الرئيسية » أسرتي » آباء و أمهات » ذئاب بشرية تقتل براءة الطفولة و تستغل غفلة الوالدَين

ذئاب بشرية تقتل براءة الطفولة و تستغل غفلة الوالدَين

تحقيق : أمينة زيارة

هم أطفالٌ في ربيعِ العمر، لا يفقهونَ شيئاً في الحياة، ولا يفكّرونَ إلاّ في شيئينِ: “الَّلعب والحلوى” تَلمسُ البراءةَ في كلّ سَكناتِهم وحركاتِهم، ينطلقونَ بحريةٍ كالحمائمِ البيضاءِ دونَ قيود، ورغمَ كلِّ هذا؛ فهناك أيادٍ خبيثةٌ، ونفوسٌ دنيئةٌ، وذئابٌ بشريةٌ تستغلُّ غفلةَ الوالدَين، وتنتهكُ تلك البراءةِ، وتعتدي على أجسادِ ومشاعرِ أولئكَ الأطفالِ، دونَ أنْ تهتزَّ منهم شَعرةٌ، أو حتى يشعروا بتأنيبِ الضميرِ، لأنهم باعوا دينَهم وضميرَهم للشيطانِ .

“السعادة” طرحتْ قضيةَ فيروس التحرّشِ الجنسي بالأطفالِ؛ من باب التوعيةِ والتثقيفِ، وليس للإخلالِ بالنظامِ الاجتماعي، فقطاعُ غزةَ قد تسلَّلَ إليه بعضُ الفيروساتِ الخطيرةِ؛ التي تحتاجُ إلى وقفةٍ جادةٍ من الوالدَينِ والمسئولينِ وأصحابِ القرارِ؛ لمحاربتِها وانتزاعِها من جذورِها.

تحرُّشٌ وابتزازٌ

لاقتْ “السعادة” رفضَ الأهالي الشديدَ؛ للتعرّضِ لهذه القضيةِ الحساسةِ، التي يجدُ البعضُ بأنها ليست ظاهرةً مستشريةً في المجتمعِ، وعندما تأكَّدَ لهم أهدافَها في التوعيةِ والتثقيفِ واستخلاصِ العظاتِ؛ بدأتْ تتوالَى اعترافاتُ بعضِ الأهالي، والتي كانت تموتُ مع المن لخوفِهم من الفضيحةِ، أو التستُرِ على الذئبِ البشري، فها هي ه الطفلة “ه.ع” في الصفِّ السابعِ تنطوي على نفسِها في مَدرستِها، وعلاقتِها بزميلاتِها، وتدَنِّي مستواها التعليمي، الذي بات واضحاً للمُدرّسات، حتى سارعتْ المرشدةُ النفسيةُ لاحتضانِ الطالبةِ واستيعابِها، وسماعِ شكواها، والتي فجعتْ الأخيرة بتعرُّضِ الطفلةِ لتحرُّشٍ جنسيٍّ دائمٍ من والدِها، لنظراً لغيابِ والدتِها قَسراً عن البيتِ، بسببِ مشاكلِ الزوجِ التي لا تنتهي، بسببِ تعاطيهِ لبعضِ الموادِ المخدِّرةِ، وعلاقاتِه المشبوهةِ.

