الرئيسية » حوارات » من دفترِ التعبيرِ إلى المجموعةِ القصصيةِ الأولى

من دفترِ التعبيرِ إلى المجموعةِ القصصيةِ الأولى

أنا “رشا فرحات” هكذا أُعرَف، وُلدتُ حيثُ أحلامُ الطفولةِ؛ التي لا أذكُرُ غيرَها، في مدينةِ “رفح” مَسقطِ رأسي، ورحلتُ بعدَ ذلك إلى “السعودية” وأكملتُ حياتي هناك، لكني ما زِلتُ لا أملِكُ من ذكرياتي إلا تلك التي عِشتُها في “رفحَ” قبلَ الرحيلِ، وتلك التي اختلستُها في عطلاتِ الصيفِ؛ في مدينةِ “رفح” أيضاً.

أكملتُ دراستي الثانويةَ في السعودية، ولا أذكُرُ مُطلقاً أني كنتُ من الفتياتِ المتفوّقاتِ، كنتُ طالبةً عاديةً، في كلامي، في موهِبتي، في مستوايَ الدراسي، وفي كلِّ شيء، وهذا الذي جعلَ من النجاحِ أمراً متسلِّلاً خافياً، وانفجرَ في وجهي فجأةً! ودونَ تمهيداتٍ، ورُبما صنعتْهُ التجرِبةُ التي عشتُها لاحقاً في غزة.

امتلكتُ منذُ صِغري موهبةَ الكتابة، وأعتقدُ أنها بدأتْ في الصفِّ الرابعِ الابتدائي، حينما طلبتْ مِنا المعلّمةُ كتابةَ موضوعِ تعبيرٍ، فتأخّرْتُ في الكتابةِ، أو بالأَحرى لم يَرِدْ في خاطري أيُّ شيءٍ يمكنُ أنْ يكونَ موضوعاً، فحصلتُ على علامةٍ ضعيفةٍ، وفي الشهرِ الذي يليهِ؛ أشرفَ “أبي” على موضوعي، وكان لكلماتِه بالغَ التأثيرِ في داخلي، وحصلَ موضوعي على أعلَى علامةٍ في الصف! بل طلبتْ المعلمةُ مِني أنْ أَنقلَه للطالباتِ لتسجيلِه في دفاترِهنّ، لا أعرفُ لماذا أتذكّرُ ذلك الموقفَ بحذافيرِه الآن! لكني أشعرُ أنه انطلاقةٌ للقلمِ، وتَدفُّقٌ لا أدري مَنبعَهُ!

كنتُ مُحبّةً للقراءةِ، أطيرُ في عوالمَ بعيدةٍ، محلِّقةً إلى الأبعَدِ فالأبعد، خصوصاً الروايةَ التي تأخذُني إلى مدُنٍ لم أَرَها، وتطيرُ بي إلى سماءٍ؛ لم أحلمْ بالتحليقِ فيها، وعرَّفتْني على حضاراتٍ قديمةٍ وحديثةٍ، وأطلَعتْني _وأنا ممدَّدةٌ على سريري في منزلي_ على عاداتٍ، وتقاليدَ، وخُرافاتٍ، ومشاكلَ، وهمومٍ؛ نعاني منها، ويعاني منها هذا العالمُ بسرعةٍ خرافيةٍ، فزادتْ مَلكَةُ الكتابةِ عندي، ولكنها لم تكنْ مصقولةً كما ينبغي.

بعدَ دراستي في قسمِ الصحافةِ والإعلامِ؛ تفرّغتُ للزواجِ وتربيةِ أبنائي، بل واعتزلتُ مع عالمِ القراءةِ؛ ألتَهِمُ كلَّ الرواياتِ بعِشقٍ، بل بإدمانٍ، تعرّفتُ مع كلِّ روايةٍ على أسلوبٍ مختلفٍ، صقلَني، بل قلَبني، فلم أعُدْ أنا تلك الفتاةَ الصغيرةَ المنحنيةَ، القراءةُ خلقتْ مني شيئاً كبيراً، كبيراً أمامَ نفسي، ولسانُ تلك الصَبِيَّةِ التي لا تعرِفُ الردَّ؛ أصبح فصيحاً يَخرجُ عبرَ قلمِه مئاتُ القصصِ.

