الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » نقضُ الوعدِ الإلهي لنبيِّ اللهِ “إبراهيم” عليه السلام، بتمليكِ فلسطينَ

نقضُ الوعدِ الإلهي لنبيِّ اللهِ “إبراهيم” عليه السلام، بتمليكِ فلسطينَ

الأستاذُ الدكتور صالح “حسين الرقب” – أستاذ مشارك في قسم العقيدة و المذاهب المعاصرة

صالح الرقبتُعَدُّ فكرةُ الحقِّ الديني المُفترَى في فلسطينَ؛ من أهمِّ الذرائعِ التي تقومُ عليها الحركةُ الصهيونية، والتي حشتْ بها أدمِغةَ يهودِ العالم، والكثيرَ من أدمغةِ نصارى أوروبا وأمريكا، حيثُ يزعُمُ اليهودُ أنهم أصحابُ الأرضِ المقدسةِ -فلسطين- ومن تلك المزاعمِ أنّ اللهَ تعالى أعطى وعْداً إلهياً لنبيِّهِ “إبراهيم” عليه السلام؛ بتمليكِ أرضِ فلسطين.. وقد وردتْ في التوراةِ عِدّةُ نصوصٍ عن هذا الوعدِ المُفترَى، ومن ذلك: “وقال الربُّ لإبرام – إبراهيم- بعد اعتزالِ “لوط” عنه: ارفعْ عينيكَ، وانظُرْ من الموضعِ الذي أنتَ فيه شِمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً؛ لأنّ جميعَ الأرضِ _التي أنتَ تَرى_ لكَ أُعطيها ولِنَسلِكَ إلى الأبدِ” ومنها: “في ذلك اليومِ قطَعَ الربُّ مع أبرام ميثاقاً قائلاً: لِنسلِكَ أُعطي هذه الأرضَ؛ من نهرِ مصرَ إلى النهرِ الكبيرِ؛ نهرِ الفرات”.

ومنها: “وأُقيـمُ عهـدي بينـي وبينـَكَ، وبيـن نسـلِكَ من بعدِكَ في أجيالِهم؛ عهداً أبَدِيّاً لأكونَ إلهاً لكَ ولنسلِكَ من بعدِكَ، وأُعطي لكَ ولنسلِكَ من بعدِكَ أرضَ غُربتِكَ، كلُّ أرضِ كنعانَ مُلكاً أبدياً وأكونُ إلهَهُم”.

ومن خلالِ دراسةِ التوراةِ، ومجموعِ هذه الوعودِ؛ التي أُعطيتْ “لإبراهيمَ” عليه السلام، ولِنَسلِه من بعدِه، يتبيَّنُ الآتي:
– إنَّ الوعدَ الإلهيَ قد أعطاهُ الربٌّ “لإبراهيمَ” ولنسـلِه، ولم يكـنْ له عليه السلام أولادٌ، ولم يُنجِبْ وقتَها “إسماعيلَ أو إسحاقَ” وعلى هذا فإنّ لفظةَ “نَسلكَ” الواردةَ في النَّصَينَ؛ تشملُ ولَدَيه وذريَّتَهما دونَ تفرِقةٍ، وهذه اللفظةُ “نسلُكَ” ورَدتْ عامّةً مُطلَقةً لم تُقيَّدْ، ولو كان المقصودُ بها “إسحاق” كما يزعمُ يهودُ؛ لجاءَ هكذا “ولواحدٍ من نسلِكَ بعدَك” فالأرضُ إذاً ليستْ للإسرائيليينَ كما يزعُمونَ ذلك.

