الرئيسية » طور حياتك » لماذا نُرشِّدُ الهمّة العالية..؟ الجزء الثاني

لماذا نُرشِّدُ الهمّة العالية..؟ الجزء الثاني

بقلم : تركي الشثري مثقف وباحث في الفكر الإسلامي وداعية إسلامي

الهمة نعودُ للنفسِ والأنا من مكنوناتِ النفسِ ( الرغبة ) وهي الحافزُ على العطاءِ في مقابلِ الأخذِ، العطاءِ الوجدانيّ أو المادي، وفي المقابلِ هي التي تخلقُ له الأعداءَ الحقيقيينَ والمتخيلينَ، ولا بدّ وكثيرٌ من أصحابِ الهِممِ وعرّابي الإصلاحِ، يبحثون عن العدوِّ، وإذا لم يوجَدْ أوجدوهُ بالقوةِ، وحذّروا أتباعَهم منه .

“هتلر” وهو صاحبُ الهمّة الهوسيةَ، يقولُ بكلِّ وضوحٍ ( لو زالَ اليهودُ لكانَ علينا أنْ نخترعَهم، من الضروري أنْ يكونَ هناك عدواً ملموساً، لا مجردَ عدوٍ مفترَضٍ ) ويتماشَى مع هذا ما رواه (أف إي .فويجت) أنّ بعثةً يابانيةً جاءت لبرلين 1923م؛ لدراسةِ الحركةِ النازيةِ، فلما سألَ “فويجت” عضواً يابانياً عن رأيهِ بالنازيةِ، فقال بكلِّ عمليةِ اليابانيّ الغيرِ مُفتعَلة ( إنها رائعةٌ أتمنّى أنْ توجدَ حركةٌ مشابهةٌ في اليابان، ولكننا لا نستطيعُ أنْ نفعلَ ذلك، لأنه لا يوجد لدينا يهودٌ ) .

نحن لا نقولُ بخُلوِّ الساحةِ للمصلحِ ذي الهمةِ العاليةِ من الأعداء، بل هو معهم ،وهم معه على طولِ الخطِّ، لكنّ ذلك لا يعني بحالٍ التسربُلَ “بفوبيا” العدوِّ، والتشرنُقَ مع الأخوةِ في جلبابِ الوهمِ والشعورِ الدائمِ المتصلِ بأيدٍ خفيةٍ تئدُ المشروعَ، وتتربصُ بالطموحاتِ، وتتحيّنُ الفرصَ ومع وجودِ ما يشبِه ُهذا الكلامِ، إلا أنه ليس في صالحِ المُصلحِ أنْ يخافَ ويخوِّفَ أبداً، ودائماً فالعدوُّ ينامُ ويتقيأ ويشعرُ بالدوارِ، ويحبَطُ ويتراجعُ وتؤثّرُ فيه العصا والجزرةُ، بل ويهرمُ ويشيخُ، وأنتَ تتصوّرُه وتصوِّرُه لأتباعِك بأنه غولٌ خرافيّ؛ لا يزيدُه الزمنُ إلا قوةً ومتانةً، ولنا في عصرِ الملوَّثينَ الأدعياءِ خيرُ مثالٍ، فطالما تنفّشوا في أعقابِ رحيلِ المستعمرِ، وإلى اليومِ ونحن نشاهدُ كيف يهرمونَ ويوسوسونَ ويتنقلونَ من فَيلقٍ لآخَرَ؟ وكيف يكتئبونَ ويملُّون؟ …. إلخ

( ولا تهِنوا في   ابتغآءِ القوم، إنْ تكونوا تألَمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من اللهِ مالا   يرجون، وكان الله عليماً حكيماً ) ( 104 )النساء

خلاصتُه أنّ العيشَ الحرَّ الكريمَ بنفسٍ متأنِقةٍ عاليةِ الشعورِ بما تصنعُ وتقدّمُ؛ لا يكدِّرُ صفوَها شيءٌ؛ كالتحذيرِ الدائمِ المتصلِ بشبحِ الإفسادِ الكامنِ، ثم أيضاً فالبناءُ مقدّمٌ على الهدمِ، والتأصيلُ أبدأ من كشفِ الشبهاتِ .

ولا بدَ أنّ لذلك الصراعِ النفسي الذي تولِّدُه الرغبةُ، والمحاصَرِ بما يطلبُه المصلحُ من نفسِه ومن غيرِه، وبما تطلبُه النفسُ من الحذرِ من العدوِّ والتحذيرِ منه، أثرٌ بالغُ التخديشِ في جدارِ النفسِ المصلحة .