أمّا والدةُ الطفل “إ.م” ابنِ التاسعةِ من عمرِه، فقد اعترفتْ “للسعادة” بتعرُّضِ “بِكرها” لتحرُّشٍ جنسيٍّ موضّحةً: بعدَ إلحاحٍ شديدٍ كي يذهبَ لمحلِّ البقالةِ على “ناصية الشارع” ليشتريَ نوعاً من التوابلِ التي أحتاجُها لإنجازِ “طبخة اليوم”، لكنه يصِرُّ على عدمِ الذهابِ؛ مصاحِباً ذلك بالبكاءِ المريرِ الذي لم ألتفتْ لأسبابِه، فقد برّرتُ ذلك لعدمِ توقّفِ متابعتِه لأحدِ برامجِ الأطفال، لكنّ استمرارَ هذا الرفضِ، والمكوثَ المتكرّرَ في البيتِ؛ جعل لديَّ العديدَ من الأسئلةِ؛ تحتاجُ لإجاباتٍ: لماذا لا يذهبُ للشارعِ، ويلعبُ مع أبناءِ الجيران؟ وكذلك استبدالُه لملابسِه بعيداً عن أنظارِ إخوانِه، إلى جانبِ بكائه الشديدِ عندما يُطلبُ منه الذهابُ للبقّالة، حاولتُ مع والدِه جادِّينَ لاسترضائه وترغيبِه بالحلوياتِ والألعابِ؛ كي نجدَ إجاباتٍ للأسئلةِ التي تدورُ في عقلِنا، وتستدرك: في كلّ مرّة تزدادُ نوبةُ بكائه، وبعدَ ليالٍ عِشناها في خوفٍ وقلقٍ؛ اتّفقنا على زيادةِ جرعاتِ الحبِّ والتودُّدِ؛ حتى فاجأنا بتعرُّضِه لتحرُّشٍ جنسي من البقالِ، والضغطِ عليه لخلعِ بعضٍ من ملابسِه، وملامسةِ جسدِه، ولكنْ هل تمَّ محاسبةُ البائع؟ ردّتْ بحسرةٍ: خِفنا من الفضيحةِ، وإنكارِ البائعِ لهذا الأمرِ، فالتزمنا الصمتَ، وعدمَ الشراءِ من هذه البقّالة!

وتشتركُ قصةُ الطفلة “ب.ر” مع سابقتِها في التكتُمِ على خبرِ التعرّضِ للتحرّشِ، ومواجهةِ القائمِ بالفعلةِ، خاصةً أنّ المجرمَ كان “العم” فقالتْ الأمُّ بانكسارٍ: لأننا نعيشُ في عائلةٍ ممتدّة “بيت من ثلاثةِ طوابق” تسكنُ أمُّ الزوجِ وأبوه وشقيقُه الصغيرُ في الطابقِ الأولِ، وسلفي وزوجتُه في الثاني، وأنا في الثالثِ، ولأننا موظَّفان؛ كنتُ أتركُ ابنتي التي لا تتجاوزُ الأربعةَ أعوامٍ عند جدّتِها، والطفلَ ابنَ الشهورِ في حضانةٍ قريبةٍ من عملي، ولم أعلمْ بأنّ العمَّ كان يستغِلُّ انشغالَ والدتِه عن البنتِ، ويقومُ هو بالتحرّشِ بها؛ من خلالِ خلعِ ملابسِها الداخليةِ، ولقُربِ الطفلةِ من عمِّها؛ كانت تشعرُ بأنها مداعبةٌ عادية، حتى انكشفَ لدَينا الأمرُ؛ عندما اعترفتْ الطفلةُ ببراءةٍ، وقتَما فقدتْ إحدى قطعِ ملابسِها، فقالتْ: عمّي خلعَ عني الملابسَ، وفعلَ وفعل.. وهي تضحكُ، وتكملُ بدموعٍ غزيرة: لم أتوقعْ أنْ تصلَ به الدناءَةُ إلى النظرِ إلى مَحارمِه، وابتزازِ طفلةٍ صغيرةٍ جنسياً، وقالت: بسببِ إلحاحِ والدةِ زوجي لم نفضحْهُ، ونعلنُ ما تعرّضتْ له الطفلةُ من عمِّها، وأصبح الأمرُ طيَّ الكِتمانِ.

وباءٌ اجتماعي

التحرشُ الجنسي بالأطفالِ؛ وباءٌ اجتماعي، وفيروسٌ طارئ، وليس ظاهرةً يمكنُ تعميمُها على المجتمعِ الفلسطيني” بهذه العبارةِ استهلّتْ الأخصائيةُ النفسيةُ والتربويةُ “إيمان زيارة” حديثَها، معرِّفةً التحرشَ الجنسيّ على أنه كلُّ إثارةٍ يتعرضُ لها الطفلُ، ويكونُ عادةً بين شخصينِ غيرِ متكافئينِ في العمر والميولِ، حيثُ يتعرضُ الطفلُ للاعتداءِ من شخصٍ؛ بغرضِ إشباعِ رغباتِه الجنسيةِ، ويكونُ الطفلُ في حالةِ عدمِ قدرةٍ على الدفاعِ عن نفسِه، ما يصيبُه بحالةٍ من الرعبِ والفزعِ، وهنا الطفلُ يصابُ بالخجلِ من التعبيرِ والإفصاحِ لوالدَيه عمّا جرى؛ خوفاً من إلقاءِ اللومِ عليه وتأنيبِه! ما يجعلُ المشكلةَ تزدادُ تعقيداً، وتشيرُ إلى أنّ الطفلَ يتعرّضُ للتحرشِ في سنِّ الثانيةِ من العمرِ، يمكنُ أنْ يقعَ في براثنِ التحرّش، ويواجِهُ هذا الخطرَ في كلّ وقتٍ، تغيبُ عنه رقابةُ الوالدَين، وهذه الحقيقةُ أثبتتْها الحالاتُ الحقيقيةُ للأطفالِ الذين تعرّضوا للتحرّش.

