الرئيسية » فلسطينيات » ثقافة وفن » الجرافيتي .. خربشة أَم قِيمٌ جماليةٌ، ورسالةٌ وقضيةٌ

الجرافيتي .. خربشة أَم قِيمٌ جماليةٌ، ورسالةٌ وقضيةٌ

 

كلماتٌ هنا ورموزٌ هناك، ألوانٌ تتداخلُ مع الأحرفِ، وأشكالٌ تتعانقُ مع الجدرانِ في الشوارعِ؛ لتصوغَ واقعاً اجتماعياً وسياسياً، يثلجُ صدورَ شعبٍ باتَ صوتُه لا يُسمعُ، رسوماتٌ وكلماتٌ تصرخُ في وجهِ الظلمِ والحصارِ والاحتلالِ، لتثورَ ثورةَ حق، ألوانٌ وخطوطٌ صيغتْ من وحي الواقعِ، اقتبستْ من الناسِ لأجْلِهم، لتحملَ معها رسائلَ هادفةٍ، وترتبطُ بقضيةٍ عادلةٍ، ليست خربشةً ولا تخريباً، ليست تعدّياً على مُلكياتٍ خاصةٍ أو عامةٍ، فتلك الجدرانُ، وهذه الأسوارُ هي المكانُ المتاحُ لإخراجِ ما في خلجاتِ المجتمعِ، فتكتسبُ هذه الألوانُ مشروعيتَها من هدفِها السامي، ومعانيها النبيلةِ، عن فنِّ الجرافيتي نتحدثُ، ونخصّص زاوية في “السعادة” لأسلطَ الضوءَ على جمالياتِ هذا الفنِّ، وأهدافِه ومدى تأثيرِه في المجتمعِ، مع مجموعةٍ من الفنانينَ التشكيليين.

تحقيق : ميادة حبوش

يعرّف “للسعادة” فنان الجرافيتي “صبحي قوتة”  الفنَّ الجرافيتي أنه عبارة عن رسوماتٍ أو أحرف، يتمُ رسمُها على الأماكنِ الظاهرة للعوامِ، كالجدرانِ، والجسورِ، وأسوارِ المنازلِ والممتلكاتِ العامة، فهذا الفن تطورَ عبرَ الزمنِ، ويسمّى اليوم بـ (الجرافيتي الحديث) ويعملُ هذا الرسمُ على تغييرٍ عامٍ لملامحِ السطحِ المرسومِ عليه، عن طريقِ استخدامِ بخّاخات الدهانِ، أو أقلامِ الإظهارِ، أو أيِّ موادٍ أخرى كالفحمِ، ويهدفُ إلى توصيلِ رسالةٍ للمارّةِ عن طريقِ الرسمِ والكتابة.

ويشرحُ أنّ هناك نوعانِ من هذا الفنِّ، وهو جرافيتي مرسومٌ، وآخَرُ مكتوبٌ، وكان يصنّفُ على أنه واحدٌ من فنونِ الشارعِ، حتى أنه عُدَّ تخريباً وعملاً غيرَ شرعي! لكنه سرعانَ ما تحوّلَ إلى جزءٍ من المشهدِ اليومي،  ومن المنظرِ العام للتكوينِ الحضريّ للمدينةِ،  كما أنه انتشرَ بطريقةٍ تقليديةٍ، وبشكلٍ متزايدٍ، واستُخدمَ كوسيلةٍ للدعايةِ والإعلانِ.

تاريخُه وأصولُه :

الفنَّ الجرافيتي من أعرقِ الفنونِ في العالمِ، فله تاريخُه وأصولُه القديمة، وتحدّثنا “داليا عبد الرحمن” فنانة تشكيليةٌ، وصاحبةُ مبادراتٍ تلوينيةٍ في غزة عن تاريخَ هذا الفنِّ قائلة: “يرجعُ أصلُ هذا الفنِّ إلى آلافِ السنينَ، فقد رسمَ الإنسانُ البدائي على جدرانِ الكهوفِ والصخورِ، كما ظهرَ في الحضاراتِ القديمةِ، كالحضارةِ الفرعونيةِ والإغريقيةِ والرومانيةِ، فقد تركتْ شعوبُ هذه الحضاراتِ رسوماً وكتاباتٍ على الجدرانِ والأرضياتِ، وقد عادتْ وظهرتْ في دولِ أمريكا اللاتينية بمُسمّى (فن الاحتجاج)، وانتقلَ هذا الفنُّ إلى أوروبا، ثم إلى باقي دولِ العالم، وقد بدأتْ بتعبيرِ العامة عن مشاعرِهم وأفكارِهم واتجاهاتِهم بألوانِ الرشِّ على جدرانِ المنازلِ، والأماكنِ العامةِ في الشوارعِ، وغالبًا ما يتمُ الرسمُ من أشخاصٍ مجهولين؛ لأنها كانت تعدُّ أفعالاً مخالفةً للقانونِ، لِما فيها من اعتداءٍ على ممتلكاتِ الآخَرين، أمّا على صعيدِ فلسطين، فقد انتشرتْ هذه الظاهرةُ بشكلٍ كبيرٍ في فترةِ الانتفاضةِ الأولى، حيث لجأ الناسُ إلى هذا النوعِ من الفنِّ للإعلانِ عن فعاليةِ ونجاعةِ المقاومةِ، ومواقفِها البطوليةِ ضدّ الظلمِ والصهيونية”

لمساتٌ فنية :

