تنطلقُ منه ، وهكذا هي العوائلُ المستورةُ حينَ تستقبلُ رمضانَ، أو العيدَ، أو العامَ الدراسيَّ، أو كلَّ أيامِ السنةِ ، لكنْ يبقى رمضانُ أقلَّ وطأةً.. فالتكافلُ الاجتماعيّ من الأهلِ والجيرانِ والأصدقاءِ والجمعياتِ الأهليةِ؛ يجعلُه أقلَّ وجَعاً و ألماً.

لا نجدُ قوتَ يومِنا

و تتابعُ: ما إنْ يهلُّ الشهرُ الفضيلُ؛ حتى نبدأَ باستشعارِ كرمِ اللهِ وفضلِه؛ في استمرارِ حياتِنا بالشكلِ الكريمِ ، لاسيّما وأنّ غالبيةَ أيامِ السنةِ لا نجدُ قوتَ يومِنا! ، لا نجدُ علاجاً لابني المُقعدِ عن الحركةِ ، ولا حليبَ ابنتِه الصغيرةِ ، مما يجعلُ الأيامَ متشابهةً بفقرِها ووجعِها و ألمِها وحاجتِك للناسِ .

بينما يصدقُ المَثلُ القائلُ ” البيوت أسرار ” ما تعانيهِ عائلةُ أبو محمد، القاطنُ في حيّ الشجاعيةِ بغزة ، هو وثمانيةُ أطفالٍ؛ صغيرُهم لم يكملْ العامَ بعد ، في منزلٍ أعطبتْهُ الحربُ الإسرائيليةُ الأخيرةُ، وحوّلتهُ إلى بيتٍ آيلٍ للسقوطِ في أيِّ لحظةٍ .

يقولُ أبو محمد “36 عاماً” : “لا فرقَ بينَ رمضانَ و غيرِه، فحالةُ العوزِ والفقرِ تلاحقُنا على مدارِ الأيامِ والشهورِ ، و “المَولى وحدَه يَعلمُ بحالِنا، فأنا نادراً ما أذهبُ للسوقِ، وإنْ ذهبتُ إليه لا أشتري.. وإنما أكتفي بمشاهدةِ المعروضاتِ من قربٍ.. دونَ السؤالِ عن ثمنِها، لأنني أعرفُ أنه ليس بإمكاني شراؤها أصلاً .

أهلُ الخيرِ

ويضيفُ “أنا عاملٌ.. ولا أجدُ لي أيَّ سبيلٍ للعملِ، في ظِل الحصارِ الخانقِ، وما يهوّنُ الأمرَ عليّ، أو ما يزيدُه بِلّةً؛ أنّ أوضاعي متشابهةٌ مع الكثيرينَ من سكانِ قطاعِ غزةَ، فالأوضاعُ صعبةٌ على الجميعِ ، و الأزماتُ المتعاقبةُ فرضتْ على شريحةٍ كبيرةٍ مِنا الجلوسَ داخلَ المنزلِ، دونَ طلبِ المساعدةِ .

ويتابعُ: إلاّ أنّ الحاجةَ للمالِ في شهرِ “رمضان” تزدادُ أكثرَ من غيرِه من الشهورِ؛ بسببِ كثرةِ الالتزاماتِ ، لكنْ ما يهوِّنُ الأمرَ تَعاطفُ الأقربينَ والأهلِ والأصدقاءِ، مع أوضاعِك المعيشةِ خلالَ الشهرِ الفضيلِ؛ فتَشعرُ أنّ الأمورَ في تحسُّنٍ.. بل إنّ برَكةَ رمضانَ تمتدُّ لشهرينِ بعد انتهائهِ .

من جانبِه يقولُ عميدُ كليةِ الشريعةِ والقانونِ في الجامعةِ الإسلاميةِ؛ د. ماهر السوسي لـ” السعادة “:” إنّ الحصارَ المفروضَ على قطاعِ غزةَ؛ أفرزَ وعلى مدارِ سنواتٍ عديدةٍ طبقةً واسعةً، تعيشُ تحتَ خطِّ الفقرِ منذُ عدّةِ سنواتٍ ، فيما أفرزتْ مشكلةُ الانقسامِ الفلسطينيّ قُرابةَ أربعينَ ألفَ عائلةٍ فلسطينيةٍ مهدَّدةٍ في الرزقِ.. بينَ الفينةِ والأخرى؛ جراءَ تذبذُبِ أزمةِ رواتبِ موظفي حكومةِ غزةَ، التي شارفتْ على العامينِ.

ويضيفُ: اتساعُ رقعةِ الفقراءِ والمستورينَ في قطاعِ غزةَ؛ يستدعي حالةً من التكافلِ الاجتماعيّ، حتى تَقوى هذه العائلاتُ على استقبالِ الشهرِ الفضيلِ ، لاسيّما وأنّ الحكمةَ من الصيامِ؛ هي استشعارُ مشاعرِ الفقراءِ والمحتاجينَ .

