الرئيسية » فلسطينيات » ثقافة وفن » بجهود غزية ومساعدة تركية سبيلِ الرفاعية يُنعِشُ القطاعَ الأثَرِيَّ والسياحيّ

بجهود غزية ومساعدة تركية سبيلِ الرفاعية يُنعِشُ القطاعَ الأثَرِيَّ والسياحيّ

تحقيق: ميادة حبوب

حجارةٌ قديمةٌ تقبعُ في حيِّ الدّرَجِ بمدينةِ غزة، تَروي تفاصيلَ حقبةٍ زمنيةٍ غابرةٍ من العهدِ العثمانيّ، تحملُ قيمةً تاريخيةً وأثرِيةً عريقةً، وتؤدِّي دوراً إنسانياً وأخلاقياً وديناً عظيماً، يَخرُجُ من بينِ ثنايا هذه الحجارةِ ماءٌ عذْبٌ يروي ظمأَ المارةِ والمسافرينَ، ويُبرّد حرَّ الطريقِ الذي أنهكَهم، ليستعيدوا هِمَّتهم وقوتَهم، ويُكمِلوا طريقَهم فيصلوا إلى مقصدِهم، هذه الحجارةُ بناها ذو السلطةِ والمالِ؛ لتخدمَ عامة الشعبِ وعابري السبيلِ؛ بِنيَّةِ كسْبِ الأَجرِ والثواب، فباتت بذلك منشأةً خيريةً وقيمةً معماريةً وتراثيةً؛ لا يُمكنُ للعينِ إنكارُها، هذه المنشأةُ هي سبيلُ السلطانِ العثماني “عبد الحميد الثاني” أو ما يُعرفُ بسبيلِ “الرفاعية” “السعادة” تُحاور عدداً من المختصّين والمهتمّين بالآثارِ والترميمِ؛ لمعرفةِ قصةِ ترميمِ هذا السبيلِ وتأثيرِه على كلِّ ما حولَه.

يُعدُّ سبيلُ “الرفاعية” أحدَ المعالمِ الأثريةِ المميَّزةِ من الزمنِ العثماني في حيّ الدرجِ، وتشرحُ الأستاذة “هيام البيطار” رئيسُ قسمِ الدراساتِ في وزارةِ السياحةِ والآثارِ فتقول: ” يُشرِفُ هذا السبيلُ على شارعِ الوحدة، بالقربِ من مدرسةِ الزهراءِ الثانويةِ للبنات، بجانبِ قصرِ الباشا، وقد أنشأَ هذا السبيلَ (بهرام بيك بن مصطفى باشا) سنة (976هـ/1568م)، ويشتهرُ الآنَ باسم سبيل “الرفاعية” نسبةً إلى (رِفعت بيك الجركسي) قائمِ مقام غزةَ؛ الذي قام بترميمِه سنة (1278هـ/1861م)، كما جُدّدَ مرة أخرى في عهدِ السلطان (عبد الحميد الثاني) سنة (1318هـ/1900م)، ويدلُّ على ذلك أبياتُ الشعرِ المنقوشةُ أعلى واجهةِ السبيل”.

منشأة خيرية

وممّا لا شكَّ فيه؛ بأنّ السُّبُلَ أبنيةٌ معماريةٌ ارتبطتْ بجُملةٍ من القيمِ الإسلاميةِ الدينيةِ والاجتماعيةِ التي تعكسُ نظرة التكافلِ؛ الذي دعا إليها الإسلامُ، وعن هذا النوعِ من المنشآتِ التي انتشرتْ في العصورِ الإسلاميةِ يتحدثُ الدكتور “سعيد عاشور” في مقدمةِ بحثِه ” السُّبلُ دراسة أثريةٌ ومعمارية ” بأنها عبارة عن منشآتٍ معماريةٍ بُنيت وَقفاً لسقايةِ المارّةِ وعابري السبيل، ويحتوي السبيلُ على طابقين: الأول يمثلُ بئراً محفورةً في الأرضِ، تتجمعُ فيها مياهُ الأمطارِ أو الأنهارِ أو المياهِ الجوفية، ويعلوهُ غطاءٌ أو سقفٌ من الرخام، أمّا الطابقِ الثاني فيرتفعُ عن سطحِ الأرضِ قليلاً، ويُسمّى بحُجرةِ التسبيلِ، أو “المزملةِ” لتوزيعِ الماءِ على الراغبين، ويُرفع الماءُ من البئرِ بواسطةِ قنواتٍ تجري تحت البلاطِ المصنوعِ من الحجرِ الصلبِ، فيجري الماءُ إلى النوافذِ القائمةِ عندَ فتحاتِ القنواتِ، وكان طالبُ الماءِ يصعدُ على سلالمَ موجودةٍ أسفلَ كلِّ نافذةٍ، حيث يجدُ الماءَ ليَرويَ ظمأَه، وقد انتشرتْ السُّبلُ العامة للناسِ في العصورِ الإسلاميةِ؛ سعياً لكسْبِ الأجرِ والثوابِ، لِما للسقايةِ  من أجرٍ ومَكرُمةٍ، كما قد عُرفتْ السقايةُ قبلَ الإسلام؛ حيث كانت قريشُ تهتمُّ بسقايةِ حُجّاجِ بيتِ اللهِ الحرام، وتنافستْ القبائلُ على شرفِ تقديمِ السقايةِ للحُجّاجِ؛ حتى استقرَّ الأمرُ لبني هاشم.