ولِفناني الجرافيتي في غزةَ نكهةٌ خاصةٌ، وهدفٌ أسمى، يتحدثُ عنه الفنان قوتة فيقول : “لكلِّ فن رسالةٌ، وللفنِّ الجرافيتي رسالة تُعرضُ على الملأ؛ لتصلَ وتُطبعَ في القلوبِ والعقولِ، فما بالك بفناني غزة أصحابِ القضيةِ والرسالةِ الأسمى، فلكُل حرفٍ ورسمٍ في شوارعِ غزة؛ يحملُ رسالةً، فمنها ما يعبّرُ عن النكبةِ وحقِّ العودة، ومنها ما يرسمُ حياةَ الغزيينَ الاجتماعيةَ، ومشاكلَها السياسيةَ، كالحصارِ والانقسامِ، حتى أنّ أحدَ فناني الجرافيتي، وهو الفنان (بلال خالد) قد رسمَ جدارية أهداها إلى لاعبِ منتخبِ الجزائر، كتبَ عليها ” من فلسطينَ إلى الجزائرِ.. نحن نحبُّ الجزائر ” وقد تلقّى “بلال” في المقابلِ رسالة شكرٍ من ذلك الفنانِ، عبّر فيها عن حبهِ وامتنانِه للشعبِ الفلسطيني، وهذا أكبرُ دليلٍ على أنّ الجرافيتي فنٌّ ذو رسالةٍ هادفة”.

فنٌّ أمْ خربشات ؟

ويُعرب “ضياء الوحيدي” 38 عاما،عن إعجابِه بالرسوماتِ الجدارية في الشوارعِ، خصوصاً في الآونةِ الأخيرةِ، حيث يلاحظُ أنّ هذا الفنَّ بدأ يأخذُ منحاً ممنهجاً، ويحملُ فكرة أو رسالةً، ويرسمُ بطريقةٍ فنيةٍ، وخطوطٍ جميلةٍ ومنسّقة، فلم تَعدْ خربشاتٍ كتلك التي كُنا نراها في السابقِ.

في حين توضّح الفنانة “عبد الرحمن” أنّه تاريخياً ينظرُ إلى الرسوماتِ في الشوارعِ على أنها شكلٌ من أشكالِ التخريبِ، وخطرٌ على المجتمعِ، ولكنّ هذه النظرةَ سرعانَ ما تلاشتْ في أغلبِ دولِ العالمِ، فهذه الرسوماتُ تحملُ رسالةً هادفةً، ليست بالضرورةِ أنْ تكونَ ثوريةً، وإن كانت ثوريةً، فإنها ثورةٌ ضدّ الظلمِ والقمعِ والفقرِ، كما أنّ شعوبَ هذا الزمانِ لم تعدْ تقبلُ بظلمِ السلطانِ.. كما السابقِ، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى فإنّ الجرافيتي يحملُ من القيمِ الإبداعية والجماليةِ الكثيرَ.. وعمليةُ الرسمِ لم تعدْ عمليةً عشوائيةً؛ بل لها أساليبُها وأدواتُها وألوانُها، وتعتمدُ على بناءِ الشكلِ الفني كاملاً، فلم يعدْ فنَّ الشارعَ ؛كما كان يطلقُ على تلك الرسوماتِ العشوائيةِ غيرِ المنسَّقةِ، وغيرِ المفهومةِ، والتي لا تحملُ بين طياتِها لا هدفَ ولا رسالة”

فيما يعتقدُ (قوتة) بأنّ فناني الجرافيتي يطرحونَ أفكارَهم وقضاياهم الوطنيةَ والمجتمعيةَ بشكلٍ فنيّ وحضاريّ؛ يجمّلُ المدينة ولا يخرّبها، كما أنّ هذا الفنَّ يعدُّ وسيلة مهمةً على الفنانِ استخدامُه بالكيفيةِ الصحيحةِ للتعريفِ بهمومِ شعبه، ووضعِ الجهاتِ المسؤولةِ أمام واجباتِها؛ للعملِ على حلِّ مشكلاتِ هذا المجتمعِ .

أثرُه على الجمهور :

الجرافيتي هو فنٌّ للجمهورِ، يراه المشاة والركابُ طوالَ طريقهم، فهو “يتأثر بهم ليؤثرَ فيهم” هكذا وصفتْه (عبد الرحمن) موضحةً أنّ الفئةَ المستهدفة من هذا الفنِّ هما: الشعبُ والسلطةُ الحاكمة.

ويُبدي الحاج فوزي الشيخ (خمسة وستون عاما) إعجابَه وفخرَه بالرسوماتِ المنتشرةِ في شوارعِ غزة، ويشعرُ بأنّ هذه اللوحاتِ تتحدثُ نيابةً عن الشعبِ، الذي لم يعدْ صوتُه يصلُ لأصحابِ القرارِ، ويرى (قوتة) بأنّ الجرافيتي يعدُّ منصةً قويةً للوصولِ إلى الجمهورِ، خصوصاً في حالِ تشابُكِ وتداخلِ وِجهات النظرِ.

ومن منبرِ “السعادة” تتوجّه (عبد الرحمن) لتوصلَ رسالةً لأصحابِ القرارِ، والمسؤولينَ في البلدياتِ ومؤسّساتِ المجتمعِ المدني؛ لدعمِ هذا الفنِّ الأصيلِ، بتوفيرِ المساحاتِ الملائمة، وتمويلِ المشاريعِ التي تضبطُ عمليةَ التلوينِ والرسمِ بطريقةٍ فنيةٍ، لإخراجِ لوحاتٍ متناسقةٍ مرتبطةٍ ببعضِها، موَحّدة في الفكرةِ والتنفيذِ، لتجميلِ المدينةِ، ولإبرازِ المعاني الجميلةِ للفنِّ الجرافيتي، وإخراجِها من قالَبِ التخريبِ والخربشةِ.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأُمّةُ الإسلاميةُ الوجعُ واللوعةُ (أزمةُ فِكرٍ)

تجتاحُنا المشاعرُ ونحن..