الرئيسية » أسرتي » أزواج وزوجات » اختلافُ الطباعِ بينَ الزوجينِ؛ كيف يمكنُ احتواؤُه ؟

اختلافُ الطباعِ بينَ الزوجينِ؛ كيف يمكنُ احتواؤُه ؟

تحقيق: أمل عيد

هو يحبُّ السهر، وهي تحبُّ النوم مساءً، هو يحب أنْ ينام في ظلامٍ دامس، بينما هي تحب أنْ تنامَ في ضوءٍ خافت، وفوق ذلك كلِّه؛ ذوقُه في الطعام لا يشبِهُ ذوقَها، فهو يعشق “السمك” وهي تَكرهُه، هو يكرهُ الحلوياتِ، وهي تضعُها على قائمةٍ أولوياتها، اختلافاتٌ صغيرة وهامشيةٌ؛ قد تكون السببَ الذي يُشعِلُ فتيلَ المشاكلِ في بيت الزوجيةِ، ويفجِّر الخلافاتِ بين الزوجين.

في دراسةٍ جديدةٍ؛ اهتمّت بالأزواج ، أثبتتْ أنّ الاختلافاتِ في الطباع بين الأزواجِ؛ تُعَدُّ أحدَ الأسباب الرئيسةِ لنجاح الزواج، حيث يؤدّي التشابهُ والتماثل في الصفات الشخصيةِ والحياتية، إلى الشعور بالملَلِ والفتورِ تُجاهَ الشريكِ الآخَرِ.

هذه الدراسةُ التي أجراها الباحثون؛ شملتْ عيِّنةً من الأشخاص الذين مرَّ على زواجِهم أكثرُ من( 40 )عاماً، وهي طُرحتْ على الزوجِ والزوجة_ كلٌّ على حِده_ أسئلةٌ خاصة، دار أغلبُها حول فترةِ الزواج، بما تضمّنتْهُ علاقتُهم الزوجية من مواقفَ صعبةٍ وحزنٍ وسعادةٍ، وما إلى ذلك، وفي النهاية، أوضحتْ نتائج الدراسة أنّ معظمَ الأزواج يفضّلون الشريكَ المختلفَ عنهم في الطباعِ الشخصية، والذي تختلفُ نظرتُه إلى الحياة عمّن يشابِهُهم في الصفاتِ، لكنْ يا تُرى، هل يتفِقُ الجميعُ مع نتائجِ هذه الدراسة؟ أَمْ لعلَّ لبعضِ الناس رأياً مختلفاً؟ وكيف نضمنُ أنْ لا تتسبّبَ هذه الاختلافاتُ في إيقاع الخلافات بشكل دائمٍ بين الأزواج؟

“تهاني محمد” 34 عاماً؛ ربَّة منزل تقول :”الاختلافُ بين الأزواج أمرٌ طبيعي، في حالِ تمَّ استيعابُه وتفهُمه، ويبقى لكل زوجٍ شخصيتُه وطبعُه المختلفُ عن الآخَرِ، ففي بداية زواجنا وجدتُ بعض الاختلافاتِ بيني وبين زوجي، فهو مُتأنٍّ جدّاً في لِباسِه، فعند خروجِنا لأي زيارةٍ؛ أبقى أنتظرُه كي ينتهي! في المقابل كنتُ سريعةً في قضاء الأمورِ المتعلقةِ بالمنزل، بينما كان هو بطيئاً ومتأنياً، ومع مرور الوقتِ حاولتُ التأقلُم مع هذا الطبعِ، وتعوّدتُ على الأمر”.

وتضيفُ :”الأكل الذي أرغبُه؛ هو لا يأكلُه، فهو يعشقُ مشاهدة الرياضةِ بجنون، وأنا أكرَهُها! ولكنْ مع مرور الأيامِ، وقدومِ الأبناءِ، اختلفتْ  أشياءٌ كثيرة، وتأقلَمنا على اختلافاتِنا، لدرجةِ أنه أصبح يأكلُ ما كان يرفضُه!  والأصلُ أنني لم أحاولْ أنْ أغيِّرَ من طباعه،  فلأننا أزواجٌ؛ لا يُلغي ذلك أنَّ لكلِّ واحدٍ منا ما يحبُّ وما يكرَهُ .