منشأت عثمانية

وتوضّح المهندسة “نشوى الرملاوي” العاملةُ في مركزِ “إيوان” للتراثِ المعماري؛ بأنّ مدينة غزة تزخَرُ بالمنشآتِ العثمانيةِ الأثريةِ، ولكنْ من المؤسِفِ أنّ معظمَ  السُّبلِ قد اندثرتْ، واكتسحتها حركةُ التوسُّعاتِ العمرانيةِ العشوائيةِ، بحيث لم يبقَ منها سِوى الحجارةِ التأسيسيةِ؛ إمّا مُلقاةً أو مبنيةً بشكلٍ ارتجاليٍّ على جدرانِ بعضِ المساجدِ أو الأبنية، ولم يتبقَ في مدينةِ غزة سِوى ثلاثة سُبُلٍ هي: سبيلُ الرفاعيةِ، وسبيلُ مسجدِ المحكمةِ، وسبيلُ مسجدِ الظفر دمري، كما أنّ المؤسساتِ الدولية الداعمةَ لا تهتمُّ بهذا النوعِ من المباني؛ على اعتبارِ أنها منشآتٌ غيرُ مسكونةٍ، كالمنازلِ والمساجدِ والقصورِ، وتَغفُلُ عن دورِها الاجتماعيّ المُهم، كما أنّ وزارة السياحةِ والآثارِ تعاني من قلّةِ التمويلِ والدعمِ لمشروعاتِ الترميمِ والحفاظِ، والتي تكلّفُ مبالغَ باهظةً؛ خصوصاً في ظِل الحصارِ القائمِ، ومع الأسفِ الشديدِ؛ أدّى هذا كلُّه إلى اندثارِ هذا النوعِ من المنشآتِ الأثريةِ المهمة.

جهودٌ غزيَّةٌ

ومن وحيِ هذا المكانِ العثماني؛ يتجلّى تعاونُ الدولةِ التركيةِ مع وزارةِ السياحةِ والآثارِ؛ لترميمِ سبيلِ “الرفاعية” وإعادةِ تأهيلِه، حيث موّلتْ مؤسسةُ التعاونِ التركية ” تيكا ” المشروعَ بقِيمةِ (40)ألفَ دولارٍ أمريكيّ، وتعدُّ مؤسسة “تيكا” واحدةً من المؤسساتِ الحكوميةِ التركيةِ التي تعملُ في قطاعِ غزة، وتدعمُ المشاريعَ، وتقدِّمُ المساعداتِ للفلسطينيين.
وتبين أ.”البيطار” أهدافَ هذا المشروعِ فتقول: “يهدفُ مشروعُ الترميمِ هذا إلى إعادةِ إحياءِ سبيلِ “الرّفاعيةِ” على طرازِه القديمِ، وإصلاحِه من الأضرارِ التي لحقتْ به نتيجةَ العواملِ الجويةِ والبناءِ العشوائي, وتهيئةِ المكانِ للاستخدامِ، وتوفيرِ المياهِ العذبةِ للمارّةِ؛ خصوصاً من طلابِ المدارسِ المجاورةِ، ويهدفُ أيضاً إلى التأكيدِ على أهميةِ المسؤوليةِ المجتمعيةِ تُجاهَ المباني والمنشآتِ  الأثريةِ، وتعميقِ هذه القيمةِ في نفوسِ أبناءِ المجتمعِ الفلسطيني، وتوعيتِهم بأهميةِ الإرثِ المِعماري؛ لأنه هو دليلُ عدالةِ قضيتِنا، وتأصُّلِ جذورِنا في هذه الأرضِ”، وتُعرِبُ “نور الصعيدي” (29عاماً) وإحدى السكانِ المجاوِرين لسبيلِ “الرفاعية” عن مدَى سعادتِها وهي ترَى أعمالَ التشطيبِ النهائيةَ لترميمِ هذا السبيلِ، وتؤكّدُ أنّ هذا المشروعَ يخدمُ القطاعَ الأثريّ والاجتماعيّ على حدٍّ سواء، فهو أعادَ إحياءَ المبنَى الأثريَّ بشكلِه الجميلِ والمميَّزِ، وجعلَه صالحاً للاستخدامِ لسقايةِ المارّةِ.