على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ

فتعظُمُ في عينِ الصَّغيرِ صغارُها … وتصغرُ في عين العظيمِ العظائمُ

يكلّفُ سيفُ الدّولة الجيشَ همَّهُ … وقد عجزتْ عنهُ الجيوش الخضارِمُ

ويطلبُ عندَ النَّاسِ ما عندَ نفسِهِ … وذلك ما لا تدَّعيه الضَّراغمُ

وقفتَ وما في الموتِ شكٌّ لواقفٍ … كأنّكَ في جفنِ الرَّدى وهو نائمُ

َنثرتَهُمُ فوق الأُحَيْدبِ كلِّهِ … كما نُثرتْ فوقَ العروسِ الدَّراهمُ

ولستَ مليكاً هازماً لنظيرِهِ … ولكنّهُ التَّوحيدُ للشِّركِ هازمُ

إنه المتنبي الشاعرُ والذي خلقَ “سيفَ الدولةِ الشعري” الذي كبرَ وتطاولَ حتى غطّى الصورةَ الملحميةَ بضخامتِه التصويريةِ الهائلة، فهو يغطي جميعَ أجزاءِ اللوحةِ المرسومةِ بعنايةِ “سيف الدولة” إلى جوارِ القلعةِ، فهو يبطشُ بالعدوِّ ويتتبَّعُه حيث فرَّ، فلا نجا من أيدي “سيف الدولة” التي تلفُّ المشهدَ الدراميّ الدامي، وتنثرُ الأعداءَ على الأحيدبِ كالدراهمِ، وها هو “سيف الدولة” الشعري يبتسمُ في فمِ الموتِ الكالحِ غيرَ آبِهٍ بما يجري، وهنا الشاهدُ “سيف الدولة” كما يصوّرُه “المتنبي” وكما يريدُه مصلحٌ يطلبُ من أنفُسٍ الأتباعِ أنْ تكونَ كنفسِه التي ربّاها على الإقدامِ والجرأةِ السينمائية، وهذا الذي تُقصِّرُ عنه هِمَمُ الأُسودِ التي هي الغايةُ في الشجاعةِ ، لم يكنْ “سيف الدولة” ملِكاً يقاتلُ ملِكاً مثلَه، وإنما صاحبُ قضيةٍ ورجلُ إصلاحٍ كما صرّحَ في آخرِ بيتٍ، فهو “سيفُ الدولة” الورقيّ صاحبُ الهمّةِ الباذخةِ المتعِبةِ لرفقةِ السلاحِ، إنها نفسُ “المتنبي” تنعكسُ على الحدثِ، نفسُ “المتنبي” الغايةُ في الحساسيةِ، وهو من هو في الهمّةِ المريضةِ لتولّي أيِّ ولايةٍ، وقد أنفقَ من مخزونهِ الُّلغويَ أنفَسَ الجواهرِ والمُذهّباتِ الشعريةِ؛  مقابلَ أنْ ينفحَه الممدوحونَ بولايةٍ يقعدُ على عريشِها، وهيهاتَ فاللغويونَ والحسّاسونَ لا مكانَ لهم في دُنيا السياسةِ الذئبي .

وردتْ كلمةُ النفسِ في القرآنِ أكثرَ من 36 مرةً، وهي المسئولةُ عن الطاعةِ والعصيان، وهي المحرّكُ لهذا أو ذاك، كيف لا وهي الأمّارةُ واللوامةُ والمُطمَئنةُ، ويقسِمُ اللهُ بها، ولا يقسمُ العظيمُ إلا بعظيمٍ ( لا أقسمُ بالنفسِ اللوامة )(1) القيامة  .

وهي اللغزُ المحيّرُ والذي لا ينفكُّ عن انبعاثِ الآياتِ الباهرةِ الدالّةِ على دقيقِ الصنعِ ولطيفِ العنايةِ ( سنُريهم ءايتنا في الآفاقِ وفي أنفسِهم حتى يتبيّنَ لهم أنه الحق ) فالحقُّ الذي لأجلِه رُفعتْ السمواتُ، وبُسطتْ الأراضينَ، ونصبتْ الجبالُ وقامتْ سوقُ الجنةِ والنار، وانقسمَ فيه الناسُ إلى مؤمنين وكافرين، ودارتْ رَحى الملاحمِ بينهم على مرِّ الدهرِ ودورةِ التاريخِ، يُعرَفُ بالتفكرِ في النفسِ .

