الرئيسية » كتاب الثريا » أراملُ فلسطينَ إلى أين ؟

أراملُ فلسطينَ إلى أين ؟

بقلم: أ. عبد الخالق البحيصي مدير دائرة الارشاد الأسري في مجلس القضاء الأعلى

فلسطينُ أرضُ الرسالاتِ، ومهدُ الحضاراتِ الإنسانيةِ، وقِبلةُ المسلمينَ الأُولى.

المرأة الفلسطينيةالحمدُ للِه الذي جعلَ الموتَ والحياةَ؛ ليَبلُوَكم أيّكُم أحسنُ عملاً , جعلَ الموتَ إيذاناً بقيامِ حرائرِ فلسطينَ؛ بدورٍ تعجزُ الرجالُ _في دولٍ أخرى_ عن القيامِ به! كيف لا؛ والمرأةُ الفلسطينيةُ تتعرّضُ لامتحاناتٍ عظيمةٍ واختباراتٍ قاسيةٍ، وهي تقومُ بدَورٍ رائدٍ في تربيةِ أبنائها، بعدَ وفاةِ زوجها.

تتعرّضُ الأُسرةُ الفلسطينيةُ _منذُ أكثرَ من سِتينَ عاماً _إلى القهرِ والعدوانِ المتواصلِ على كلِّ ما هو كائنٌ فلسطينيّ، حتى الحَجرُ والشجرُ لم يسلَم من العنفِ، وما نتجَ عن ذلكَ من تَزايُدِ عددِ الأراملِ لَدى المجتمعِ الفلسطينيّ .

نحن شعبٌ كُتبَ علينا الجهادُ والمقاومةُ؛ لتحريرِ أرضِنا ومقدَّساتِنا من الصهاينةِ؛ الذين اغتصبوا أرضَ فلسطينَ، وحوّلوا بيوتَها إلى أشباهٍ، وقطَعوا شجرَ الزيتونِ .

لقد بدأتْ الحركةُ الصهيونيةُ بتنظيمِ الهجرات ِاليهوديةِ إلى فلسطينَ، ومن ثَم تلا ذلك هجراتٌ متلاحقةٌ لليهودِ؛ هرَباً من الاضطهادِ النازيّ لهم، فقاموا بممارسةِ أبشعِ أنواعِ الاضطهادِ على سُكانِ فلسطينَ، وارتكبوا العديدَ من جرائمِ الحربِ والتطهيرِ العِرقي، وقاموا بتهجير ِالفلسطينيينَ من أراضيهم بالسلاحِ والإجرامِ  .

المرأةتلاحقتْ الحروبُ على قطاعِ غزةَ، وما يتِمُ من إعلانٍ للهُدنةِ بينَ المقاومةِ والكيانِ الصهيوني؛ إلاّ ويبدأُ المحتّلُ الإعدادَ لحربٍ أخرى، ممّا يُخلِّفُ العديدَ من الشهداءِ؛ الذين قضَوا نَحبَهم، وتركوا الآلافَ من أراملِ فلسطينَ. هذه هي المرأةُ الفلسطينيةُ؛ التي قامتْ بدَورِها على أكملِ صورةٍ، وكأنَّ زوجَها في رحلةٍ قصيرةٍ، رفضتْ كلَّ مَن تقدّمَ لها من الأزواجِ؛ واهبةً نفسَها للقيامِ برسالةٍ عظيمةٍ، واضعةً نُصْبَ عينيها أنها ستُزاحِمُ رسولَ اللهِ “صلى الله عليه وسلم” على بابِ الجنةِ ، استغنَتْ عن مَلذَّاتِ الحياةِ التي وضعَها الخالقُ في المرأةِ؛ من عاطفةِ الإشباعِ الجنسيِّ؛ مع حبيبِ قلبِها زوجِها الذي راحَ ضحيّةَ الحربِ الهمجيةِ على كلِّ ما هو فلسطينيّ، استغنتْ عن أنْ تعيشَ في كنفِ رجلٍ يحنو عليها! ويعطفُ عليها! ويقدّمُ لها كلَّ ما تحتاجُه من مطالبِ الحياةِ! وأنْ ترميَ هذا الحملَ على رجُلٍ! ولكنها أبَتْ إلا أنْ تقومَ بدَورِ البطولةِ، والبطولةِ المطلَقةِ في تربيةِ أبنائها؛ مُحتسِبةً ذلكَ عندَ اللهِ تعالى .