اختلافٌ إيجابيّ:

لا ترى “أنصاف داود”  30عاماً ، أنّ اختلافَ الطباعِ بينها وبين زوجِها أمرٌ سيئٌ، بل هو إيجابيٌّ بالنسبة لها، موضحةً أنّ زوجَها يختلفُ عنها بعصبيّتِه الشديدةِ جدا، وهي بالمقابل هادئةٌ وباردةُ الأعصابِ فتقول :” عندما تَحدُثُ بيننا أيُّ مشكلةٍ؛ حتى لو كانت بسيطةً، تكون ردّةُ فِعلِه عنيفةً، ولكنْ بهدوئي أستطيعُ التعاملَ والسيطرة عليها، وإنهاءَ خلافِنا بهدوء “.

وتتخيلُ “أنصاف” لو أنها تتشابَهُ مع زوجها بعصبيّتِه؛ لتحوَّلَ البيتُ إلى معركة ، لذلك فالاختلافُ واردٌ عند كلِّ البشر، ولكنّ الجميل َفي استيعابِه ومحاولةِ التأقلُمِ؛ كي لا يُفسِدَ وُدَّ العلاقةِ الزوجية .

هل من الطبيعي أنّ يحدُثَ اختلافٌ في الطباع بين الأزواج؟  وهل هو أمرٌ سيئ ؟ وكيف يمكنُ احتواؤه ؟ يتحدّث في هذا السياقِ؛ أستاذُ علم الاجتماعِ في جامعةِ الأقصى؛ الدكتور “عمران عليان”:”

ويقول :” دائماً ما نسمعُ عن أنّ معظمَ مشاكلِ الزوجينُ تنحصرُ في فكرةِ الاختلافِ، وعدم الاتفاق، أو في مبادئ الحياة، أو حتى على تربية الأطفال، فقضية ارتفاع معدّل الطلاق؛ تثبِتُ للجميع أنّ إنجاحَ العلاقةِ الزوجية؛ يتطلّبُ الكثير من الجهد والعمل والتضحية والتفاهم”.

ويرى أنّ الاختلافَ في حدّ ذاتِه أمرٌ جيدٌ، وليس سيئاً، هذا في حالة إذا تم تطويعُه لصالحنا، أو يخدم سبحانه وتعالى مختلفين، علاقتنا الشخصية، خاصة العلاقة   فالاختلافُ هو أُولى  خطواتِ الاتفاق، فقد خلقنا الله  فلا يوجد شخص صمم خصيصاً من أجل الآخر، وإذا لم تتواجد صفة مختلفة، لظل المجتمع على ما هو عليه ولم يتقدم خطوة واحدة، لأن جميعنا يحمل أفكارا من الممكن أن تتلاحم مع أفكار شخص آخر، ومن الممكن أيضا أن تكون مكملة له إذا كانت مختلفة معه ، ومن هنا يكمن سر الحياة الزوجية الناجحة من خلال تقبل اختلافات الزوجين لبعضهم البعض، والمحاولة من الاستفادة القصوى من هذا الاختلاف، ليكونوا مكملين لبعض، وليسوا مختلفين عن بعضهم.

ويوضح :” أنه لا بدّ أنْ يكتشفَ أحدُ الزوجين يومياً طباعاً وصفاتٍ جديدةً في زوجِه (زوجته) فلا يجبُ على كلا الطرَفين أنْ يكونَ همُّه وشُغلُه الشاغل؛ هو تغييرُ هذه الطباعِ أو الممارساتِ والأفعالِ التي يحبُّها، وإنما يكفي على الأقلِّ في البداية أنْ يحاول كلٌّ منهما إشعارَ الآخَرِ بأنّ هذه الأشياءَ التي يحبُّها؛ لابدّ أنْ تنضبطَ بدرجةٍ معيّنة.

