الرئيسية » كتاب الثريا » الأسرى وقيادة الكفاح الوطني
د. نهاد الشيخ خليل

الأسرى وقيادة الكفاح الوطني

د. نهاد الشيخ خليل

بقلم : د. نهاد الشيخ خليل

كاتب ومحلل سياسي-رئيس قسم التاريخ في الجامعة الإسلامية

ابتداءً، نتوجه للأسرى بأعطر التحيات في ذكرى يوم الأسير، وفِي كلِّ يوم، وندعو لهم بالثبات والفرج القريب إن شاء الله، ونسأله عزّ وجلّ أن يُلهم أهلهم الصبر والأجر.

يمكنُ أن نُسطِّرَ الكثير من المقالاتِ في الحديثِ عن مُعاناة الأسْرَى، وتضحياتِهم، وبطولاتِهم، وتوجيه التَّحِية لَهم، وهم يستحقُّون أكثر من ذلك بكثير، لكنني في هذا المقال سأحاول أن أبحث عن دور كفاحي جديد للأسرى، وأقصد بذلك ما ورد في عنوان المقال، وهو (قيادة الكفاح الوطني).

وبكلِّ تأكِيد فإن قيادة الكِفاح الوَطَني لا تَعني أن يُصبح الأسْرَى قادة في أحزابِهم وفصائِلهم، وإنما أقصد بها أن يُدشِّن الأسرى مرحلة جديدة من الكفاح الوطني ضد الاحتلال؛ بهدف اقتلاعه، وتحقيق التحرر الكامل للإنسان والأرض.

هل يجوز لنا أن نطالب الأسرى بمثل هذا الطلب الكبير والصعب؟ بالتأكيد، ليس من حقنا أن نطالبهم بشئ، فنحن المطالبون بأن نفعل لهم كل ما نستطيع، لقد قدموا الكثير، وعانوا بما فيه الكفاية، لكننا هنا نُعمل العقل، ونبحث عن أفكار يمكن أن تُطلق مرحلة جديدة من الكفاح الفلسطيني.

لقد تحدث بعض المثقفين، وقوى المقاومة عن إطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة، لكنها لم تحدث، ويُنظِّر البعض الآخر للمقاومة الشعبية كأسلوب بديل ومقبول ومؤثر في الظروف الدولية الراهنة، لكن هذا النوع من المقاومة لا زال مكبوحاً من قوى تتحدث عنه قولاً ولا تريده فعلاً، أو ربما غير مقنع لقوى أخرى، لا ترفضه، ولكنها لا تفعل الكثير لتعبئة الناس وتدريبهم على أفكاره ومهاراته وأساليبه.

ويتعلل الكثيرون بأن الانقسام، يُحبط كل فكرة، ويُجهض كل محاولة لإطلاق مرحلة كفاح جديدة بسبب الشكوك المتبادلة بين حركتي فتح وحماس، وكذلك لأن كل الدول والجهات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني تنصح فريق التسوية وفريق المقاومة بضرورة التوحد أولاً.

وإزاء هذه الحالة، ما الذي يمكن عمله؟ في مثل هذه الحالات التي تتعسّر فيها ولادة الأفكار الجديدة، والخيارات البديلة، لا بد من الاستعانة بالرموز الثقيلة، التي تستطيع أن تحرك الهمم، وتجلب التضامن، وتُثَوِّر الجماهير، وتلهمُ الشباب، وتزيلُ كل عوامِل الكَبح والإعَاقة التي يضعُها البعض في طريقِ أي فكرةِ ثورية أو استنهاضية.

في مقالاتٍ سابقة قبلَ أكثر من عامٍ، تحدثْتُ عن القُدس، وإمكانية جعلها بؤْرة يتركزُ حولها الكفاح الفلسطيني، واليوم أتحدث عن الأسرى، وأقول بإمكانهم أن يُدشّنوا مرحلة جديدة من الكفاح الفلسطيني، وأعود هنا وأكرر، ليس من حقنا أن نطالب الأسرى بشئ، لكن إن اختاروا هم لعب دور كبير ومؤثر في مجرى الكفاح الفلسطيني، فبإمكانهم أن يؤثروا كثيراً بدءاً من خطوتهم الحالية (الإضراب)، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: لا زالَ الأسْرى يتمتعون بمكانةٍ كبيرةٍ في نفوسِ أبناء الشعب الفلسطيني، وهذا سيجعلُ الناس تتحركُ وتضغطُ بشكلٍ كبيرٍ باتجاهٍ اتخاذ مواقف فعالة تجاه قضيتهم.

ثانياً: للأسرى أبناء وأمهات وزوجات وآباء وأصدقاء وأقارب، وسيشكل هؤلاء خلايا عمل ناشطة، حتى لو تقاعست بعض القوى السياسية.

ثالثاً: إضرابُ الأسرى سيُحرَّكُ نضالاً جماعياً مشتركاً بين الأراضي المحتلة عام 1948، والأراضي المحتلة عام 1967، لأنَّ الأسرى من كلِّ هذه المناطق.

رابعاً: في ظلِّ ارتفاع أصوات الأسرى، وتعالي صيحات التضامن معهم في الداخل والخارج ستتولدُ أجواء جديدة مناصرة للمقاومة، ورافضة للاحتلال، وستنحاز أغلب جماهير الشعب الفلسطيني للمقاومة، وسينخفض صوت المُخذِّلين والمثبطين.

خامساً: يمكنُ القول أنَّ الأسرى، خاصة عندما يخوضُون الإضْراب، فهم قوة غير قابِلة للخضوعِ للضغطِ من أيِّ طرفٍ كان، ولهذا فإنهم سيواصلون خطواتهم، وإن تم قطع المخصصات المالية التي تتسلمها عائلاتهم، فإن من يتجرّأ على فعل هذا الأمر سيخسر كثيراً، وحتماً ستتوفرُ بدائل للأسرى في ظل ثورتهم وبطولتهم.
وفي الختام، لا بد من القيامِ بأوسعِ حملات التضامن والضغط من أجل إنجاح مسعى الأسرى في تحسينِ شروط وظروف اعتقالهم، وإن رغِب الأسْرى في لعبْ دور كفاحي جديد، فسيكتبون في سجلهم صفحة فخر وبطولة عزّ نظيرها.

عن د. نهاد الشيخ خليل

كاتب و محلل فلسطيني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التواصُلُ الاجتماعيُّ مرّةً أُخرى

بقلم : مهيب أبو القمبز نِسبةُ الشبابِ الفلسطينيّ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ الإلكترونيةِ كبيرةٌ.. هذا ...