– إنَّ الوعـدَ المذكـورَ فـي النصِّ الثالـثِ؛ قـد أُعطيَ “لإبراهيم” وقد وُلِدَ له “إسماعيل” بل وعمُرُ “إسماعيل” وقتَها ثلاثةَ عشرَ عاماً، فإبراهيمُ عليـه السـلام؛ أُعطـيَ الوعدُ حسـَبَ نصِّ التكوينِ، وعمرُه: تسعةٌ وتسعونَ عاماً، وقد رُزقَ “إبراهيم” ولدَه “إسحاق” من زوجتِه “سارة” وعمرُه -حسَبَ روايةِ سفرِ التكوين_ مائةُ سنة،  وممّا يؤكّدُ أنّ هذا الوعدَ لإسماعيلَ فقط؛ كونُه هو الموجودُ، وجاءتْ لفظةُ “ولِنَسْلِكَ من بعدِك” موافِقةً تماماً مع مـا جـاء فـي سـفرِ التكويـنِ نفسـِه عن إسماعيل: “وابنُ الجاريةِ أيضاً؛ سأجعلُه أُمَّّةً؛ لأنه نَسلُكَ”.

وممّا يزيـدُ الأمـرَ توكيـداً؛ أنَّ الوعـدَ أُعطـيَ “لإبراهيمَ” مصحوباً بمبارَكةِ الربِّ له، ولأُمَّتِه ،وإسماعيلُ الولدُ الأكبرُ أوَّلُها- وللأُممِ التي كانت تسكُنُ أرضَ فلسطين، وهذه الأممُ هي: (الكنعانيون والفلسطينيون) بروايةِ الأسفارِ اليهودية، والأرضُ التي سكنوها؛ ذكرتْ في أكثرَ من موضعٍ من كتابِهم المقدس: أرضُ كنعان…أرضُ الفلسطينيين.

– إنَّ الوعدَ الإلهيَ _المُعطَى “لإبراهيمَ” ولِنَسلِه من بعدِه_ كان مُعلَّلاً بأسبابِه، وهي القيامُ بفرائضِ الربِّ وشرائعِه وأوامرِه. جاء في سفرِ التكوين: “من أجلِ أنّ إبراهيمَ سمِعَ لقولي، وحفظَ ما يحفظُ لي: أوامري وفرائضي وشرائعي”. فهل اليهودُ الذين جاءوا بعدَ “إبراهيم” من نسلِه، قد حفِظوا أوامرَ اللهِ، وقاموا بأداءِ فرائضِه وشرائعِه؛ ليكونوا أهلَ استحقاقِ الوعدِ الإلهي بعدَ “إبراهيم” عليه السلام؟! إنّ التوراةَ وغيرَها من الأسفارِ اليهوديةِ المقدّسـةِ، بالإضافـةِ إلـى الواقـعِ التاريخـيّ لليهـودِ قديماً وحديثاً؛ يقولون: “لا…لا”بل يؤكِّدونَ انحرافَ بني إسرائيلَ عن عبادةِ اللهِ وحدَه لا شريكَ له، وأنهم كانوا التاركينَ لشرائعِ اللهِ وفرائضِه، المُحرِّفينَ لكلامِه، القتلةَ لرُسلِه وأنبيائه، ومازالوا حتى يومِهم هذا؛ الخائنينَ لعهودِهم ومواثيقِهم مع اللهِ تعالى.

– إنَّ الوعدَ الإلهي الذي أُعطيَ “لإبراهيم” بتمليكِ الأرضِ المقدسةِ من نهرِ النيلِ إلى نهرِ الفراتِ -من مصرَ إلى العراق- يتناقضُ إلى حدٍّ كبيرٍ مع نصوصٍ توراتيةٍ أُخرى منها: “وقال الربُّ “لإبرام” اذهبْ من أرضِكَ ومن عشيرتِكَ، ومن بيتِ أبيكَ إلى الأرضِ التي أُريكَ”. “فإبراهيم” إذاً قد أُمِرَ بترْكِ الأرضِ التي كان يسكنُها؛ ليَمضيَ إلى الأرضِ التي أُعطيتْ له ولِنَسلِه، والأرضُ التي كان يسكنُها؛ هي بلادُ حرّان من أرضِ العراقِ، والأرضُ التي أُعطيتْ له من النيلِ إلى الفراتِ بالعراقِ، فتكونُ أرضُه وأرضُ عشيرتِه “حرّان” داخلةً في الأرضِ المقدّسةِ التي أُعطيتْ له، وفي نفس الوقتِ، أُمرَ بالخروجِ منها إلى الأرضِ المقدسةَ، وإذا كانت الأرضانِ مقدّستَينِ، فلماذا يأمرُه الربُّ بمُغادرةِ الأولى إلى الثانية؟! لماذا لا يبقى فيها لأنَّها مقدّسةٌ أيضاً؟! ولماذا يعطَى غيرَها وهي مقدّسةٌ؟! ألا يدُلُّ هذا على فكرٍ استعماريٍّ توسُّعِيٍّ؟! كما يدلُّ على التناقضِ والاضطرابِ في نصوصِ التوراةِ؛ التي يزعُمونَ قُدسيَّتَها.