مراحلُ الترميمِ

سبيل الرفاعيةوتشرحُ أ.” البيطار” بأنّ المشروعَ تمَّ تقسيمُه إلى ثلاثِ مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة الترميمِ، والتي تشملُ عملَ دراسةٍ للمنشأةِ وما حولَها، وتقييمِ الحالةِ الإنشائيةِ لها، ثم تنظيفِ الحجارةِ ومعالجةِ الرطوبةِ التي يعاني منها السبيلُ؛ بحفرِ خندقٍ خلفي للتهويةِ، أمّا المرحلةُ الثانية وهي مرحلة تمديدِ المياهِ إلى السبيلِ؛ تمهيداً لإعادةِ استخدامِه، ويتضمّنُ حفْرَ بئرِ مياهٍ للتغذيةِ في الأرضِ الخلفيةِ للسبيلِ، وتوفيرَ ثلاجةِ مياهٍ في الخلفِ, ومن ثم القيامَ بإصلاحِ المواسيرِ.

اما المرحلة الثالثة وهي مرحلة إنشاءِ درَجٍ لتسهيلِ وصولِ المارّةِ لمواسيرِ المياهِ، وذلك ببناءِ ثلاثِ درجاتٍ أمام السبيلِ؛ لتسهيلِ وصولِ المارّةِ وعابري السبيلِ إلى المياهِ للشربِ. وترى م. “الرملاوي” أنّ مشروعَ ترميمِ سبيلِ “الرفاعية” يُعدُّ ورقةً رابحةً في يدِ الشعبِ الفلسطينيّ، فهو لم يُعمّقْ العلاقاتِ بينَ الدولتينِ التركيةِ والفلسطينيةِ فحسبْ؛ بل يزيدُ من أواصرِ المحبةِ بين الشعبينِ التركيّ والفلسطينيّ، هذا عَدا تأثيرِ المشروعِ على المحيطِ المعماريّ والحضَري للمكانِ، وعلى قيمةِ الإنسانِ أيضاً.

وتوضّح أ. “البيطار” بأنّ وزارة السياحةِ والآثارِ تسعَى جاهدةً إلى توظيفِ كافةِ إمكاناتِها للحفاظِ على المباني الأثريةِ المُعرَّضةِ للتدميرِ، وإعادةِ ترميمِها، كما أنها تحاولُ إيجادَ طريقٍ للتعاونِ والتواصُلِ مع كافةِ الجهاتِ والمؤسساتِ ذاتِ العلاقةِ بالتراثِ والآثارِ؛ لإشراكِها في مشاريعِ القطاعِ الأثَريّ، وهي موجودةٌ في قطاعِ غزة، ومتوفّرةٌ بطاقمٍ بشريٍّ مُتمَكنٍ.

وتقول:”المشكلةَ الأساسيةَ تكمُنُ في قِلّةِ المؤسساتِ الدوليةِ الداعمةِ، وعدمِ تعاونِ الكثيرِ منها بسببِ الحصارِ المفروضِ على قطاعِ غزة. وممّا لا شكَّ فيه أنّ مشروعَ ترميمِ سبيلِ “الرفاعيةِ” أعادَ الحياةَ  إلى محيطِ السبيلِ؛ بعَودةِ الماءِ الذي هو سِرُّ الوجودِ، وبثَّ فيهِ الحيويةَ والجمالَ، وزادَ من قِيمةِ المحيطِ الأثريةِ، وشكلتْ نتائجُ المشروعِ فَرْقاً واضحاً بالنسبةِ للسابقِ، فتحَوَّلَ السبيلُ من مُجرَدٍ حجارةٍ قديمةٍ_ تعلَقُ بينها الأوساخُ وتتجمّعُ_ إلى منهلٍ يرتشفُ منه المارّةُ ماءً عذباً بعذوبةِ ماضينا، وأصالةِ مديتِنا وعدالةِ قضيتِنا.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيارة مؤسسة “الثريا” لمدينة الإنتاج الإعلامي