الرئيسية » كتاب الثريا » الأسرةُ الفلسطينيةُ والمؤشر الاقتصادي

الأسرةُ الفلسطينيةُ والمؤشر الاقتصادي

بقلم الأستاذ / عبد الخالق محمد البحيصي مدير دائرة الوعظ و الإرشاد في المجلس الأعلى للقضاء الشرعي

تعيشُ غزةُ في حصارٍ خانق؛منذ العام 2007م من قِبل الكيانِ المسخِ الصهيوني، ولو نظرنا إلى هذا الحصارِ الظالم ِ،والذي ينافي كلَّ القيمِ الإنسانيةِ، والمواثيقِ الدولية ،التي تشيرُ إلى معاملةِ المدنيين معاملةً تليقُ بإنسانيتهم ،وتحفظُ كرامتهم ،ويستطيعون أنْ يمارسوا حياتَهم ،وهم يشعرون بآدميَّتِهم، وليس لمعايير ِالعنصريةِ والتطهيرِ أيُّ شكٍ في هذه الحياةِ، ولكننا أمام حالةٍ فريدة ٍ،وأمام استعمارٍ غاصبٍ؛ لا يعرف ُوزناً لكلِ المواثيقِ الدوليةِ لحقوقِ الإنسان .

تعرّضتْ غزةُ لحصار ٍخانقٍ؛ كان له دورٌ رئيسٌ في تفاقمِ الحالةِ الاقتصاديةِ؛ التي يعيشُها شعبُنا المناضلُ والمجاهد ُفي غزةَ العزة،  وكان دوراً واضحاً في زيادة ِنسبةِ البطالةِ وشُحِّ الوظائفِ التعليميةِ، إلى جانبِ مُعضِلةٍ كبيرة ٍ في اختفاءِ فرصِ العملِ لأكثرَ من خمسينَ ألفا ًمن العمالِ، كل ُّهذه الحقائقِ الاقتصاديةِ؛ كان لها تأثير ٌعميقٌ في الأسرةِ الفلسطينيةِ، بل رائدةٌ في خلقِ العديدِ من المشكلاتِ الأسريةِ، بل نكادُ نتخوفُ من تحوُّلِ هذه المشكلاتِ التي تعصفُ بالمجتمعِ الفلسطينيّ، و تمزِّقُ النسيجَ الاجتماعيَ، والعلاقاتِ الاجتماعيةَ بين العائلاتِ .

ما إنْ يستطيعُ الشابُّ الفلسطينيّ من توفير ِمهر ِالزوجةِ، واستدانةِ باقي تكاليفِ الفرحِ، والتي يحمِّلُ نفسَه ما لا تطيقُ من مظاهرِ الفرحِ، التي ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ، من صالةٍ بمواصفاتٍ باهظةِ التكاليفِ، من باب المظهريةِ والمكايدةِ، وإحضار ِمطربٍ يصدحُ بالحرامِ في ليلةِ الزفاتِ، بدلاً من التيسيرِ، وإدخالِ الفرحة ِعلى نفسِه وأهلهِ .

وبعد ما يسمّى بشهرِ العسلِ؛ تبدأ المشاكلُ تعصفُ بهذه الأسرةِ، أولها طلبُ الزوج ِمن زوجتِه أنْ تبيع َصداقَ مهرِها من مصوغاتٍ ذهبيةٍ؛ بحُجةِ تسديد ِما عليه من دينٍ، وطبعاً لوالدةِ الزوجِ نصيبُ الأسد ِفي حثِّ ابنِها البارِّ بها؛ بأنْ يضغط َعلى زوجتِه لبيعِ ذهبِها، والذي هو حقٌّ أصيلٌ للزوجةِ، مقابلَ التمتعِ بها، وهنا أناشدُ الزوجاتِ أنْ لا تبيعَ مصوغاتِها الذهبيةَ من أجلِ الزوجِ، وهنا لا أحرِّضُ الزوجةَ على طاعةِ زوجِها _حاش لله_ أنْ أكونَ كذلك.

