الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » أُم حسن الوحيدةُ الحاميةُ لعِزبة “أبو بصل” منذ”55″ عاماً

أُم حسن الوحيدةُ الحاميةُ لعِزبة “أبو بصل” منذ”55″ عاماً

أحمد مصطفى- السعادة

القادمُ إلى عِزبة “أبو بصل” غربَ مدينة “سلفيت” في الضفة الغربية؛ يشعرُ أنّ الزمنَ قد توقّفَ به في هذه المنطقة! فلا طريقَ يأخذُك إليها؛ سِوى تسلُّقِ الجبالِ الوَعرة، لتتفاجأ _بعد أنْ تقطعَ مسافةً طويلةً_ بالحاجّةِ أسماء بلاسمة (70) عاماً؛ تعيشُ وحيدةً في منزلٍ طيني قديم، وقد حُرمتْ من المياهِ والكهرباء، ولا مأوىً ملائماً لها للعيشِ بداخلِه، إذ تحاصرُها مستوطنتا “آرئيل” السكانيةُ والصناعيةُ من كلّ مكان.

“أم حسن” لم ترضَ أنْ تكونَ ضحيةً للمستوطِنين، وأنْ تستسلمَ للأمرِ الواقعِ، وتهاجرَ قسراً كباقي العائلاتِ الفلسطينيةِ في مخيمات اللجوء، بل بقيتْ في أرضها منذُ نكبةِ عامِ( 1948م) لم تغادِرْها، مُصمِّمةً على حمايتها من المصادَرة، إذ تقفُ شامخةً أمام الكمِّ الهائل من المستوطِنين، الذين يحاولون سلْبَ المكانِ والحياة في عِزبتها، وقفتْ سدّاً منيعاً أمام ممارستِهم لتقولَ لهم “إنّ هذه الأرضَ لغيرِ أصحابِها لن تكونَ”.

حكايةُ الصمودِ في عِزبة “أبو بصل” والإصرارِ على حمايتها التي تسردُها “أم حسن” لـ”السعادة”، بدأتْ قبل (55) عاماً، منذُ أنْ رَحَّلَ الاحتلالُ جميعَ سكان العزبةِ؛ البالغِ عددُهم (44) عائلةً عام (1948) وسيطرَ على أراضيهم، وهدم منازلَهم وآبارَهم، حيثُ لم يبقَ أحدٌ سِواها هي وزوجُها، لتتخذَ من بيتها الطيني القديمِ؛ حِصناً تُواجِهُ به مكْرَ المستوطنين، وتتصدّى لاعتداءتِهم.

صمودٌ أسطوري:
وتعرّضتْ “أم حسن” خلال السنواتِ الماضيةِ إلى اعتداءاتٍ لا حصرَ لها من قِبلِ المستوطنين، فقد قتلوا ابنَها “محمد” أمامَ عينيها في شهرِ أغسطس عام (2004م )وجرّفوا جزءاً كبيراً من أراضيها، وهدموا “بركسات” ماشيتِها، التي لم تسلَمْ هي الأخرى من مكرِهم، حيث سرقوها بالإضافةِ إلى الطابونِ الذي كانت تُعِدُّ بواسطتِه لُقمةَ عيشِها.
ولكنْ ورغم ذلك؛ إلاّ أنّ “بلاسمة” أصرّتْ على الثباتِ لوحدِها، فزراعةُ شجرةِ زيتونٍ، وحمايةُ الأرض بالنسبةِ لها أفضلُ بكثيرٍ من ترْكِها لُقمةً سائغةً أمام المستوطنين، للعبثِ فيها كما شاءوا.

تقولُ أم حسن لـ”السعادة” من داخل منزلها الطيني:” إنّ مستوطنة “آرئيل” قريبةٌ من منزلي، ولا تبعدُ عنه سوى عشراتِ الأمتار، ولا يوجدُ أي فاصلٍ أو حاجزٍ بينها وبين أرضي، حيث يدخلُ ويخرجُ سكانُها بسهولةِ في عزبةِ “أبو بصل” كما أشاهدُهم كلَّ يوم وهو يراقبون تحرُّكاتي، ويترصَّدونَني حتى يخرجوني من منزلي، ولكنْ لن أخافَ منهم، ولا أهابَ من ممارساتِهم حتى لو قتلوني.

وتضيف:” المستوطنون يعُدُّونني شوكةً في حلقِهم، فكانوا ينتظرونَ وفاة زوجي؛ ليطردوني من أرضي ، ولكنْ بعد وفاته في شهر ديسمبر( 2013 ) زاد إصراري على البقاء والمواجهةِ، حتى أصبحوا يتمنوا موتي؛ ليُحكِموا سيطرتَهم على العزبة”.