وممّا يدُلُّ على عدمِ جدّيةِ الوعدِ الذي تزعُمه التوراةُ لإبراهيم: انتقالُه عليه السلامُ من فلسطينَ إلى مصرَ أكثرَ من مرّةٍ، ثُم انتقالُه إلى بلادِ الحجازِ أكثرَ من مرّة، وعدمُ استقرارِه التامِّ في أرضِ فلسطينَ المُعطاةِ بالوعدِ الإلهيِّ المقدّس.

– إنّ “إبراهيمَ” عَدَّ نفسَه غريباً عن فلسطينَ، وكانت أمنيَّتُه على أرضِ الواقعِ؛ أنْ يُعطَى من أهلِ الأرضِ مساحةَ قبرٍ لزوجتِه سارة: “أنا غريبٌ ونزيلٌ عندَكم، أعطوني مُلكَ قبرٍ معكم؛ لأَدفِنَ مَيِّتَتي من أمامي”. ولقد وهبَه “عفرون الحثي” حقلاً ومغارةً؛ أَعجبتْ إبراهيم.. وصار المكانُ مدفناً لإبراهيمَ ومَن بعدَه، حتى “يوسف” جلبوا عظامَه من مصرَ إلى المدفنِ العائلي، كما تروي التوراةُ..فإذا كانت الأرضُ له بوَعدٍ من اللهِ؛ فلماذا  يسألُ مساحةَ قبرٍ لزوجتِه؟! أليسَ هذا تناقضٌ واضحٌ يُبطِلُ مزاعمَ الوعدِ المقدّس، وقُدسيةَ الكتابِ المقدَّس.

– لقد أَعطى الربُّ وعداً “لإبراهيم” ونسلِه من بعدِه؛ بتمليكِ الأرضِ من نهرِ النيل -مصر- إلى نهرِ الفراتِ -العراق- ومن المعلومِ أنَّ هذا الوعدَ لم يتحقّقْ في عهدِ “إبراهيم” أو أحدٍ من نسلِه من الأنبياءِ، الذين جاءوا بعدَه، وإذ لم يتحقّقْ هذا الوعدُ الإلهي المزعومُ لأحدٍ من كِرامِ الأنبياءِ، وهم القائمونَ بفرائضِ الربِّ ووصاياهُ، والملتزِمونَ بأوامرِه وشرائعِه، فإنّ العقلَ والمنطقَ يجزِمانِ بأنه لن يتحقّقَ في عصرِ لِئامِ الناسِ وشِرارِهم الملعونينَ، على لسانِ الأنبياءِ في التوراةِ والإنجيلِ والقرآن، والذين استحقـُّوا وعيـدَ الـربِّ وغضبَه وتهديدَه بالفناءِ وتمزيقِ المُلكِ؛ كما جاء في التوراةِ التي يقرأونها في صلواتِهم، وسيأتي بيانُ ذلك. وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على أنّ الوعدَ المُفترَى ؛هو أسطورةٌ خياليةٌ أُضيفتْ إلى الكتابِ المقدسِ من جملةِ ما أَضافَه إليها كُهَّانُ وأحبارُ اليهودِ، لإعطاءِ صبغةٍ دينيةٍ لهدفٍ سياسيٍّ استيطانيٍّ استعماريّ.