ولكنْ من خلال عملِنا في المحاكمِ الشرعيةِ، وتعرُّفنا على المشاكلِ الأسريةِ؛ التي تُعرَضُ على المحاكم , ومن بابِ توثيقِ الحقوقِ بين الزوجينِ؛ لا مانعَ من بيعِ ذهبِ الزوجةِ لمصلحةِ الزوجِ، مقابلَ تسجيلِ ذلك في سندِ دَينٍ منظَّمٍ لَدى كاتبِ العدلِ .

لهذا نجد ُأنّ العاملَ الاقتصادي؛ له دورٌ كبير ٌفي استقرارِ الحياةِ الزوجيةِ من استطاعةِ الزوجِ أنْ يسكنَ في بيتٍ شرعي مع زوجتِه، دون تدخُلِ أهلِ الزوجين , كثير ُمن المشاكل ِالتي تتعرضُ لها الأسرةُن تستطيعُ الأسرةُ الوليدةُ أن تحلَّها دون تدخُلِ أيِّ طرفٍ، ولكنّ قلّة الموارد ِالاقتصاديةِ؛ دفعتْ الزوجينِ للعيشِ في غرفةٍ واحدةٍ داخلَ شقةِ الوالدين، ووجود ُالإخوةِ الكبارِ والأخواتِ، مما يتيحُ مجالاً للمفاضلةِ، وأحياناً الحسدُ وأحياناً أخرى تركيباتٌ نفسيةٌ معقدةٌ؛ تزيد ُمن سرعةِ حدوثِ المشكلة ِكالنارِ في الهشيمِ .

نعمْ؛ قلةُ المواردِ تدفعُ الزوجَ إلى تحميلِ نفسه ديونًا ؛لا يستطيع ُحملَها ،ويكونُ لها انعكاساتٌ خطيرةٌ على مستقبلِ استمراريةِ الحياةِ الزوجية .

أنْ تتركَ بيتَ الزوجيةِ، وتعول على أهلِها، ولا ينتظر ُسوى أيامٍ قليلةٍ؛ حتى يقومَ شرُّ البليّةِ ما يضحكُ. إنّ كثيرًا من أولياءِ أمورِ الزوجاتِ يوحِي إلى ابنتِه برفعِ دعوى (النفقةِ وعفشِ البيت) من بابِ استنزافِ الزوجِ، وحَملِه على طلاقِ زوجتِه؛ ليصلَ إلى عفشِ البيتِ، ومؤخَّرِ الصداق، وهذا يزيد ُاستنزافَ الزوج ِوتحميله ِما لا يطيقُ، ممّا يدفعُه إلى اتخاذِ قرارِ الطلاقِ؛ غيرَ مقدِّرٍ لمصيرِ الأبناء.

الاقتصادُ عصبُ الحياةِ، له تأثيرٌ كبير ٌعلى توفيرِ فرصِ العملِ للشبابِ، ويعطي مؤشراً للزواجِ في سنٍّ مناسبةٍ، حيثُ نجدُ أنّ سِنَّ الزواجِ بدأ يرتفعُ معدلُه العمري إلى ثلاثينَ عاماً، وربما مع تضاعفُ الضائقةِ الماليةِ يزدادُ هذا المعدلُ، لكننا نعولُ على التمسُّكِ بدينِنا الإسلامي؛ لأنّ فيه نجاحَنا في حياتِنا الدنيويةِ والأُخرويةِ، متمنينَ مستقبلاً زاهر اً ،واقتصاداً كاملاً، وحياةً أسريةً ناجحةً، بعيداً عن المشاكلِ التي تعصفُ بها.

عن أ. عبد الخالق البحيصي

أ. عبد الخالق محمد البحيصي. مدير الإرشاد والإصلاح الأسري – بديوان القضاء الشرعي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التواصُلُ الاجتماعيُّ مرّةً أُخرى

بقلم : مهيب أبو القمبز نِسبةُ الشبابِ الفلسطينيّ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ الإلكترونيةِ كبيرةٌ.. هذا ...