وأرجعتْ “زيارة” أسبابَ التحرشِ الجنسي؛ إلى غيابِ الوازعِ الديني، وضعفِ الإيمانِ والخوفِ من اللهِ، والارتماءِ بحِضنِ الشيطانِ وفواحشِه، وعدمِ بناءِ جسورِ التواصلِ بين الطفلِ ووالدَيه، وتدنّي مستوى المعيشةِ المالي، ما يمنعُ الكثيرَ من الشبانِ من الزواجِ؛ لعدمِ امتلاكِهم القدرةَ الماليةَ، مع ارتفاعِ المهورِ والتكاليفِ، ويتجهونَ لعدّةِ جهاتٍ لتلبيةِ رغباتِهم الجنسيةِ، ومن ضِمنِ تلك الجهاتِ؛ التعرّضُ للأطفالِ والتحرُّش بهم.

وتقول: للتطورِ الإعلامي والتكنولوجي دورٌ كبيرٌ، فقد وفّرَ للإنسان مصادرَ متنوعةً للفسادِ والإطلاعِ على الأفلامِ الإباحيةِ، عبرَ الفضائياتِ والانترنت، وتلك المصادرُ تَشحنُ المشاعرَ الجنسيةَ لدى متابعيها بقوةٍ، وتدفعُهم لارتكابِ الفواحشِ، واستيرادِ عاداتٍ وتقاليدَ وأخلاقياتٍ سيئةٍ من المجتمعاتِ الأوربيةِ، والثقةُ الزائدةُ بالأقرباءِ والأهلِ من المحارمِ، وتأمينُهم بشكلٍ مفرطٍ على الأولاد، بالإضافةِ إلى إهمالِ الأهلِ للتربيةِ الجنسيةِ للطفلِ، وهي من أقوَى مسبّباتِ التحرُّشِ، فالطفلُ المتحرَّشُ به؛ لا يعرفُ  هذا الأمرَ، ولا يدركُ خطورتَه، ويعدُّه أمراً عادياً، ولا يُبدي أيَّ ردّةِ فعلٍ أو مقاومةٍ.

ولخّصتْ الآثارَ النفسيةَ المترتبةَ على التحرشِ في: الانطواءِ والانكفاءِ على الذات، والتغييرِ في السلوكياتِ، ورفضِ المشاعرِ الأبويةِ، وعدمِ الارتياحِ، إلى جانبِ مشاكلِ النومِ، وما تصاحبُه من الأحلامِ المزعجةِ، والتبوّلِ أثناء النومِ، وكثرةِ الخوفِ، والقلقِ والتعلقِ بالوالدين، والتأخُرِ الدراسي، والحزنِ والبكاءِ الشديدَين، وطالبتْ الوالدَين بضرورةِ متابعةِ الأبناءِ في حالِ طرأ على حياتِهم العاديةِ أيُّ جديدٍ.