و يتابعُ: المجتمعُ المسلمُ الذي يُطبَقُ فيه الإسلامُ عقيدةً وعبادةً وشريعةً ونظاماً وخُلقاً وسلوكاً، يجدُ التكافلُ الاجتماعيُّ مكانَه بارزاً فيه؛ بحيثُ تتحققُ فيه جميعُ مضامينِه، ذلك أنّ الإسلامَ قد أهتمَّ ببناءِ المجتمعِ المتكاملِ، بقولِه صلى الله عليه وسلم: “مَثلُ المؤمنينَ في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطفِهم، مَثلُ الجسدِ إذا اشتكَى منه عضوٌّ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحُمّى”.

الصدقةُ تهذيبٌ وتربيةٌ
و التكافلُ الاجتماعيُّ في الإسلامِ؛ ليس مقصوداً على النفعِ المادي.. وإنْ كان ذلك ركناً أساسياً فيه، ومتطلّباً فعلياً لدَينا في قطاعِ غزة ، بل يتجاوزُه إلى جميعِ حاجاتِ المجتمعِ أفراداً وجماعاتٍ، ماديةً كانت تلك الحاجةُ أو معنويةً أو فكريةً على أوسعِ مدَى لهذه المفاهيمِ، فهي بذلك تتضمنُ جميعَ الحقوقِ الأساسيةِ للأفرادِ والجماعاتِ داخلَ الأُمةِ.

ويؤكّدُ “السوسي” أنَّ لفقراءِ المسلمينَ حقاً واجباً في أموالِ الأغنياءِ، مستشهِداً بحديثٍ قُدسيّ يقول فيه تعالى :” الفقراءُ عيالي، والأغنياءُ وكلائي، فإذا بَخِلَ وكلائي على عيالي؛ أذقتُهم وَبالي ولا أبالي”. فالصدقةُ تهذيبٌ وتربيةٌ للغنيّ وللفقيرِ إغاثةً وإعانةً، تحفظُ ماءَ وجهِه من السؤالِ للناسِ، وقد قالَ تعالى عن الفقراءِ المُتعفِّفينَ :” تَحسَبُهم أغنياءَ من التعفُّفِ”..”، مشيراً إلى أنّ واجبَ المسلمِ على أخيهِ المسلمِ المحتاجِ؛ هو توفيرُ حاجتِه الضروريةِ.

أرقَى صورِ التكافلِ

فيما يقولُ الأخصائيّ الاجتماعيّ “محمد عبد العزيز منصور” من مديريةِ تعليمِ رفح :” الإسلامُ بتشريعِه الخالدِ، ومبادئهِ الساميةِ، وأنظمتِه العادلةِ، وتوجيهاتِه الصادقةِ؛ قد حقّقَ للمجتمعِ أرقَى صورِ التكافلِ بالمفهومِ الواسعِ الشاملِ.. والشواهدُ من نصوصِ الكتابِ والسُنةِ كثيرةٌ.

ويشملُ التكافلُ في الإسلامِ مدلولاتِ البِرِّ والإحسانِ والصدقةِ والزكاةِ، وكلَّ ما يتصلُ بهذه الألفاظِ؛ مما يعطي معنى التعاطفِ والتعاونِ والتراحمِ بين الناسِ، قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} .

و يؤكّدُ “منصور” أنّ هذه المظاهرَ تخفّفُ من وطأةِ الأزمةِ الاقتصاديةِ على عددٍ لا يُستهانُ به من الأُسرِ المتعفّفةِ؛ مشيرًا إلى تحرُّكِ كميةٍ لا يُستهانُ بها من المالِ في فترةٍ زمنيةٍ قصيرة.

فغالبيةُ المواطنينَ يقومونَ بإخراجِ زكاةِ أموالِهم خلالَ شهرِ رمضان؛ ويضافُ إليها صدقةُ الفطرِ؛ وصلةُ الأرحامِ، والصدقاتُ بِشتَّى أنواعِها، والمبادراتُ الخيريةُ، وهي كلُّها أموالٌ إذا ما حُسبتْ مجتمعةً؛ فإنها تقدّمُ شيئاً ما، يخففُ عن الفقراءِ والمحرومينَ.

مشيراً إلى ظاهرةٍ حميدةٍ انتشرتْ خلالَ رمضانَ هذا العامَ؛ وهي المجموعاتُ الشبابيةُ سواءٌ على مواقعِ التواصلِ الاجتماعيّ، أو في المناطقِ، والتي تُطلِقُ مبادراتٍ لمساعدةِ الفقراءِ، وجمْعِ المساعداتِ، ونقلِها لهم في رمضانَ، في أُطرٍ خارجَ الأُطرِ المؤسساتيةِ الرسميةِ.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قرية المصدر … تراث وحضارة وإرث تاريخي

  مع حلول الصباح؛ وانتشار أشعة الشمس الذهبية على الأرض، وعلى إيقاع صوت العصافير، ومع ...