ويعرِض د.”عليان” بعض المفاهيم الخاطئة لدى الزوجين، والتي تُعَدُّ من أهم أسباب الاختلاف بينهما حيث يقول :” يعتقدُ بعض الرجال أنهم لكونِهم رجالاً؛ فإنه يحقُّ لهم أنْ يتدخلوا في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ في شؤون الأُسرة! وفي الوقت نفسِه لا يسمح لزوجتِه بممارسةِ دورِها الأُسري، ويعتقد أنّ زوجته لا بدّ أنْ تعطيه كلَّ شيءٍ من غيرِ نقاشٍ أو محاوَرة ، وأنه يمكنه اتخاذَ القرارِ دونَ مشورةِ زوجتِه في الحياةِ الأُسرية كلّها، ويعتقدُ أنّ الزوجةَ مُهمّتها تربيةُ الأولادِ فقط! وليس لها أنْ تتدخّلَ في أيِّ شيءٍ آخَرَ! أو أنْ تطلبَ أمراً آخَرَ.

ويتابع :” وبالمقابل تعتقدُ بعض الزوجات؛ أنه يجب معاملةُ الزوج بمِثلِ معاملتِه الزوجيةِ! أي السيئةُ بالسيئةِ، والحسنةُ بالحسنةِ ! وأنهنّ لا بد أنْ يطِعنَ أزواجَهُنّ ؛حتى وإنْ كان بذلك معصيةٌ للهِ عزَّ وجلَّ! وأنهنّ لا بد أنْ يكونَ لهنّ ولدٌ من الزوجِ، لتضمنَ بقاءَها معه”.

نصائح للأزواج:

ويقدّمُ للأزواجِ عدّة نصائح ويقول :” لو اكتشفتنَّ أنّ أزواجكنَّ يعشقون الخروجَ مع أصدقائهم، وقضاءَ الوقت معهم خارجَ المنزل وفشِلتنَّ في جعلهم يحبون المنزلَ، ويستمتعون بالبقاءِ في صُحبتِكنّ، ففي هذه الحالةِ لا يجب أنْ تطالبوهم بالتخلّي عن رغبتهم، ويكفيكُنَّ أنْ تخبروهم بضرورةِ مراعاة حقوقِ المنزلِ؛ من حيث المواعيد، ومراعاة حُرمةِ البيت ، حاولنَ قدرَ المستطاع  أنْ تحبِبنَ ما يحبُّه أزواجُكنَّ وزوجاتُكم، وهذا الأمر يحتاج منكم الكثير من الجهد، لكنه في الوقت نفسه، سيعودُ عليكم بالكثيرِ من الفوائدِ في حياتكم الزوجية”.

ويَعدُّ الأخصائي النفسي “إسماعيل أبو ركاب” أنّ اختلاف الطباع بين الناس؛ أمرٌ فِطري في شخصيهِ الإنسان، بل هو سِمة وسُنة كونيةٌ طبيعية، حيث أثبتت الدراساتُ أنّ الاختلافَ في الطباع بين الأزواج؛ يُعَدُّ أحدَ الأسبابِ الرئيسةِ لنجاحِ الزواج، حيث يؤدي التشابهُ والتماثلُ في الصفات الشخصيةِ والحياتيةِ؛ إلى الشعور بالملَلِ والفتورِ تُجاه الشريكِ،  وأوضحتْ الدارسات أيضاً أنّ معظم الأزواج يفضّلون الشريكَ المختلفَ عنهم في الطباعِ الشخصيةِ، والذي تختلفُ نظرتُه إلى الحياةِ عمّن يشابهُهم في الصفاتِ .

ويوضح :”أنّ العلاقة بين الأزواج تتلخصُ في كلماتِ الحبِّ والمشاعرِ الجميلةِ والخيالِ، ووضعِ أفضل ملامحِ الشخصيةِ علي طبقٍ من ذهبٍ أمامَ الطرَفِ الآخَرِ، ولكنْ بعد مرورِ وقتِ الزواجِ، واكتشافِ واقع الحياةِ بمفرداتِها الحقيقةِ؛ يصطدمُ الزوجان باختلافِ طباعهِما، وظهورِ سِماتٍ في الشخصيةِ؛ لم تَظهرْ قبل ذلك، وهو ما يسبِّبُ الصدامَ بينهما، والغرقَ في الخلافاتِ التي قد تصلُ في بعض الأحيانِ إلى الانفصالِ، فالاختلافُ هو الأساسُ في الطباعِ الإنسانيةِ! ويجبُ أنْ يقتنعَ به كلُّ مَن يُقدِمُ على خطوةِ الزواجِ، وفي ذلك جزءٌ كبيرٌ من المشكلةِ سيُحَلُّ “.

