الرئيسية » طور حياتك » أنتَ رُبّانُ حياتك

أنتَ رُبّانُ حياتك

إعداد_ إسراء سعيد أبوزايدة

هل يحتاجُ الأمرُ إلى كثيرِ إثبات؟ كي أؤكدَ لكَ عزيزي القارئ أنّ جميعَ الناجحين في هذه الحياة؛ قد تحمّلوا مسئوليةَ حياتِهم كاملة، ولم يقِفوا لثانيةٍ واحدة؛ كي يلُوموا شخصاً ما على الأشياءِ السيئةِ التي علّمَهم إياها، أو الأبوابِ الرحبةِ التي أغلقَها دونَهم، أو العقباتِ المُميتةِ التي ألقاها في طريقهم.

ما أسهلَ أنْ نقفَ لنشكوَ جُرمَ الآخَرين في حقنا! ما أبسطَ أنْ ندلِّلَ على عظيمِ ما جنتْ يدُ آبائنا! وكيف أنهم لم يعلِّمونا مبادئَ النجاحِ والطموح؟ فضلاً عن ممارساتِهم التربويةِ الخاطئةِ في حقِّنا، وما أيْسرَ أنْ نُلقيَ بجميعِ مشاكلِنا وهمومِنا على هذا أو ذاك، مُتخَفِّفين من مسئوليةِ مواجهةِ الحياةِ وتحمُّلِ أعبائها.

لقد علّمتني التجاربُ يا صديقي أنّ الحياةَ بحرٌ مُضطِّربُ الأمواجِ، وكلُّ واحدٍ مِنا رُبّانٌ على سفينةِ حياته، يوجِّهُها ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال، وأمرُ وصولِه إلى برِّ الأمانِ؛ مرهونٌ بمهاراتِه وقدراتِه بعدَ توفيقِ اللهِ وفضلِه.
لكنّ مُعظَمَنا –للأسف- لديهِ شمّاعةٌ من التبريراتِ الجاهزة، فما إنْ يصابُ بكَبوةٍ أو مشكلةٍ، إلاّ ويعلِّقُها على هذه الشماعةِ، ويتنصلُ من مسؤوليةِ تحمُّلِ نتيجةِ أفعالِه!

تربيتُنا السيئة، مجتمعُنا السلبي، التعليمُ الفاشل، الظروفُ الصعبة، تفشِّي الفساد.
هذه بعضُ الشمّاعاتِ التي كثيرًا ما نستخدمُها وبشكلِ شِبه دائم.
ودَعني أصارِحُك بأنك إذا ما أحببتَ أنْ تقبلَ تحدِّي الحياة، وتكونَ نِدّاً لها، فلابدّ لك أنْ تتخلّى _وفوراً_ عن كلِّ التبريراتِ التي تُعلِّقُ عليها مشاكلَك وإخفاقاتِك، وتقرِّرُ أنْ تتحمّلَ نتيجةَ حياتِكَ بكلِّ ثقةٍ وشجاعةٍ.

هل سمعتَ من قبلُ عن مُعادلةِ النتائجِ الحياتية؟

إنها تخبرُكَ أنّ نتائجَ حياتِك، هي حاصلُ جمْعِ ما يحدُثُ لك، مضافاً إليه استجابتُك لِما يحدُثُ، أو هي بمعنَى آخَر:
(موقفٌ + ردُّ فِعلٍ = نتيجةً)

نجاحاتُ الناجحينَ قد جرتْ في حدودِ هذه المعادلةِ، وفشلُ الفاشلينَ جرى وِفقَ هذه المعادلةِ كذلك..!

إنهم جميعاً تعرّضوا لمواقفَ أو أحداثٍ ما، ثُم تصرّفَ كلُّ منهم وِفقَ ما يرى ويؤمنُ، فأفرَزَ هذا السلوكُ أو (ردُّ الفعل) النتيجةَ التي نشاهدُها اليوم.
فالشخصُ السلبي تَوَقّفَ عند (الموقف) ثُم أخذَ في الشكوى والتبريرِ، فالمديرُ لا يفهمُ، والوضعُ الاقتصادي متدهوِرٌ، كما أنّ التعليمَ لم يؤهِّلْنا بالشكلِ المناسب، وفوق هذا تربِيَتي متواضعةٌ، وبيئتي سيئةٌ، والدولةُ يتحكّمُ فيها اللصوصُ.. وهكذا.
هذا بالرغمِ من أنّ هناك ناجحينَ كُثر؛ انطلقوا من نفسِ هذه الظروفِ، ومن بين ثنايا هذه البيئةِ، وربما كان حالُهم أشدَّ وأقسَى ممّن يشتكي ويوَلوِلُ!

لكننا لو نظرْنا للشخصِ الناجحِ الإيجابي، لوَجدْناهُ يعطي تركيزًا أكبرَ وأهمَّ لمساحةِ الاستجابةِ لِرَدِّ الفعلِ.
فهو يرى أنّ ما حدثَ قد حدثَ، ولا يمكِنُ تغييرُه، يقولُ لك حالُ المشكلات: دَعنا الآنَ ننظرُ فيما يجبُ علينا فِعلُه، وكيف يمكنُنا استثمارُ هذا الحدَثِ -مَهما كان- في تحقيقِ أعلَى نتيجةٍ أو أقلَّ خسائرَ مُمكِنة.

