الرئيسية » الدين والحياة » الجهل بآفات اللسان

الجهل بآفات اللسان

 بقلم د. ياسر فوجو أستاذ مساعد بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة

لقد كرم الله تعالى الإنسان، وفضله على سائر المخلوقات؛ فجعل له عينين ولساناً وشفتين وهداه النجدين، قال تعالى:﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾، وقال أيضاً:﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ..﴾ ، لذا فقد قالت العرب قديماً:” المرء بأصغريه قلبه ولسانه؛ إن نطق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان، ولما كان اللسان ذك العضو صغير الحجم كبير التأثير؛ فإنه يحدد المصير فإما إلى خير وإما إلى غير ذلك، ومن المصيبة أن كثير من الناس يتوهمون بساطة اللسان؛ فيطلقون له العنان بعلم أكان أم بغير علم؛ فلا يقيمون لكلامهم وزناً ولا يجعلون له رادعاً ويحسبونه هيناً وهو عند الله تعالى عظيم، لذا فقد قال معاذٌ رضي الله تعالى عنه:” يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَإِنَّا لَمَأْخُوذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ؟ قَالَ:” ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ – أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ”، ومن المسلم أن قوة العقوبة تدل على شدة مخالفة الفعل في شريعتنا الغراء، ولما كان رد النبي صلى الله عليه وسلم غاية في القوة؛ فيعلم مدى خطورة اللسان وعدم ضبط الأقوال، والجرأة على الطعن، والجدال والتلفظ بما يغضب الواحد الديان، والناس في عدم ضبط اللسان على قسمين:

الأول: يعلم وجوب ضبط اللسان وحفظه إلا أنه لا يقيم لألفاظه وزناً ولا لكلماته رادعاً؛ فذاك أثمه عظيم وجرمه كبير؛ لمخالفته لما علم، وعدم التزامه بالشرع؛ فيعصي الله تعالى بلسانه على علم، والأصل في المسلم أن يروض اللسان على طاعة الواحد الديان، وذكر الرحمن، وتنزيهه عن المعاصي والآثام؛ لأن اللسان جُعل وسيلة للقرب والطاعات، وتلبية الحاجات، ووصل الأرحام والمودات، وخدمة المسلمين والمسلمات.

أما القسم الثاني: فهو الذي يتلفظ بلسانه جاهلاً، ويظن أنه غير مؤاخذ على الكلام؛ فيحلق بلسانه في عنان الأعراض، والخصوصيات، والألفاظ الشركيات، كما ويخوض بلسانه في بحور الشهوات وهذا النوع يجيد التجارة ويتقنها، وعلوم الإدارة ويبدع فيها، وعلوم الدنيا المختلفة ويتميز فيها، ويجهل ما هو أعظم وأخطر، وهذا ما جعلني أكتب هذا المقال، فإن حجم المأساة التي يعيشها كثير من المسلمين كبير؛ علمت ذلك من انحدار الأسئلة التي يسألون؛ يغفلون عن أبسط الأحكام؛ ويتعلقون بحبال الجهل والسلطان، وهذا يعكس مدي الخطورة على الإنسان لفوات وسائل الأمن والأمان في الدنيا ويوم القيام.

لذا سأعرض بعضاً من آفات اللسان التي قد تكون من الشركيات، أو المخالفات للأخلاق والأدبيات فعلى سبيل المثال قول العامة:” فلان ربنا افتكره”، وهذا من الشركيات لما فيه من اتهام لله تعالى بأنه ينسى، والله يقول:﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾، ويقول أيضاً:﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا.. ﴾.

ومن آفات اللسان قول البعض:” فلان لا يرحم ولا بخلي رحمة ربنا تنزل”، فمن ذا الذي يستطيع إيقاف رحمة الله تعالى؟!، والله تعالى يقول:﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.

ومن آفات اللسان أيضاً قول البعض:” بيعطي الحلق للي ما إلو ودان”، والله تعالى يقول:﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
ومن أخطر صور الجهل التي واجهتني عندما كنت أجلس مع شخص يُعَدُ من الوجهاء والأغنياء وقد سمع صوت حمار وإذا به يقول: استغفر الله،

وسمعت آخر أيضاً يتشهد؛ فهذا يعكس مدى الجهل والتقصير وعدم الاهتمام؛ فيجهلون الأذكار، والأحكام، فلماذا كل هذا التقصير، وعدم الاهتمام؟!.
ومن آفات اللسان قول البعض:” رزق الهبل على المجانين”، فمن الذي يرزق، قال تعالى:﴿ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾.

ومن آفات اللسان قول البعض:” اتق شر من أحسنت إليه”، وهذا ينزع الثقة عن المسلمين ويسئ الظن بهم، وفي ذلك مصادمة للنصوص التشريعية الدالة على محبة المسلمين وحسن الظن بهم وعدالتهم.
ومنها أيضاً ما هو شائع في أوساط الشباب قولهم:” فلان شكله غلط”، والله تعالى يقول: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾، ويقول أيضاً: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.

ومن ذلك أيضاً الحلف بغير الله تعالى، ولعن الزمن والساعة والوقت، وغيرها لا يتسع المقال لحصرها، لذا نهيب بمن قرأ هذا المقال أن يُعف لسانه، ويساهم في نشر الوعي والعلم بخطورة آفات اللسان التي قد تدخل الإنسان في أوسع أبواب الشرك مما يحرف اللسان عن مقصده ومهمته العظيمة في الذكر والطاعة والإصلاح والتعبير عما يدور في النفس من خير؛ لذا يعتبر اللسان من أخطر أعضاء الجسد.
والله أسأل أن يحفظ ألسنتنا من الزلل وقلوبنا من الغل والحقد والحسد، وأن يرزقنا لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أهلاً بالدراسةِ في الشوارع

أهلاً بالدراسةِ في الشوارع فيحاء شلش “براءة” طالبةٌ مدرسية، كانت تنتظرُ حلولَ العام الدراسي الجديدِ ...