الرئيسية » فلسطينيات » عين على القدس » “عين كارم”.. قريةٌ منازلُها فلسطينيةٌ؛ يحتلُّها الصهاينةُ

“عين كارم”.. قريةٌ منازلُها فلسطينيةٌ؛ يحتلُّها الصهاينةُ

أحمد مصطفى – السعادة

من يَزُرْ قريةَ “عين كارم” الفلسطينيةَ؛ أحدَ أكبرِ مدُنِ القدسِ المحتلة، ويشاهدْ منازلَها التاريخيةَ والأثَريةَ_ التي مازلت قائمةً ليومِنا هذا_ لا يخطُرْ ببالِه أنها قريةٌ مُهجَّرةٌ، لا يسكنُها أيُّ فلسطينيّ، وأنّ هذه المنازلَ يستوطِنُها الصهاينةُ ؛منذُ أنْ هُجِّرَ سكانُها الأصليون، فهذه القريةُ بخلافِ بقيةِ القرى الفلسطينيةِ، لم تُهدَمْ منازلُها؛ التي سكنَها نحوُ 400 فلسطيني، وبقيتْ منازلُها شامخةً ليومِنا هذا.

فيما يُوحِي كلُّ شيءٍ في ظاهرِ القريةِ؛ أنَّ سُكّانَها فلسطينيون، فهي منطقةٌ سياحيةٌ، تزدحمُ فيها المطاعمُ والمقاهي والمعارضُ الفنيةُ، ومتاجرُ الأثريّاتِ في منازلَ حجريةٍ قديمةٍ، أمّا شوارُعها فمليئةٌ باللافتاتِ التي ترشِدُ إلى كلِّ شيءٍ؛ عدا هُويتِها الفلسطينية.
وتعجُّ شوارعُ “عين كارم” بالصهاينةِ والسياحِ اليهودِ؛ ممّن يفِدونَ لزيارةِ أَديِرَتِها السبعة، غيرَ أنّ مسجدَ “عمر بن الخطاب” الذي يَسكنُه الحزنُ العميقُ في يومِنا هذا، ينقُضُ بمئذنتِه الشاهقةِ الروايةَ المُلفَّقةَ للمكانِ.

وتُعَدُّ “عين كارم” أهمَّ وأكبرَ قرى القدسِ مساحةً، وأكثرَ سكاناً، وتبعُدُ عنها سبعةَ كيلومترات، وتقعُ على الطريقِ الفاصلةِ بين القدسِ ومدينةِ رام الله، وهي مجاوِرةٌ لقريةِ “دير ياسين” فيما تستهوي طبيعتُها الجبليةُ الخضراءُ زائريها، لكنها تُخفي حقيقتَها المأساويةَ؛ منذُ احتُلتْ وهُجِّرَ سكانُها الأصليونَ أثناءَ النكبةِ.

حجارة تاريخية

“السعادة” كان لها جولةٌ بشقِّ الأنفسِ في مدينةِ “عين كارم” واصطحَبنا بها الحاجُّ “أبو فايق حمزة” الذي يسكنُ مدينةَ “نابلس” بالضفةِ الغربيةِ، منذُ أنْ هُجِّرَ من قريتِه الأصليةِ “عين كارم” فهو مَن تمكَّنَ أنْ يُنسِّقَ لنا الدخولَ إليها؛ كزائرٍ لساعةٍ واحدةٍ فقط.
بدأتْ جولةُ “السعادة” في “الحرجة”، وهي ساحةُ القريةِ المركزيةِ قبلَ نكبةِ عامِ( 1984) حيثُ كانت الساحةُ مركزًا للِّقاءاتِ الاجتماعيةِ لسُكانِ القريةِ في ساعاتِ المساءِ، وسوقًا طَوالَ النهارِ، وجاء إليها تجارٌ من القُرى المجاورةِ: مِثلَ (سطاف، القسطل، خربة اللوز، صوبا ، قالونيا)

ويقولُ الحاجُّ “أبو فايق حمزة” وهو مُتَّكِئٌ على أحدِ حجارةِ “عين كارم” في ساحةِ الحرجة: إنّ “عين كارم” كانت مدينةً مركزيةً وكبيرةً، سكنَ فيها حتى أواسط (1948) نحوُ(40) ألفَ نسمةٍ، غالبيتُهم خرجوا بحثًا عن ملجأٍ قبلَ أنْ تُهاجَمَ قريتُهم، وذلك بعد أنْ وصلتْ إليها الأخبارُ عن المجزرةِ التي نفَّذَها مسلَّحون يهودُ في قريةِ “دير ياسين” المجاورةِ، أمّا شبابُ “عين كارم” الذين كانت بحوزَتِهم أسلحةٌ؛ بقوا في القريةِ من أجلِ الدفاعِ عنها”.