– جاء في التوراةِ أنّ تنفيذَ وعدِ يهوه- إله اليهود- لإبراهيمَ في أرضِ كنعانَ؛ سيتِمُّ بعدَ أكثرَ من أربعِ مائةِ سنة: ” فقال لإبرام اعلَمْ يقيناً أنّ نسلَكَ سيكونُ غريباً في أرضٍ ليستْ لهم، ويُستعبَدونَ لهم، فيُذلُّونَهم أربعَ مائةِ سنة، ثُم الأمةُ التي يُستعبَدونَ لها، أنا أُدينُها، وبعدَ ذلك يُخرَجونَ بأملاكٍ جزيلةٍ، وأمّا أنتَ فتمضي إلى آبائكَ بسلامٍ، وتُدفَنُ بشَيبةٍ صالحةٍ، وفي الجيلِ الرابعِ يرجِعونَ إلى ههنا”. وهذا يتناقضُ مع الواقعِ التاريخيّ؛ الذي يفيدُ أنّ اليهودَ لم يمتلِكوا أرضَ الوعدِ الإلهيّ حتى الآن.

– إنَّ القرآنَ الكريمَ فيه نَهيٌّ صريحٌ لليهودِ والنصارى في إقحامِ “إبراهيمَ” عليه السلام، فيما يخُصُّهم بغيرِ دليلٍ واضحٍ، لأنَّ زمنَ “إبراهيم” عليه السلامُ كما هو معلومٌ سابقٌ للتوراةِ بنحوِ أربعةِ قرونٍ وزيادةٍ، والإنجيلُ نزلَ بعدَ التوراةِ بنحوِ عشرةِ قرونٍ تقريباً. قال تعالى:“يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإنجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ” آل عمران 65. وقال تعالى: “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ” آل عمران 68.

وكذلك الإنجيلُ يرُدُّ على اليهودِ ادِّعاءَ القُربِ من “إبراهيم” أو السيرِ على نهجِه، فنجدُ “عيسى” عليه السلام عندما قالوا له: “أبونا هو إبراهيمُ، قال لهم يسوع: لو كُنتم أولادَ “إبراهيم” لكنتم تعملونَ أعمالَ إبراهيم، ولكنّكم الآن تطلُبونَ أنْ تقتلوني، وأنا إنسانٌ قد كلَّمكُم بالحقِّ الذي سمِعتُه من الله، هذا لم يعملْهُ إبراهيم…أنتم من أبٍ هو إبليسُ”.

إنَّ أرضَ فلسطينَ كانت أرضَ أنبياءِ اللهِ ورُسلِه عليهم السلام، ولقد كان هؤلاءِ الأنبياءُ _عليهم السلام_ الذين عاشوا على أرضِ فلسطينَ وما حولَها، مسلِمين، وكانوا أئِمَّةَ هُدى وخيرٍ، لم يَعرِفوا سِوى الإسلامِ رسالةً ومنهجاً ودعوةً، وقد أخبرَ اللهُ تعالى في كتابِه المُحكَمِ عن هذا الأمر:-

– قال تعالى عن إبراهيمَ عليه السلام:(ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين) سورة آل عمران:67. وكان عليه السلام يدعو ربَّه بقولِه عزَّ وجلَّ:(ربَّنا واجعلْنا مسلمَينِ لكَ ومن ذريَّتِنا أمّةً مُسلِمةً لك) سورة البقرة:128.

– قال تعالى في شأنِ “إبراهيم” وذُريتِه من الأنبياء: إسماعيل وإسحاق ويعقوب وبَنيهِ الأسباط:(ومن يَرغبُ عن ملّةِ إبراهيم إلا من سَفِهَ نفسَه، ولقد اصطفيناهُ في الدنيا وإنَّه في الآخِرةِ لمن الصالحين إذ قال له ربُّه أسلِمْ، قال أسلمتُ لربِّ العالمين، ووصّى بها إبراهيمُ بَنيهِ ويعقوبُ، يا بَنيَّ إنَّ اللهَ اصطفى لكم الدينَ، فلا تموتُنَّ إلاّ وأنتم مسلمون، أَمْ كنتم شهداءَ إذ حضر يعقوبَ الموتُ، إذ قال لِبَنيهِ ما تعبدونَ من بعدي، قالوا نعبدُ إلهَكَ وإلهَ آبائك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهاً واحداً ونحن له مسلِمون) سورة البقرة:130-133.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الجهل بآفات اللسان

 بقلم د. ياسر فوجو أستاذ مساعد بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة لقد كرم الله ...