زواجي في غزةَ، وخروجي من ذلك العالمِ المُرفَّهِ في الخليج؛ صقلَني أكثرَ وأكثر، وجعلني أحتَكُّ بالقضيةِ الفلسطينيةِ من قُربٍ، وأعيشُها كأيِّ فلسطينيٍّ غزّي، فكان لها بالغَ الأثرِ على قلَمي، وكنتُ كلّما شعرتُ بوَجعِ أحدِهم ؛ أصِفُ هذا الوجَعَ على الورقِ، فينقلِبُ إلى قصةٍ قصيرةٍ.

كتبتُ المجموعةَ القصصيةَ الأولى، ودخلتُ إلى عالمِ التدوينِ، وجرّبتُ الكتابةَ الساخرةَ، ونشرتُ بعضاً من مقالاتي الساخرةِ، فأصبح الكثيرونَ يبحثونَ عن قلَمِ “رشا فرحات” تلك التي كانت في بيتِها؛ تُمارسُ هُوايةً، ولم يكنْ في حسبانِها أنْ تكونَ كاتبةً في يومٍ من الأيام! ولم تكنْ ترَى في تلك الكلماتِ التي تبوحُ بها على الورقِ؛ شيئاً غريباً عن عالمِ الأدبِ؛ الذي أدمنَتْ الولوجَ فيهِ قبلَ النومِ في كلِّ ليلةٍ.

والغريبُ في الأمرِ؛ حينما تمارسُ طقوسَ كتابتِك وحدَك، ولا تلجأُ إلى مُحكّمٍ أو ناقدٍ، فقط لأنك تظنُّ أنّ ما كتبتَه لا يستحقُّ الالتفاتَ أصلاً، فتدخلُ بدَفعٍ من أحدِهم إلى عالمِ الكُتابِ ، ثُم إلى العالمِ الافتراضي، وساحاتِ التواصلِ الاجتماعي على الانترنت، فتجرّبُ أنْ تَنشُرَ، وتجِدُ مُعجَبينَ، ثُم تجدُ مَن يبحثونَ عن جديدِك؛ إذا تأخّرت، ثُم مَن يطلبون منك الترشُّحَ لمسابقةٍ في الأدبِ.

كنتُ _حقيقةً_ أفتقدُ الثقةَ، وأطمحُ لمزيدٍ من التقدّمِ في قلمي، ولكنّ المفاجأةَ التي كانت؛ حينما تقدَّمتُ لمسابقةِ “فلسطين للإبداع الشبابي” التي نظّمتْها وزارةُ الشبابِ والرياضةِ قبلَ عامينِ، وكانت المفاجأة، حصلتُ على المركزِ الأولِ، أجَل إنه الأولُ، ثُم كانت مسابقةَ أميرةِ الأدبِ، التي أقامتْها وزارةُ شؤونِ المرأة، وحصلتُ أيضاً على المركزِ الأول، وقبلَها جائزةُ المرأةِ المُبدِعةِ في كتابةِ القصةِ القصيرة.

هنا تفجّرتْ الثقةُ، فكان القلمُ والثقةُ، يسيرانِ جنباً إلى جنبٍ، ويبدآنِ ببناءِ حائطٍ عالٍ، أخافُ منه في بعضِ الأحيانِ، ولكني أستندُ عليهِ في كلِّ مرّةٍ؛ لأُقدّمَ الجديدَ والأفضلَ، وفي النهايةِ خرجتْ مجموعتي القصصيةُ إلى النورِ، والجميلُ أيضاً أنْ يأتيَ النجاحُ هكذا دونَ تخطيطٍ، ودونَ أنْ تعملَ له حساباً، هنا تشعرُ فعلاً بلَذّتِه.

 

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أبو عمر وبيارة الموت” الوجبةُ الغزّيةُ الدسِمةُ لجميعِ الأُسَرِ الفلسطينيةِ

اجتهدَ فأبدعَ، وعمِلَ فأتقنَ...