ويضيف: “كان في “الحرجة” قبرُ الشيخ عبيد، وشجرةٌ اعتادَ المُسنُّونَ الفلسطينيونَ الجلوسَ تحتَها. واليوم تُطِلُّ شجرةُ التوتِ بكآبةٍ على موقفِ سياراتٍ؛ دُفنَ تحتَه قبرُ الشيخ، وهنا كانت حارةُ عائلتِنا، وخلفَنا حارةٌ أخرى كان يسكنُها عائلاتٌ أخرى، منهم عائلة ذكور”.

ويتابعُ “حمزة” قولَه مُتَنهِداً: “إنّ الاحتلالَ لم يَهدمْ منازلَ “عين كارم” مِثلما فعلَ في غالبيةِ القرى الفلسطينيةِ التي احتلَّها، فقد دخلَ يهودٌ إلى بيوتِهم، وسكَنوا فيها، وما تزالُ المدينةُ حتى يومِنا هذا قائمةً، كما كانت قبلَ النكبة”.
ويوضّحُ: أنّ الصهاينةَ الذين يسكنونَ في بيوتِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ من “عين كارم” يتفاخرونَ بأنّهم نجحوا في “الحفاظ” على القريةِ، ورعايتِها كقريةٍ متميِّزةٍ تجذبُ السياحَ.

مَن يدخلْ القريةَ اليومَ؛ ويرى ما يعرِضونَه لنا فقط، سيتمتّع بجوٍّ خلاّبٍ ساحرٍ! سيزورُ عددًا من الكنائسِ الجميلةِ!ويُبهَرُ من معمارِ البيوتِ العربيةِ! سيُحدِّقُ في المنظِّرِ الآسِرِ! يأكلُ في مطعمٍ، ويتعرّفُ على تاريخٍ قديمٍ للمكانِ الرابعِ من حيثُ قُدسيَّتِه في الدينِ المسيحي. جولتُنا التي كانت بمساعدةِ معلوماتٍ تلقّيناها من لاجئِي القريةِ، ومساهمةِ ابنِ عين السيد هشام أبو روزا، من الجيلِ الثاني للنكبةِ، ومَن قامَ بإرشادِ جولتِنا، كشفتْ إلى أيِّ حدٍّ تغيّرتْ القريةُ، ولم يتمّ الحفاظُ عليها ؛كما هو الأمرُ بنظرِ الإسرائيليين.

لقد استُبدِلَ السكانُ، صارت اللغةُ هي العِبرية، أُطلقتْ على الأزقَّةِ والأحياءِ أسماءٌ جديدةٌ، تَحوّلَ عددٌ من البيوتِ الخاصةِ إلى كُنسٍ، تمَّ إغلاقُ المسجدِ، وتدنيسُ المقبرةِ المركزيةِ، واختفتْ المدرسةُ التي كانت تقعُ في طابقٍ فوقَ المسجدِ.

وكانت القريةُ _بحسبِ الحاج حمزة_ تنقسمُ إلى منطقتينِ، الأولى عُليا؛ قوامُها مصاطبُ زراعيةٌ، والثانيةُ منطقةٌ سُفلى؛ تقعُ في وادٍ غربيَّ المنطقةِ العُليا ودونَها، وكانت المصاطبُ تبرزُ من تلالٍ ترتفعُ إلى ما فوقَ الموقعِ، وتتّجِهُ شرقاً، فيما كان في أسفلِ الموقعِ_ من جهةِ الغرب_ وادٌ عريضٌ مُنبسطٌ.

أمّا التلالُ نفسُها فتُواجِهُ الغربَ، وكانت المياهُ المتدفقةُ في وادي أحمد؛ تَعبُرُ أرضَ القريةِ مُتجِهةً نحوَ الغربِ، فتروي بساتينَ الزيتونِ الواقعةَ في الرُّكنِ الشمالي من القرية، كما كانت “عين كارم” تُعَدُّ من ضواحي القدس, وكانت طريقٌ مرصوفةٌ بالحجارةٍ؛ تربطُها بالطريقِ العام؛ الذي يصلُ القدسَ بيافا, والذي يمرُّ على بُعدِ ثلاثةِ كيلومترات شِماليّ القريةِ.

ويشيرُ إلى أنّ موقعَ “عين كارم” كان آهِلاً منذُ الألفِ الثاني قبلَ الميلاد، حيثُ يقول:” إنّ “عين كارم” هي مسقطُ رأسِ “يوحَنا المَعمدان” كما يقالُ إنّ السيدَ المسيحَ، والسيدةَ مريمَ العذراءَ؛ زارا “عين كارم” مراتٍ عِدّة، وثمةَ اعتقادٌ أنّ الخليفةَ الثاني “عمر بن الخطاب” مرَّ بها ذاتَ مرّةٍ؛ خلالَ الفتحِ الإسلامي, وصلّى فيها.

