الرئيسية » أسرتي » آباء و أمهات » الألعابُ صُنعتْ كي تُكسرَ

الألعابُ صُنعتْ كي تُكسرَ

بقلم: كريم الشاذلي

فَاجأني أحدُ الأصدقاءِ بسؤالِه لي ” واللهِ يا أستاذ بجيب له أحسن حاجة ، اللعبة وبدفع ثمن اللعبة مبلغ وبالشحن كمان مش بالحجارة. وبرضو يكسرها .. هو مش حضرتك بتفهم في نفسية العيال برضو .. شوف حمادة كده أصلي خايف ليكون عنده ميول سادية” !!

 لسببٍ أجهلُه؛ يظنُّ الأبُ أنّ اللعبةَ التي أحضرَها لطفلِه؛ يجبُ أنْ يُكتبَ لها الخلودُ . (وأنّ طفلَه يجبُ أنْ يُحافظَ عليها؛ كـحِفاظِه على حبّةِ عينِه، ولصاحبي الذي يظنُّ أني ( أفهمُ في نفسيةِ العيال برضو ) ، وكلِّ من شابهَهُ أصرخُ وأقولُ: الألعابُ صُنعتْ لكي تُكسرَ.

هذه هي الحقيقةُ التي لا نريدُ أنْ نصدِّقَها؛ رغمَ وضوحِها؛ فالأطفالُ ليسوا (مخرِّبينَ صغاراً) كما نَنعتُهم! بل هم مكتشِفونَ صغارٌ، لدَيهم فضولٌ غيرُ عادي، وحبُّ استطلاعٍ لا محدودَ، ولذلك نجِدُهم يدمّرونَ ألعابَهم؛ بُغيةَ التحقُّقِ من كُنهِها وطبيعتِها، ونحن -كآباء- نتذمّرُ من ذلك، ونعاقبُ الطفلَ على فَعلتِه.

إنّ كلَّ طفلٍ يملكُ موهبةً؛ أعطاهُ اللهُ -جلَّ وعلا- إياها، وهذه الموهبةُ تحتاجُ إلى تنقيبٍ وبحثٍ، وهذا يتأتّى حينما نسمحُ له بالتجريبِ المستمر، فرُبما لا ندركُ أنّ طفلَنا مُبدِعٌ في الرسمِ؛ إلاّ بعدَ تمزيقِ الدفترِ رقم مائة، أو أنه يهوَى الفكَّ والتركيبَ؛ إلاّ بعدَ أنْ يجعلَ من غرفتِه ميدانَ فَوضَى.

ومَنعُنا للطفلِ من أنْ يجرِّبَ؛ هو منعٌ للتقدّمِ واكتشافِ مواهبِه نَعم، إننا حينما نعاتبُ الطفلَ على أخطائه وتجاربِه الفاشلةِ؛ فإنما نعاقِبُه على التعلُّمِ، ومن الثابتِ عِلمياً أنّ تَعدُّدَ اهتماماتِ الطفلِ، وتنقُّلَه من مجالٍ إلى آخَرَ؛ هو البدايةُ الحقيقيةُ لظهورِ مواهبِه، ويجبُ أنْ نَنظُرَ لِلَّعبِ على أنه نشاطٌ مشروعٌ للطفلِ؛ يحصدُ من خلالِه فوائدَ كبيرةً، ولا يجبُ أنْ نقلقَ من الطفلِ الذي يعشقُ الَّلعِبَ؛ بل العكسُ هو الصحيحُ، فالطفلُ الهادئ الذي لا يحبُّ اللعبَ، ولا يهوَى المرحَ؛ هو الأَولى بالخوفِ والقلقِ! يقولُ “الغزالي” في إحيائه مُنبّهاً على أهميةِ اللعب: “وينبغي أنْ يؤذَنَ له بعدَ الفراغِ من المكتبِ (حلقة حِفظِ القرآنِ) أنْ يلعبَ لُعباً جميلاً، يُرَوِّحُ به تعبَ الحفظِ، فإنّ منعَ الصبيّ من اللعبِ، وإرهاقَه بالتعلمِ الدائمِ؛ يميتُ القلبَ، ويُبطلُ ذكاءَه، ويُنغِّصُ العيشَ عليه”.