وتستعرضُ طرُقَ وقايةِ الأطفالِ من التحرشِ قائلة: الوقايةُ خيرٌ من قنطارِ علاجٍ، لذا يجبُ وقايةُ الطفلِ من هذه الفواحشِ، من خلالِ تربيتِهم تربيةً سليمةً، وعدمِ زرعِ الخوفِ في قلوبِهم من الأهلِ، وتعويدِهم على المصارحةِ التامةِ مع الأهلِ، والتعاملِ بعقلٍ مع أيّ مصارحةٍ؛ لأنّ ردّةَ الفعلِ العنيفةَ من الأهلِ، والعقابَ أو التوعُّدَ به؛ قد يدفعُ الأطفالَ لكتمانِ الأمورِ عن الأهلِ مستقبلاً، وأكملت: يجبُ توعيةُ الأطفالِ جنسياً، وتقويةُ شخصيتِهم، وزرعُ الثقةِ بالنفسِ، وتوعيةُ الأبناءِ بعدمِ الاقترابِ من الغرباءِ أو تصديقِهم، وعدمُ الثقةِ بالأقاربِ والمحارمِ لدرجةٍ كبيرةٍ، بل يجبُ التعاملُ معهم بحذرٍ، وعدمُ تأمينِهم على الأطفالِ، والمراقبةُ التامةُ للأبناءِ وعدمُ إهمالِهم، والتثقيفُ الصحيحُ في جوٍّ من الصداقةِ بين الطفلِ ووالدَيه، وغرسُ الوازعِ الديني لدَى الطفلِ في كافةِ تصرّفاتِه، وبيّنت: يخطئُ بعضُ الأهالي في التعاطي مع التحرّشِ بسلبيةٍ؛ خوفاً من الفضيحةِ، ولكنْ لجوء بعضِ الأهلِ إلى كتمانِ أمرِ التحرّشِ الجنسيّ بأولادِهم، تذرُّعاً بعدمِ الرغبةِ في فضحِ الأمرِ، أو نزولاً عند ضغطِ العاداتِ والتقاليدِ، هذا يجعلُ الطفلَ عرضةً للتحرشِ مرةً ثانيةً وثالثةً، ويعطي الجاني جرعةَ دعمٍ وتقويةٍ لتكرارِ الأمرِ مع أطفالٍ آخَرين.

الوقايةُ وحمايةُ الأعراضِ

وبدورِه قالَ الداعيةُ “عبد الله يوسف عوض” من محافظةِ خان يونس : جاء الإسلامُ بتعاليمَ ساميةٍ علّمتْ الإنسانَ احترامَ أخيهِ الإنسانِ، وعدمَ التعدّي على حرمةِ الآخَرِ، وجعلَ من مقاصدِه الكبرى حفظَ العِرض، وسدّتْ الشريعةُ جميعَ الذرائعِ والطرُقِ الموصلةِ إلى هتكِ الأعراضِ، بالأمرِ بالحجابِ وغضِّ البصرِ، وتحريمِ الخلوةِ بالأجنبيةِ، وغيرِ ذلك، وأضاف: حرّمَ اللهُ سبحانه الأعراضَ، كما حرّمَ الدماءَ والأموالَ، لذا كان من الأجدرِ بالمجتمعِ إدراكُ خطورةِ هذه الظاهرةِ، ووضعُ العلاجِ المناسب، وأشار الداعيةُ “عوض” إلى إعجازِ التشريعِ الإسلامي في محاربةِ الزنا والتحرّشِ الجنسي قائلاً: القانون الرّباني ينظرُ للمشكلةِ بنظرةٍ شاملة, فكان له مع حمايةِ الأعراضِ شأنٌ آخَرُ، يقومُ على فَهمِ طبيعةِ واحتياجاتِ النفسِ البشريةِ, وقال تعالي {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }آل عمران14, والشهوةُ في ذاتِها ليست خطأ، بل هي جِبلّةٌ في الإنسانِ, ولكنّ حُبَّ الشهوةِ وتزيينَها للعقلِ هو الخطأ, وليس أعظمَ في تزيينِها وتأجيجِها في النفوسِ من الاختلاطِ؛ الذي يحرّكُ الشهواتِ الكامنة، لذا نجدُ أنّ الإسلامَ تَعاملَ مع هذه المشكلةِ بالترهيبِ من العقوبةِ المشدّدة, وبالوقايةِ من خلال التربيةِ الإسلامية الصحيحةِ، التي تُقنِّنُ الشهوةَ ولا تكبِتُها, فتشجِّعُ على الزواجِ، وتمنعُ العلاقاتِ الجنسيةِ غيرِ المشروعةِ، وما يؤدّي إليها.