ويضيف: أمّا السجلاتُ العثمانيةُ فتُبيِّنُ أنّ “عين كارم” كانت في سنةِ( 1596 )قريةً في ناحيةِ القدسِ( لواء القدس), لا يتجاوزُ عددُ سكانِها( 160) نسمةً، وكانت “عين كارم” تؤدِّي الضرائبَ على عددٍ من الغِلالِ: “كالذرة والشعير” بالإضافةِ إلى عناصرَ أخرى من الإنتاجِ والمستغلات: (كالماعزِ وخلايا النحلِ، ودِبسِ الخروبِ، وكرومِ العنب”.

مسجدٌ حزينٌ:

جولةُ “السعادة” مازلتْ مستمرةً في “عين كارم” فقد سِرْنا برفقةِ الحاجّ “أبو فايق حمزة” في “طريقِ الصبرات” تُجاهَ المروج؛ حيثُ يقعُ حيُّ عائلةِ “زغب”، وأخذَ يشيرُ لنا إلى بيوتِ العائلاتِ الفلسطينيةِ، فيما أخذَنا إلى البيتِ الذي وُلدَ وتَرعرَعَ فيه والدُه، والذي يقعُ إلى جانبِ ديرِ أخواتِ صهيون، حيثُ مازالت حجارتُه كما هي منذُ أنْ هاجرَ من “عين كارم” ولكنه باتَ خاوياً من سكانِه الأصليّين.

واصلْنا جولتَنا في “طريق العين” تُجاهَ الموقعِ الشهيرِ والمُقدّسِ في القريةِ، وهو “عين مريم” أمّا فوقَ “عين مريم” فقد تمَّ بناءُ مسجدٍ على اسمِ “عمر بن الخطاب” الذي جاء إلى فلسطينَ سنةَ(638 )وزارَ الموقعَ كما يبدو، ففي مطلعِ القرنِ العشرين؛ تمَّ بناءُ طابقٍ فوقَ المسجدِ؛ استُخدمَ حتى عامِ( 1948 )كمدرسةِ عين كارم الرسميةِ للبنين.

ولا يزالُ المسجدُ_ بحسبِ الحاج حمزة_ على حالِه؛ لكنّ الدخولَ إليهِ ممنوعٌ، وتمَّ إقفالُ أبوابِه، فهذا المسجدُ الحجريّ النادرُ بملامحِه العمرانيةِ؛ تتدفّقُ من داخلِه عينُ ماءِ (عين مريم)، ويتكونُ من طابقينِ؛ الأولُ للصلاةِ، والثاني استُخدمَ مدرسةً، وكلاهُما مغلقانِ منذُ عقودٍ، ويُمنعُ أداءُ الفريضةِ فيه.

وإذا كان الحاج “أبو فايق” قد هُجِّرَ من “عين كارم” داخلَ وطنِه فلسطين، وبقي بإمكانِه أنْ يزورَها_ وإنْ كان بصعوبةٍ_ فإنّ شقيقةَ “أبو سمير” التي لم يتمكنْ من زيارتِها ورؤيتِها، فقد هاجرَ بعدَ النكبةِ إلى الأردنِ، وبقيَ هناك، فيما منعَه الاحتلالُ من الدخولِ إليها.
ويقولُ ابنُه سمير لـ”السعادة”: إنّ حُلمي أنا ووالدي؛ أنْ نزورَ “عين كارم” فقد حاوَلنا كثيراً أنْ نحصلَ على لَمِّ شملٍ لدخولِها؛ ولكنّ محاولتَنا باءتْ بالفشلِ، لنُحرمَ من دخولِ أو رؤيةِ منازلِنا؛ التي احتلَّها الصهاينةُ، ودنَّسوا مساجدَها.
ويضيف:” لقد أقامَ الصهاينةُ عدّةَ مستعمراتٍ على أرضِ “عين كارم” ففي سنة( 1949 )أنشأَ الاحتلالُ مستعمرتَي (بيت زايت) و(إيفن سابير) على أراضي القرية، كما أنشأ عليها في سنةِ (1950) مدرسةَ “عين كارم” الزراعية، أمّا باقي الأراضي فقد ضمّتها بلديةُ القدسِ الغربيةِ الإسرائيلية إليها.

جولتُنا في “عين كارم” انتهتْ دونَ أنْ نشعرَ بانتهاءِ الساعةِ؛ التي كانت محدَّدةً لنا بدخولِها من قِبلِ الاحتلالِ، لنودِّعَها مُحاوِلينَ أنْ نلتقطَ لها بعضَ الصوَرِ التذكاريةِ، وأنْ نُمعِنَ النظرَ فيها، ونتأمَّلَ طبيعتَها ومنازلَها التاريخيةَ؛ خَشيةَ أنْ لا يَسمحَ لنا الاحتلالُ دخولِها مرةًً أُخرى.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحريفُ المناهجِ التعليميةِ معركةٌ لطمسِ التاريخِ الفلسطينيّ

الثريا – إسراء أبو زايدة لا تزالُ الحركةُ الصهيونيةُ مستمرةً في سَعيِها لإخضاعِ الوعيِ المَقدسيّ، ...