وتسردُ “أم حسن” حادثةً تَشهدُ على تحدّيها للمستوطنين، ومواجهةِ اعتداءاتهم، حيث تقول،” في ذاتِ مرةٍ منعني أمنُ المستوطنةِ والدورياتُ الشرطيةُ “أنا وزوجي” من رَعي الأغنامِ في أرضي، وأطلقوا النارَ علينا، ولكنني اقتربتُ منهم، وصرختُ بهم قائلةً (الذي سيتعرّضُ لي سأرميهِ بالحجارةِ حتى يسيلََ دمُه) وبقيتُ في مكاني أنا وأغنامي، بينما تَراجعوا هم إلى أبراجِ المراقبةِ، ونقاطِهم العسكرية، كما أتصدّى للجرافات، وأمنعُهم من تجريفِ منزلي ومصادرته”.

وتضيف:” إنّ أبنائي الذين تبقوا لي بعد وفاة ابني وزوجي؛ هم ثمانيةٌ من الشباب والفتيات، جميعُهم يأتي لزيارتي، وفي كل مرةٍ يحاولون إقناعي للخروجِ، والبعدِ عن الخطرِ، والسكنِ معهم، ولكنني أرفض، وأُصِرُّ على البقاء، فلا يوجدُ سبيلٌ لهم بعد ذلك إلا أنْ يبقوا معي عدّةَ أيام؛ في محاولةٍ منهم لدعمي على المسيرةِ التي أقودُها”.
ممارساتٌ منظّمة:

يرتكبُ المستوطنون، بحسبِ “أم حسن” ممارساتٍ مخطَّطةً؛ لإجبارِها على الرحيل، فعندما ينفِّذون جولاتٍ سياحيةً إلى العِزبة وعزبة “فرقش” المجاورةِ، حيث يوجدُ فيها معالمُ أثَريةٌ، وبِركُ سباحةٍ تراثيةٌ، يتعمدون الإقترابَ منها، ويُصدرونَ كلماتٍ استفزازيةً، ويلقون الحجارةَ على منزلها.

كما تتسرّبُ مياه المستوطناتِ العادمة إلى منزلها، وتُغرِقُه، حيث تبنعثُ الروائحُ الكريهة، ولم يتوقفْ مسلسلُ الاعتداءات عند هذا الحد، فقد سرقوا رؤوس ماشيتها.
وتوضّح “بلاسمة” أنّ مستوطنتي “آرئيل” تحيطُ العزبة من جميع الجهات، إلاّ الجهةَ الجنوبية التي تطلُّ على منزلِ وأرضِ “أم حسن” حيث ينتظرون تهجيرَها وطردَها؛ ليتمكنوا من إحكام قبضتِهم على العزبةِ بشكل كامل.

وتعاني “أم حسن” من أمراض صدريةٍ خطرةٍ ومزمنة؛ مثلَ الربو، وذلك بفعل الغازاتِ السامة المنبعثةِ من مصانع مستوطنةِ آرئيل الصناعية، بالإضافةِ إلى المياه العادمة التي تداهِم منزلَها، والغبارِ والأتربةِ الناتجةِ عن تفجيرِ الصخورِ القريبةِ من منزلها لتهيئةِ الأرضِ للمصانع، بينما كان زوجُها “عثمان بلاسمة” يعاني من ذاتِ الأمراضِ التي أودَتْ بحياته.

وتُعَدُّ عِزبةُ “أبو بصل” التي تبلغُ مساحتها أربعةَ دونماتٍ، بالإضافةِ إلى عشرات الدونماتِ الزراعيةِ التي سيطرَ عليها الاحتلال؛ من المناطق التي يصعبُ الوصولُ إليها، حيث أنّ ثانيَ أكبرِ مستوطنةٍ في الضفة الغربيةِ المحتلةِ جاثمةٌ على أرضها، وهي مستوطنة “آريئيل، والتي تُقسم إلى “آريئيل” السكانية، وأخرى صناعية، مما ينذرُ بمُصادرةِ الاحتلالِ لما تبقَّى من أراضي القرية.

وعلى الرغم من ذلك، إلاّ أنّ عزبةَ “أبو بصل” تُعَدُّ منطقةً مهمّشةً، ولا تحظَى بأيِّ دعمٍ معنوي، أو ماديّ، لتبقَى الحاجّة “بلاسمة” وحيدةً بمُفردِها تحمي العزبةَ، وتدافعَ عنها في وجهِ المستوطنين، وذلك بحسبِ “أم حسن”.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحريفُ المناهجِ التعليميةِ معركةٌ لطمسِ التاريخِ الفلسطينيّ

الثريا – إسراء أبو زايدة لا تزالُ الحركةُ الصهيونيةُ مستمرةً في سَعيِها لإخضاعِ الوعيِ المَقدسيّ، ...