والتغييرُ الذي يدلّلُ على الحياةِ واستمرارِها يبدأ من النفسِ ( إنّ اللهَ لا يغيِّرُ ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسِهم ) في أحدى وجهي التفسير للآية .

وللدلالةِ على اهتمامِ الأوائلِ بمداوةِ النفوسِ من العِللِ العارضةِ والمستدامةِ؛ قلّبْ طرْفكَ في كتبِ السياسةِ والأخلاقِ والسلوكِ في التراثِ الإسلاميّ، لتَخرجَ بقائمةٍ طويلةٍ من النظرياتِ الإسلاميةِ الأصيلةِ في التعاملِ مع النفسِ وأنفُسِ الآخَرين، ومن أنفَسِ ما كتبَ ( مداوةُ النفوسِ ) لابنْ حَزم رحِمه الله .

جاء في كتاب ( انتفاضةُ العقلِ العربي ) للدكتور محمد عبدا لرحمن مرحبا ( إنّ الإنصافَ العلمي يقتضي الإشارةَ إلى أنّ من بينِ جميعِ حضاراتِ العصورِ الوسطى، لم يكنْ هناك غيرُ العربِ يستطيعُ تطويرَ بعضِ الأفكارِ العلميةِ عن الأمراضِ العقليةِ، فقد نشأتْ أولُ مصحّةٍ عقليةٍ في بغداد سنة 792 للهجرة، وتبِعَها بعد ذلك إنشاءُ مصحّاتٍ نفسيةٍ أخرى في دمشقَ، وبعضِ المناطقِ والبلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ، وفي هذه المستشفياتِ كان المرضى النفسيونَ يتلقّونَ معاملةً إنسانيةً في وقتٍ كان المطبِّبون المشعوِّذونَ في الدولِ المسيحيةِ يحرقونَ هؤلاء البؤساءَ، أو يوثِقونهم بالسلاسلِ في الأقبيةِ المهجورةِ المظلِمةِ حتى الموت ).

ولِسائلٍ أنْ يسألَ عن تداخُلِ الأمراضِ العقليةِ والنفسيةِ في الهمّةِ العالية، ولو أعادَ قراءةَ المقالِ مستحضراً تلك النفسَ المرهَفةَ الحساسةَ التواقةَ لِما هو أفضلُ على كافةِ الصعُدِ لَعلِمَ أنّ :

ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِه ,,,,  وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعَمُ

أثبتتْ دراسةٌ حديثةٌ أنّ الأذكياءَ هم الأقلُّ سعادةً وهناءةَ بالٍ، بينما أغلبُ الناسِ يكتفونَ بما يسدُّ الرمقَ من الحريةِ والنجاحِ والنهوضِ بأنفسِهم وغيرِهم، بل لا يطرأ لهم على بالٍ الهمَّ الرساليّ، ونفرِّقُ بينه وبين الهمِّ المثاليّ المجنحِ، والهمِّ الشخصي، فالأنا إذا تضخّمتْ لدَى؛ المُصلحِ فقدَ مصداقيتَه عند العقلاءِ والمراقبينَ بصدقٍ ،لما يأتي المصلحُ وما يذَرُ فلماذا أعطى؟ ولماذا منع؟ ولماذا قال؟ ولماذا سكت؟ كلُّها تحتَ الرصدِ، فإذا تلطّخَ ذاك الثوبُ الأبيضُ الشفّافُ بالمصلحةِ أو الهوى، لم يبقَ معه سِوى القطيعِ والجماهيرِ التي لا عقلَ لها ولا معَوّلَ عليها .

قيلَ لأبي سعيد البلخي: لمَ كان كلامُ السلفِ أنفعَ من كلامِ الخلَف ؟

قال : لأنه كان مرادُهم من كلامِهم ثلاثةَ أشياء : عزُّ الإسلام ، ونجاةُ النفوس ، ورضا الرحمن ، ومرادُنا من كلامِنا ثلاثةُ أشياء : عزُّ النفوس، وطلبُ الحُطام ، وثناءُ الناس .

قد يخطئُ المُصلحُ، وذلك من أبسطِ حقوقِه، ولكنّ الذي لا يحقُّ له هو أنْ يتناقضَ …

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إستراتيجية التفكير النقدي لحل المشاكل

إعداد – إسراء أبو زايدة تكمن أهمية التفكير النقدي بالمقدرة على تقييم المعلومات وفحص الآراء ...