الرئيسية » كتاب الثريا » صناعة الرجال

صناعة الرجال

بقلم :حنان الحاج أحمد

دكتوراة أصول تربية-مدير دائرة التعليم الخاص في وزارة التربية و التعليم

بلغ من شرف مهنة التعليم أن جعلها الله من جملةِ المهمات التي كلَّف بها رسله، فأشار إلى دور الأنبياء وأتباعهم في تعليم الأمة وأن وظيفتهم الأساسية هي دراسة العلم وتعليمه .

قال تعالى: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِه وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِم) (البقرة: من الآية129) وترسم الآيتان السابقتان بكل وضوح منهج التربية الإسلامية وتحدد الميادين المختلفة التي تناولتها التربية في الإسلام وتعمل من أجل تحقيقها وهذه الميادين هي :

ميدان العقيدة الإسلامية ” يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ” وتهدف إلى تنشئة المتعلم على حب الله وإخلاص العبادة له والرغبة في ثوابه والخوف من عقابه ، وهذا ما يجب البدء به في إصلاح المجتمع الإسلامي .
ميدان تزكية النفس والسلوك ” وَيُزَكِّيهِم ” ، وهذا ما يجب تحقيقه للمتعلم قبل البدء في التعليم وأثناءه .
ميدان الإعداد الفكري والمعرفي ” وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ” ، وهذا هو محتوى المنهج الذي يجب إصلاحه .
ميدان الإعداد الوظيفي ” وَالْحِكْمَةَ  ” وهذا يتحقق بإصلاح المناهج الدراسية لتصبح محققة للغرض الديني والدنيوي معاً حسب حاجات المجتمع الإسلامي “.

وفي السنة النبوية شواهد تدل على أهمية المعلم في الإسلام ، وعظم قدره وأوصى رسول الله صلى الله عليه و سلم  بفضل العلم وقوله صلى الله عليه و سلم في فضل العلم أن ابن عمر رضى الله عنه قال  سمعت رسول الله  قال : ” بَيْنا أنا نائم أُتيتُ بِقدح لبن فشربت ، حتى إني لأرى الرَّىَّ يخرج في أظفاري ، ثم أعطيت فضلِى عمر بن الخطاب ” قالوا : فما أوَّلته يا رسول الله ، قال: ” العلم “ ( البخاري ، الفتح ، كتاب العلم ، باب فضل العلم ، ح 82 : 263 ) .

وقال النبي صلى الله عليه و سلم: من يُرد الله به خيراً يفقه في الدين وإنما العلم بالتعلم .( البخاري ، الفتح ، كتاب العلم ، باب العلم قبل القول والعمل : 224 ) .

يتضح مما سبق فضل العلم ومكانته وأن العلم فضله النبي صلى الله عليه و سلم ونصيب مما آتاه الله ( العسقلاني ، 1421 : 264 ) . ومن يحمل العلم يكون له مكانة عظيمة ويرد الله به خيراً.

وفي فضل المعلم يذكر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ” العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد ” وقال لكُميل يا كُميل : العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكُو بالإنفاق.

وبذلك فالإسلام هو الدين الذي مجد العلم قال تعالى ( اقرأ بِاسم رَبِّك الذِي خَلَقَ )  ( العلق : 1 ) ، فالإنسان الفاضل في الإسلام هو الإنسان العالم لأن زيادة العلم إنما تؤدي إلى تقوى الله وخشيته وتهيئ الإنسان لمهمة الاستخلاف في الأرض، وتسخير طاقاتها ومواردها في خدمته، ومساعدته على عبادة الله وحده، ففي القرآن العظيم آيات عديدة تدعو الإنسان إلى النظر والتأمل في ملكوت الله، وظواهر الوجود، وتوجه القلوب والعقول والأبصار إلى التفكير في صنع الله والتدبر في خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان ومن ذلك قوله تعالى( إنَّ في خَلقِ السمواتِ والأَرضِ واختلافِ الليلِ والنَّهَارِ لأياتٍ لِأُوْلِي الألْباب ) ( آل عمران : 190 ) .

كل ذلك بغرض التشجيع على العلم والدراسة ، والبحث في مختلف مجالات الحياة . ” واحترام الإسلام للعالم والمتعلم إنما جاء نتيجة حتمية لتقديره للعلم و أهيمته في حياة البشر، فالإسلام قد دعا إلى العلم ووضع المنهج الصحيح للوصول إليه وحث الإنسان على تحصيله واكتسابه والاستزادة منه، لأن من أُوتي العلم جمع الخير والمجد كله في الدنيا والآخرة “.

وقد وصل المعلم في التربية الإسلامية إلى مكانة لم يصلها أي معلم في حضارة قديمة أو حديثة ، وهو لم يحتل هذه المنزلة إلا بسبب ضخامة الرسالة التي يحملها ، فهو الذي يقوم على هداية الناس والسير بهم في طريق الله وتمكينهم من الوصول إلى الكمال والسيطرة على البيئة التي يعيش فيها .

لذلك فاعلم أيها المعلم مكانتك  قدرها حق قدرها، لتُقدِّر الرسالة التي تحملها على عاتقك وتقوم بواجباتك على أكمل وجه، فعلى يديك تربى الأجيال الصاعدة، يُربى رجال الغد الذين يحملون هم الوطن السليب فيعيدون كرامته، فدورك ليس التلقين والشرح وإنما صناعة رجال الأمة وتربيتهم وإعدادهم لتحرير العقول العربية و الإسلامية من الغزو الفكري وريادة العالم.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيف ننتفع بالقرآن ؟

إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته....