الرئيسية » طور حياتك » تنمية الشخصية ( مقاومة التهميش)

تنمية الشخصية ( مقاومة التهميش)

إعداد_ إسراء سعيد أبوزايدة
نحن نعيش في عصر المعادلات الصعبة؛ إذ إننا كثيراً ما نجد أنفسنا مخيرين بين أمرين، أحلاهما مر، وهذا بسبب التغير السريع الذي يحتاج كل شيء، وبسبب كثرة العوامل المؤثرة في حياتنا العامة.

حين كان الناس يعيشون في الصحارى والقرى الصغيرة، كانوا مغمورين بمشاعر العزلة، لكن تلك العزلة كانت تمنحهم شعوراً قوياً بالاستقلال والسيطرة على البيئة المحلية، كما أن العزلة كانت توفر حماية طبيعية لكل العناصر الضعيفة. اليوم اختلف كل شيء؛ إذ إن ثورة الاتصالات جعلت العالم أكثر ترابطاً، وصار من الممكن أن يجوع إنسان في أقصى الشرق بسبب قرار اتخذه إنسان في أقصى الغرب!
من المهم أن ندرك أننا نعيش في عالم مملوء بالأخطار، وليس هناك وضعية آمنة على نحو كامل، كما أنه ليس هناك قرار ليس له سلبيات، والتحدي يكمن في أن نتخذ القرار الأكثر إيجابية ونفعاً والأقل ضرراً.

إذا اتخذنا قراراً بالانفتاح على العالم وبالاندماج مع أفكار العصر وتطلعاته فإننا نواجه مخاطر الذوبان وفقد الهوية وإضاعة الاتجاه والأهداف الكبرى، كما أننا نكون قد أسلمنا قيادنا لقوى غاشمة ليس لبغيها وشرورها حدود، وإذا سرنا في طريق الانعزال، وركزنا أكثر على الخصوصية، وسيطرت علينا هواجس الخوف من الأشياء الجديدة، فإننا نعرض أنفسنا لمخاطر التهميش، فنصبح أشبه بسكان قرية على طريق سريع، نَزحوا منها إلى السكنى في مكان بعيد لا يرون فيه غريباً ولا يراهم أحد. نحن لا نؤمن بالانفتاح المطلق؛ لأنه يعرض شبابنا ومصالحنا لمخاطر هائلة، لا يمكن مقاومتها، ولا نؤمن بالعزلة؛ لأنها ستخرجنا من سياق العصر، وتؤدي بنا إلى الضعف الذي يأتي بمخاطر الذل والاستعباد من قبل من يملكون روح العصر وأدواته.

إذاً ما الذي علينا أن نعمله؟ وما الموقف الصحيح في هذه المسألة الشائكة؟

الجواب يكمن في ضرورة الاتجاه إلى الانفتاح المحدود وإلى قبول تحديات العصر والتفاعل معها عبر فهم دقيق لما يجري حولنا وعبر محاولة امتلاك الأخلاقيات التي تمكننا من أن نعيش زماننا في إطار مبادئنا، وهذه بعض الملاحظات السريعة:

(1)  قالت العرب قديماً: إن المحاصر لا يأتي بخير، أي إن الذي لا يملك سوى الدفاع عن نفسه من غير أي قدرة على الحركة والمناورة والمبادرة لا يُتوقع منه شيء عظيم أو استثنائي، وكل ساعة تمر عليه وهو محاصر تقلل من قدرته على الاستمرار في الدفاع وصد الخصوم والأعداء, أيضاً المهمش والذي أدمن المواقف الدفاعية والمتترس خلف نظام لا يرى أن في إمكان العقل البشري إبداع أفضل منه كل هؤلاء سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف أشبه بالمحاصر، وهذا ما استوعبه المسلمون الأوائل على نحو جيد، فاتخذوا من نشر الإسلام في الأرض وسيلة لجعلهم في موقف المبادر وفي قلب الأحداث العالمية، وبذلك تجاوزوا موقف الجامد والمحاصر والمهمش والخائف من الجديد.

(2)  مقاومة التهميش تتم من خلال الاعتقاد بأن ما لدينا من أوضاع ونظم ومعطيات ليس كاملاً، ولهذا فإننا نشعر أن  بإمكاننا أن نتعلم من غيرنا، وأن لدى الآخرين شيئاً مفيداً يمكن أن نتعلمه، وهذا الاعتقاد يشكل نقطة البداية، ويأتي بعد ذلك تأهيل النفس للسباحة في تيار قوي وسريع، وهذا التأهيل يقوم على الآتي:

 تعلم جيد والإنفاق بسخاء على الدراسة في مدارس وجامعات جيدة والحصول على أعلى الشهادات المتاحة.

 استقامة خلقية عالية، تجعل من صاحبها نموذجاً في الأمانة، وأهلاً للثقة، ومثالاً للمصداقية.

 محاولة العمل في مؤسسات وشركات (متعلمة) وذات تنظيم ممتاز؛ إذ إنها تكون أشبه بالجامعات التي تمنحك تدريباً عالياً، وإن العمل في بيئات مهترئة ومتخلفة يضع صاحبه في خانة المحاصر والمهمش سواء بسواء.

 العمل على فهم روح العصر؛ إذ إن كل حقبة زمنية تعد مجالاً لحركة أفكار وقيم وقوى معينة، وحين يستوعب المرء ذلك ولو على نحو منقوص فإنه يدفع عن نفسه شيئاً من التهميش على مستوى الوعي وعلى مستوى المعرفة. وأعتقد أن (الإعلام) المكتوب والمنظور والمسموع يشكل القوة الرئيسة الضاربة اليوم؛ وقد كان اليهود يقولون قبل قرن: من يملك المال يملك العالم، وهم يقولون اليوم: من يملك الإعلام يملك العالم، ومن هنا فإن المسلم المعاصر والذي يعيش فعلاً داخل تيار المعاصرة يحاول أن يستخدم الإعلام على أفضل وجه ممكن، وإذا لم يستطع، فإنه يحاول الاستفادة الشخصية من الإعلام على قدر الوسع والطاقة.

 الفاعلية والإنتاجية العالية شرطان مهمان لتفادي التهميش في زماننا؛ إذ إننا نعيش معركة شرسة على كل صعيد، وفي سوق العمل هناك عرض كبير وطلب قليل، والإنسان الفعّال جداً وذو الإنتاجية العالية يستطيع الحصول على عمل جيد، أما العاديون فسيجدون وظائف هامشية ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف على هامش الحياة.

 العلاقات الحسنة مع الناس مصدر رزق والأخلاق الحسنة أيضاً مصدر رزق، والقدرة على العمل ضمن فريق صفة مهمة اليوم من صفات ذوي الإنجاز العالي، ولا بد من فهم كل هذا والعمل بمقتضاه.

المصدر:  من كتابات عبد الكريم بكار

عن إسماعيل عاشور

مبرمج ومطور مواقع انترنت. ومهتم بقضايا الأسرة والمجتمع والديكور الحديث.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غير نمط حياتك

لماذا نحتاج إلى تغيير أنماط حياتنا؟ يظن البعض أن تغيير نمط الحياة يرتبط فقط بالتجديد ...