قد يحتاجُ الأمرُ إلى أنْ يستشيرَ شخصاً ما، أو يُغيِّرَ من تفكيرِه، وقد يستلزمُ الموقفُ أنْ يُراجعَ بعضَ سلوكياتِه، أو يُعدِّلَ في رؤيتِه.
إنه يمتلكُ مرونةً كبيرةً، وعزيمةً ماضيةً، وذِهناً مُبرمَجاً على إيجادِ الحلولِ، بل وصناعتِها.

سأكونُ صريحاً معكَ يا صديقي، وأقولُ إننا نستسهِلُ الركونَ إلى الدائرةِ الأولى (الموقف) لأنها أسهَلُ من الناحيةِ النظرية، فليس هناك أيسَرُ من الشكوى، ليس هناك أبسطُ من أنْ نُسلّطَ شعاعَ النقدِ على الخارج، وندَّعيَ أنّ الداخلَ كلَّه خيرٌ، ومشاكلُنا فقط تأتينا من الآخَرينَ السيئينَ القاسِينَ، وللأسفِ فإنّ معظمَ البشرِ مبدِعونَ في اختراعِ المبرِّراتِ التي تُبَرِّئُ ساحتَهم من التقصيرِ أو الفشل!

يزدادُ جنوحُ معظمِنا إلى التبريرِ في وطنِنا العربيّ بشكلٍ أكبرَ من سِواهُ، نظراً لكثرةِ الظروفِ المُحبِطة، وتَعدُّدِ أشكالِ القهرِ والإحباط، ما أدّى لنشوءِ ما سمَّاهُ المفكّرُ “د.عبد الكريم بكار” بـ (أدبياتِ الطريقِ المسدود)، والتي تتمثلُ في الشكوَى الدائبةِ من كلِّ شيءٍ، من خذلانِ الأصدقاء، ومن تَآمُرِ الأعداءِ، من ميراثِ الآباءِ والأجداد، ومن تصرّفاتِ الأبناءِ والأحفاد!!”.

مما جعلَ بعضَنا ليس فقط مُبدِعاً في التنصُلِ من أفعالِه، وإنما جعلَه كذلك متفوّقاً في إحباطِ وتثبيطِ مَن قرَّرَ التغييرَ والإيجابية، وذلك بالتطوِّعِ بإخبارهِ أنّ المجتمعَ لن يدَعَه ينجح، ولن يؤمِنَ أحدٌ بما يقولُ، وأنّ زمانَ الطيبينَ قد ولَّى بلا رَجعةٍ!

رسولُنا يعلِّمُنا أنه إذا حدثَ ما لا نريدُه؛ فيجبُ علينا أنْ ننطلقَ إلى الأمامِ بإيجابيةِ، ونتخلّى عن عادةِ التحسُّرِ والتبريرِ فيقول : (لا تقُلْ: لو أنِّي فعلتُ كذا لكان كذا، ولكنْ قُل: قدَّرَ اللهُ وما شاءَ فعلَ، فإنّ لو تفتحُ عملَ الشيطان).

أختمُ معك يا صديقي هذه الفقرةَ؛ بالتأكيدِ على أنّ النجاحَ ليس مرهوناً بتحسُّنِ وضْعٍ ما، وأنّ الفشلَ لم تكتبْهُ عليكَ إرادةٌ عُليا، يقولُ الفيلسوفُ والشاعرُ الهندي (محمد إقبال):

“المؤمنُ الضعيفُ هو الذي يحتجُّ بقضاءِ اللهِ وقدَرِه، أمّا المؤمنُ القويّ فهو يعتقدُ أنه قضاءُ اللهِ الذي لا يُرَدُّ، وقدَرُه الذي لا يُدفَعُ”.

المؤمنُ القويُّ هو الذي يمتلكُ تصميماً راسخاً على تحدّي المصاعبِ والعوائقِ، هو الذي يقابلُ الحياةَ بهدوءِ نفسٍ ورَحابةِ صدْرٍ، وهدوءِ جَنانٍ، بِغَضِّ النظرِ عمّا تُخبِّئُهُ أو تظهِرُه له.

بُوصِلةُ عقلِه تتّجِهُ إلى الحلولِ لا التبريراتِ، والرؤيةِ الإيجابيةِ لا الصورةِ السلبيةِ الباهتةِ.

يَحضُرُني هنا موقفُ أحدِ جنودِ المسلمين، إذ سألَه واحدٌ من قُوَّادِ الفُرسِ ذاتَ يومٍ في سُخريةٍ: من أنتم؟
فقالَ له واثقاً: نحن قدَرُ اللهِ، ابتلاكم اللهُ بنا، فلو كنتُم في سحابةٍ لهبطتُم إلينا أو لصَعِدْنا إليكم.
نحنُ قدَرُ الله.

فلْيكُنْ هذا شعارَكَ دائماً؛ إذا ما واجهتْكَ المصاعبُ والبلايا..

قُلْها بثباتِ المؤمنِ: إنني قدَرُ اللهِ.. وقضاؤه.

المصدر: ” مالم يخبرني به أبي عن الحياة” للكاتب كريم الشاذلي

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهارات تساعدك على الإبداع

 إعداد – إسراء أبو زايدة لكل مهنة ووظيفة مهارات معينة متخصصة يجب أن يتقنها الموظف ...