للهِ دَرُّكِ حرائرَ فلسطينَ، بل أراملَ فلسطينَ، التقيتُ معهُنَّ في محاضرةٍ لِمَحوِ الأميّةِ القانونيةِ في معهدِ أيتامِ غزةَ،  ووجدتُ أنهنَّ من أشر فِ الناسِ، ومن عائلاتِ غزةَ العريقةِ، وراءَ كلِّ امرأةٍ قصةٌ عظيمةٌ؛ تختبئُ وراءَها معاناتٌ كثيرةٌ، وجراحاتٌ تُدمي  القلوبَ، ولكنها صابرةٌ مثابِرةٌ مؤمنةٌ برسالتِها الخالدةِ، لا تبحثُ عن مَلَذاتِ الدنيا، لقد ألقتْ بها خلفَ ظهرِها، وانبرتْ لأداءِ رسالةِ تربيةِ فِلذةِ كبدِها؛ تربيةً صالحةً تعودُ عليها وعلى المجتمعِ بالخيرِ،  وهي تحلمَ باليومِ الذي ترى فيه ابنَها وابنتَها خرّيجةَ أعرَقِ الكليّاتِ الجامعيةِ، وهي تقفُ شامخةً يومُ تخرُّجِهم، تنهمرُ منها الدموعُ شَلالَ ماءٍ عذبٍ؛ يَسري على وَجنَتَيها الطاهرتينِ، وهي ترى دُفعاتِ الطلابِ الخرّيجينَ،  وفِلذةَ كبدِها؛ يتسلّمَ شهادةَ التخَرُجِ، فلقد أثمرَ زرْعُها ،وحانَ أكُلُها، إنها لحظةٌ فارِقةٌ عظيمةٌ؛ لا يشعرُ بها إلاّ صاحبُها، وفي هذه اللحظاتِ؛ تنسَى متاعبَ السنواتِ التي مرّتْ عليها؛ بينَ صيفٍ حارٍّ، وشتاءٍ قارصٍ، ونقصٍ من المواردِ، وخوفٍ من المستقبلِ، الذي لا تَظهرُ له ملامحُ .

أيتُها الأرملةُ؛ دَعينا نُقبِّلُ يدَيكِ، ونَنحني احتراماً وتقديراً لِدَورِكِ في  تحقيقِ هذه الرسالةِ؛ التي قُمتِ بها على أكملِ وَجهٍ وصورةٍ، ونجعلُ  مِن قصةِ كفاحِكِ  أُنموذجَاً يُحتذَى به لدى المجتمعاتِ المختلفةِ، وتأكّدي أنّ الثوابَ والأجرَ الجزيلَ عندَ ربِّ العبادِ.

فقد بلغَ من عنايةِ رسولِ اللهِ “صلى الله عليه وسلم” باليتيمِ؛ أنْ بَشَّرَ كافِليهِ؛ بأنهم رُفقاؤه في جنةٍ عَرضُها السمواتُ والأرضُ .

نسألُ اللهَ أنْ يُجزِلَ لَكُنَّ العطاءَ، ويباركَ لكُنَّ في ذرِّيتِكُنَّ ….

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أهلاً بالدراسةِ في الشوارع

أهلاً بالدراسةِ في الشوارع فيحاء شلش “براءة” طالبةٌ مدرسية، كانت تنتظرُ حلولَ العام الدراسي الجديدِ ...