ومن الفوائدِ التي يجنيها الطفلُ من اللعبِ:
– إفراغُ طاقاتِه المكبوتة : فالطفلُ لديهِ نشاطٌ جسماني كبيرٌ؛ يحتاجُ أنْ يُفرِغَه في  القنواتِ الشرعيةِ، وهي الألعابُ، وكَبْتُنا لهذه الطاقةِ، وعدمُ إعطاءِ الولدِ الحريةَ في إفراغِها؛ يعملُ على تعقيدِ الطفلِ.
– تنميةُ مهاراتِه الابتكاريةِ والإبداعية: وهذه المهاراتُ تُنمَّى بالتجرِبةِ المستمرةِ، والمحاولاتِ الكثيرة.
–  تنميةُ السلوكِ الاجتماعي : وخاصةً في الألعابِ الاجتماعيةِ؛ التي يدركُ الفردُ من خلالِها أنه فردٌ، وأنّ الجماعةَ هي الأَهمُّ، وأنه لا يستطيعُ اللعبَ حالياً، والعيشَ بعد ذلك بدونِ التعاونِ معهم، وتقسيمِ الأدوارِ فيما بينَهم، وتساعدُ كذلك على نبذِ الأنانيةِ وحبِّ الذاتِ.
– تعليمُه بعضَ المهاراتِ : وهذا يتأتَّى بأنْ نمزجَ التعليمَ باللعبِ، فتَعليمُه ترتيبَ غرفتِه مُمكِنٌ أنْ يكونَ بجَعلِها لُعبةً زمنيةً؛ فإذا رتّبَ غرفتَه في (سبعِ) دقائقَ مثلاً؛ نُعطيهِ( 5) نقاطٍ، وإذا استطاعَ جمْعَ( 25 )نقطةً في الأسبوعِ؛ يحصلُ على هديةٍ معيّنةٍ،أو أنْ نشتريَ له الألعابَ التي تُعلِّمُه الحروفَ والأرقامَ بشكلٍ مُسَلٍّ مُمتِعٍ.
– يتخلصُ الطفلُ من مَتاعبِه وهمومِه عن طريقِ اللعبِ، وباللعبِ يتخلصُ من همومِ الواقعِ وقيودِه.

ويجبُ التنبيهُ على أنّ من حقِّ الطفلِ؛ أنْ يختارَ ألعابَه بنفسِه، فلا نفرضُ عليه لعبةً؛ لمُجردِ أننا كُنا نحبُّها، ونحن في مِثلِ سِنِّه، أو لأنّ فلاناً ابنَ صديقي يحبُّها؛ فمَطالبُ الأطفالِ تختلفُ حسبَ ميولِهم، ويجبُ أنْ نساعدَ الطفلَ في أنْ يتحمّلَ المسئوليةَ، ويختارَ أشياءَه بنفسِه منذُ الصِّغرِ،وطبعاً لا يفترضُ أنْ نتركَه هكذا بلا توجيهٍ؛ بل يجبُ أنْ نشرحَ له ماهيةَ اللعبةِ، وفوائدَها وعيوبَها، وننقلَ له وِجهةَ نظرِنا، ولكنْ في النهايةِ يظلُّ القرارُ مُلكاً له.

كذلك يجبُ أنْ ندركَ أنّ الألعابَ الغاليةَ؛ ليست دائماً مُحبَّبةً للأطفالِ، فرُبما تشتري له لعبةً بمئاتِ الجنيهاتِ، فيُلقيها جانباً، ويفرحُ بصندوقِ بيضٍ فارغٍ؛ يجُرُّه خلفَه بالحبلِ، وكأنه سيارةٌ، وهذه ميزةٌ تساعدُنا في ابتكارِ ألعابٍ بسيطةٍ؛ من الأشياءِ المُهمَلةِ لدَينا نحنُ الكبار.

أيضاً من الرائعِ له؛ أنْ تشارِكَه اللعبَ بينَ الحينِ والآخَرَ، فهذا يُسعِدُه، وأيضاً يساعدُك على توجيهِه ومراقبتِه بدونِ أنْ يشعرَ،وأنصحكَ -عزيزي الأب- أنْ لا تضيّقَ على أبنائكَ بالأوامرِ والتوجيهاتِ الكثيرةِ، أو أنْ تَقطعَ عليه لُعبَه باستمرارِ، وأطالبُكَ بأنْ تتذكّرَ عندما كنتَ صغيرًا؛ مدَى ضيقِكَ وتأفُّفِكَ ممّن يحاولُ أنْ يهدمَ سعادتَكَن أو يُثقِلَ كاهِلَكَ بتعليماتِه المستمرةِ.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زُوروني كلَّ سنةٍ مرّةً

بقلم الكاتب الصحفي أحمد أبو سعدة كَحبّاتْ المطرِ المُنسابةِ على أوراقِ الشجرِ الظمأَى ، وإنْ ...