وأضاف: بدأ الإسلامُ بفرضِ العقوباتِ المشدَّدةِ؛ لمنعِ الزنا والتحرّشاتِ الجنسية, فمن اللافتِ للنظرِ أنّ سورةَ النورِ في حربِها على الفاحشةِ؛ لم تبدأ ببيانِ فضلِ العفافِ، وذِكرِ محاسنِه، والتنفيرِ من ضدّه، بل ولم تخوّفْ الزاني بعقابِ الآخِرة، ولكنْ بدأتْ ببيانِ عقوباتِ الزناةِ وخوضِ الألسنةِ في أعراضِ المحصناتِ، والذين يحبونَ إشاعةَ الفاحشةِ في الذين آمنوا, فقال تعالي في عقوبة الزناة “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كل واحد منهما مائة جلدة”، مع المبالغة في التنكيل بهم “وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ”, والتشهير بهم “وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ”, ومنعهم من زواج أهل العفة “الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ”, وزاد: جعلَ اللهُ حدَّ الحرابةِ لمعاقبةِ كلّ مَن سوّلتْ له نفسُه سفكَ الدماءِ، وسلْبَ الأموالِ، وهتكَ الأعراضِ، وإهلاكَ الحرثِ والنسلِ, والتحرّشُ بالنساءِ يتضمّنُ إفساداً في الأرض، بحُسبانه متضمناً قطعَ الطريقِ على المتحرَّشِ بها، أو إلجاءَها إلى الطريقِ الضيقةِ، بُغيةَ النيلِ منها، أو سماعَها ما تَكرهُ، أو إجبارَها على الرضوخِ له بطريقةٍ أو أخرى، وقد يتضمنُ إخافتَها أو إرعابَها لتحقيقِ مقصودِه، وذلك يكوِّن جريمةَ حرابةٍ متكاملةَ الأركانِ.

وعرجَ على الوقايةِ من الوقوعِ في هذه الفاحشةِ، وذلك من خلال تربيةِ النفوسِ على العِفّةِ وإشاعةِ نورِ العفّةِ بين الناسِ؛ لكي تحولَ بينَهم وبين الوقوعِ في الشهواتِ والعقوباتِ, وحثّ على سترِ المرأةِ لزينتِها؛ حتى لا يُفتَنَ بها الرجالُ {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}النور31, وفي مقابلِ كفِّ النفسِ عن إشباعِ الغريزةِ الجنسيةِ بالحرامِ, وشجّع المولَى “تبارك وتعالى” على تيسيرِ الزواجِ الحلالِ؛ حتى لا يَحدثَ كبتٌ نفسي قد يؤدّي إلى انفجارٍ غيرِ محسوب، وتعلُّم أحكامِ سترِ العورةِ، وآدابِ التعاملِ في السكنِ والنومِ والخلوةِ، وقد يكونُ عدمُ التزامِ بعضِ الأُسرِ بهذه الآدابِ الشرعيةِ سبباً في حدوثِ الكثيرِ من حالاتِ التحرُّشِ.

جنايةٌ عقوبتُها خَمسُ سنواتٍ

أمّا الناشطةُ الحقوقيةُ “آية المغربي” فتُعرِّف التحرّشَ وِفقاً لمنظّماتِ حقوقِ الإنسانِ، والمنظماتِ الأهليةِ؛ على أنه “عبارةٌ عن القيامِ بتوجيهِ أيّ نوعٍ من الكلماتِ غيرِ المُرحَبِ بها، أو القيامِ بأفعالٍ لها طبيعةٌ أو إيحاءٌ جنسيٌّ مباشرٌ أو غيرُ مباشرٍ، وتَنتهكُ السمعَ أو البصرَ أو الجسدَ، وتنتهكُ خصوصيةَ فردٍ أو مشاعرَه، وتَجعلُه لا يشعرُ بالارتياحِ، أو بالتهديدِ أو عدمِ الإحساسِ بالأمانِ والخوفِ”.