أسبابُ الاختلافِ:

ويتحدث عن أسباب هذا الاختلاف قائلاً:” إنّ منشأ الخلافِ بين الزوجين؛ يرجعُ إلى أسباب متنوعةٍ: منها  ما يتعلّق بالطبيعةِ البشريةِ لكلٍّ من الزوجينِ؛ حيث أنّ معظمُ حالاتِ الخصام اليومي بين الزوجين؛ ترجعُ إلى الصفات النوعيةِ “الخُلُقِية” التي طُبعَ عليها كلٌّ منهما، فالمرء في بيته يتعرّى من المجاملةِ والتصنُّع التي قد يلاقي بها الآخرينَ، فهناك بعضُ الصفات المرتبطةِ  بطبيعة الشخصيةِ عند أحد الزوجين منها (الغضب واللامبالاة و بذاءة اللسان و الكسل) كلُّ ذلك في طبيعةِ الشخصيةِ؛ يمكنُ أنْ تُظهِرَ فصولاً من الخصامِ والشجارِ اليومي، كلما تصادمتْ تلك الطباعُ المتباينة “.

ويتابع :” ومنها ما يتصلُ بمؤثراتٍ اجتماعيةٍ؛ حيث تتأثر العلاقة الزوجية بالوسطِ المحيط ِ(سلباً أو إيجاباً) فقد يقع احتكاكٌ بين أحد الزوجين ووالدِ الآخَر أو والدتِه، أو بعضِ إخوانِه أو أخواتِه، فينحِيَ باللائمةِ _من حيثُ يشعرُ أو لا يشعرُ_ على شريكِ حياته، ويُفرِغُ فيه فَورةَ غضبِه ، فتنشأ خلافاتٌ لم تنبعْ من ذاتَيهِما، وتكثرُ الأطرف ، والقيلُ والقالُ، وتتعقدُ المشكلة ، ومنها ما يرجعُ إلى الجهلِ بأحكام الشريعةِ، والفهمِ الخاطئ للحقوقِ والواجبات .
ويضيف :” هناك أسبابٌ سلوكيةٌ؛ حيث يكتشفُ أحد الزوجين بعد فترة من الزواجِ؛ بعض الممارساتِ والسلوكياتِ المنحرِفةِ، ورُبما  طرأ ذلك على أحدِهما بعد سنينَ من العِشرةٍ الحسنةِ، وحينئذٍ  تهتزُّ العلاقةُ الزوجية، وتعصف بها رياحُ الخلافِ، وقد تقتلعُها! ومن أمثلةِ ذلك من جانب الزوج : التدخينُ، وربما تعاطي المخدِّر، أو مشاهدة المواقع الإباحية في الإنترنت، أو التساهل في الصلاة، وغيرِها الكثير “.

ويذكر  كلٌّ من الأخصائي النفسي أ.”أبو ركاب”  ودكتورُ علمِ الاجتماع د. “عليان” بعضَ الحلول لخلافات الأزواج :
على الزوجين وضْع مجموعةٍ من القواعدِ الثابتةِ داخل المنزل، حتى يلتزمَ الطرَفان بها، و يجب على كلِّ طرَفٍ أنْ يحدِّدَ مع شريكِه كيفيةَ إدارة حياتِهما، وتجنّب التركيز على مساوئ الطرَف الآخَرِ بشكلٍ مبالَغ فيه ، والتأقلّم مع الخلافِ و يجبُ على كلِّ طرَفٍ أنْ يكونَ على استعدادٍ لتقديمِ بعض التنازلاتِ؛حتى يتمكَّنا من الوصولِ إلى حلٍّ يُرضي جميعَ الأطراف، هناك قاعدةٌ ذهبيةٌ يتَّبِعُها أصحابُ الزواج الناجحِ؛ وهي عدم الذهابِ إلى الفراشِ دون تصفيةِ الخلافِ، حتى وإنْ كان هذا يعني البقاءَ مستيقظينَ حتى وقتٍ متأخّرٍ للوصولِ إلى حلٍّ وسط “.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيف تتخلص من التوتر ؟

تعريف التوتر وعلاماته: لا شك وأننا سمعنا مراراً وتكراراً عن التوتر والقلق والضغط النفسي الذي ...