موضحةً: هذا التعريفُ يشملُ بشكلٍ عامٍ كلَّ أنواعِ التحرّشِ؛ حتى اللفظيِّ منه، مع أنّ العالقَ بأذهانِ العامةِ أنّ التحرّشَ يقتصرُ دوماً على الجانبِ الماديّ والجنسيّ فقط، وحولَ رأيِّ القانونِ الفلسطينيّ في فيروسِ التحرُّشِ تقولُ: وِفقاً لقانونِ العقوباتِ الفلسطينيّ رقم (74 )لسنةِ (1936) الساري المفعولِ في قطاعِ غزةَ، بنصِّ المادَتينِ ( 157) و (158) حيثُ تحدّثتْ عن الأفعالِ المنافيةِ للحياءِ، مؤكِّدةً على أنّ القانونَ الفلسطينيّ فرضَ عقوبةً لمن يقومُ بالتحرّشِ،  ويهتكُ عِرضَ أحدِهم بالقوةِ، أو التهديدِ؛ حُكماً بالحبسِ مدّةَ خمسِ سنواتٍ، وبذلك عدَّها ظرفاً مشدّداً ترتقي لجنايةٍ, أمّا إنِ ارتكبَ نفسَ الفعلِ بدونِ استعمالٍ للقوةِ والتهديدِ؛ فيُعاقَبُ مدّةَ سنتَين، مع ملاحظةِ أنه إذا كان سِنُّ المَجني عليه دونَ (16) سنةً؛ تصبحُ العقوبةُ الحبسَ مدّةَ ثلاثِ سنواتٍ حسبَ المادةِ (159)

وتزيدُ: نصُّ المادةِ( 157) يبيّنُ أنّ “كلَّ من ارتكبَ فعلاً منافياً للحياءِ، أو حاولَ ارتكابَ مِثلِ هذا الفعلِ مع شخصٍ آخَرَ_ بغيرِ رضاهُ_ وباستعمالِ القوةِ أو التهديدِ، أو فعلَ ذلك والمَجني عليه فاقدُ الشعورِ، أو في حالةٍ أخرى تجعلُه عاجزاً عن المقاومةِ، وكذلك كلُّ من أكرَه شخصاً آخَرَ بالقوةِ أو التهديدِ؛ على أنْ يرتكبَ فعلاً منافياً للحياءِ، أو على أنْ يستسلمَ لمِثلِ هذا الفعلِ، يعدُّ أنه ارتكبَ جنايةً، ويعاقَبُ بالحبسِ مدّةَ خمسِ سنواتٍ” ، أمّا مشروعُ قانونِ العقوباتِ الفلسطينيّ، والمنتظَرُ إقرارُه من قِبلِ المجلسِ التشريعي، بنصِّ المادةِ (263) فقرة (1) عرّفْ هتكَ العِرضِ بأنه “تَعمُّد الجاني المساسَ بعورةٍ من جسمِ المجني عليه، مما يخدِشُ عاطفةَ الحياءِ عنده”، مضيفةً: تَعاملَ القانونُ الجديدُ بصرامةٍ أكثرَ؛ عندما شدّدَ من العقوبةِ، وفرضَ عقوبةً لكلِّ شخصٍ يقومُ باستعمالِ القوةِ أو التهديدِ والخداعِ، أو يستغلُّ الحالةَ الجسديةَ والعقليةَ أو النفسيةَ للمَجني عليهِ، أو إنْ كان المجني عليهِ لم يُتِمّ خمسَ عشرةَ سنةً من عمُرِه،فإنه يعاقَبُ بالسَّجنِ مدَّةً لا تزيدُ عن سبعِ سنواتٍ، وِفقَ نصِّ المادةِ الثانيةِ من نفسِ الفقرةِ, بينما يعاقبُ بمدةٍ لا تزيدُ عن خمسِ سنواتٍ؛ بحالِ إنْ لم يَستخدمْ الوسائلَ السابقةَ، أو كان المجني عليه قد أتمَّ خمسَ عشرةَ سنةً من عمُرِه، ولم يَبلغْ ثمانيَ عشرةَ سنةً كاملةً.

والجديرُ بالذِّكرِ أنّ المُشرّعَ الفلسطينيّ شدّدَ عقوبةَ السَّجنِ لمدّةٍ لا تزيدُ على عشرِ سنواتٍ؛ إذا كان الفاعلُ من أصولِ المجني عليه، أو من المتولِّينَ تربيتَها أو ملاحظتَها، أو ممن لهم سُلطةٌ فعليةٌ عليها، أو كان مستخدَماً عندها، وذلك من بابِ الرّدْعِ.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إذا أحبَبْتِ زوجَك .. فلا تُغيِّريهِ !!

بقلم : كريم الشاذلي أختٌ كريمةٌ أرسلتْ لي على “الإيميل” تشكو من أنَّ زوجَها يؤلِمُها ...