الرئيسية » أسرتي » آباء و أمهات » التمييز بين الأبناء يقتُل الأخُوَّة و يفتك بالأسرة

التمييز بين الأبناء يقتُل الأخُوَّة و يفتك بالأسرة

تقرير : عبد الرحمن الطهراوي

التفرقة بين الأبناءتفرقة و كره، تشتت و عناد و ضياع لأشخاص يجمعهم ذات البيت ، و تحيط بهم ذات الجدران لكن القلوب شتى ، هي نتائج محسومة للتفرقة في المعاملة بين الأبناء، فبينما يغدق الأهل على الابن المتفوق بالرعاية و الاهتمام، يجلس الابن ذو القدرات العلمية البسيطة حزينا يعاني ويلات التفرقة التي تؤثر على شتى تفاصيل حياته، في هذه المساحة تناقش “الثريا” هذه القضية و تسلط الضوء عليها.

“والِدَيَّ قتلوا شعوري بالأخوة بتفرقتهم بيني وبين أخي، لأنه مجتهد ومتفوق في دراسته، جميع طلباته تُلبَّى بالأمر، و مصروفه ضعف مصروفي، حتى التفرقة في الكسوة فوالدتي تشتري له أضعاف ما تشتري لي، و كل ذنبي أنني غير متفوق ، رغم محاولاتي؛ لكن هذه هي قدراتي فماذا أفعل؟
تساؤل اختتم به الشاب حواره “للثريا” يحمل معاناة قَصَّها لنا لتفتح المجال واسعا للحديث مع ذوي الاختصاص وتنبيه الآباء من آثار التفرقة في المعاملة بين الابن المتفوق وغير المتفوق والتي تنعكس سلبا على العلاقات الأسرية و تؤثر بدورها على المجتمع كله.

وهو ما يؤكده الواقع المعاش قبل الكلمات (ن،س)17 عاماً كان ملاذه الإصلاحية، وكان أساس مشكلته مع والده تمييزه لأخيه الأصغر بسبب تفوقه،  حيث يقول “للثريا”:”لم يتوان والدي عن توبيخي دائما، رغم محاولاتي أن أكون مجتهدا، و لم يقدِّر والدي تفاوت القدرات العقلية بين الأشخاص، فلا أجد الاحترام، ورغم أنني أكبر إخوتي إلا أن والدي يحرمني من المصروف، فابتعدت عن أهلي وتقربت من مجموعة من الأصدقاء قاد بي الأمر  إلى السرقة كي أتحصل على المال و اشتري ما يشتريه والدي لأخي الأصغر مني”.

وما زال (ن،س) يمضي مدة العقوبة في الأحداث، ولم يكن يعلم والديه أن تفرقتهم بين أبنائهم ستؤدي إلى تلك النتائج الكارثية.
وللآباء توجهت “الثريا”، تستمع إلى تجاربهم، وكيفية تعاملهم مع أبنائهم، فيقول محمد صالحة والبالغ من العمر 56 عاماً – والد لسبعة أبناء –للثريا: ” لا أرى بأنني أميز ولدا عن آخر، خصوصا ما يتعلق بالاجتهاد ولكن بالحقيقة يشعر أبنائي بتلك التفرقة، فالأب يُحب أن يرى أبناءه أحسن الناس، لكن لا أستطع أن أغير من عاداتي أو تصرفاتي تجاه أبنائي، فالولد المميز بدراسته أُجبَر على تشجيعه، ورغما عني تظهر بعض تصرفات التمييز دون إرادتي لكنني أحاول قدر المستطاع عدم اظهر ذلك “.

أما زهدي أحمد، والبالغ 38 عاماً من العمر – والد لخمسة أبناء – يقول: “معاملتي لأبنائي متساوية، فلا أفرق بين المميز بدراسته، وبين ما لم يحالفه الحظ، فهذا قدر الله، بل بالعكس دائما هناك رسائل واضحة بيني وبين أبنائي أنه مهما كان الخطأ فيجب إدراكه بالتصحيح و محاولة مساعدته و لكن ليس العبث بمشاعره لأن النتيجة ستكون عكسية”.

ليس العيب في السقوط

وللتمييز بين الأبناء حديث خاص، حيث النتائج السلبية التي تطال المجتمع ككل وليس الفرد بعينه. الأخصائي والاجتماعي و النفسي نور الدين محيسن  في لقائه مع الثريا يوضح آثار التمييز حيث يقول:” الأصل في علاقات الأبناء أن يعيشوا  متحابين لا يؤثر على علاقتهم شيء، إلا تراكمات قد تنشأ نتيجة أخطاء تربوية عفوية أحيانا مثل التفرقة بين الأبناء وعدم إعطاء كل منهم حقه، مما يؤثر على علاقة الأبناء فيما بينهم سلباً بحيث يزرع الحقد والكره في قلوبهم والفرقة بينهم وعدم تمني الخير لبعضهم ويقتل الصداقة التي تكون في أروع معانيها عندما تكون بين الأخوة”.

و يضيف محيسن :”فالتفرقة تسبب انعزالية الأخوان عن بعضهم، وبالتالي قد ينقطع بينهم الحديث في خصوصياتهم وأسرارهم ومشاركتهم لبعضهم أفراحهم وأحزانهم وعدم خوفهم بعضهم وجلوسهم مع بعضهم لفترات طويلة وعدم معرفة كل منهم بوضع أخيه وقد تصل أحيانا بهم الحال إلى كره بعضهم البعض وتمني ابتعاد الآخر عن المنزل حتى يخلو له الجو، لأنه يلقي اللوم على أخيه وليس على والديه لأنه يتخيل انه إن لم يكن موجود لما حدث ذلك كله”.

و يوضح محيسن أن الإخوة فيما بينهم في حالة مقارنة مستمرة بكل ما يملك أحدهم من صفات عقلية أو عضلية أو شكلية، وهنا يبدأ دور الوالدين، ومن أهم ما يمكن عمله هو الحرص التام على عدم وضع أيّ مقارنة بين الأبناء، حتى لا يشعر الابن غير المتفوق بالإحباط وبدلا من أن يجتهد  الابن ويكرس نفسه لإرضاء والديه، يكون العكس تماماً، ويسبب له العزلة والانطواء ناهيك عن التدني في التحصيل المدرسي، واللجوء إلى رفقاء السوء والتي تُدهور حالته إلى الأسوأ خاصة في مرحلة المراهقة “.

ويبين محيسن أثر هذا التمييز:” قد يؤدي الإحساس بالتمييز إلى الإصابة بأمراض نفسية عديدة. ويكون من نتيجة ذلك إخفاق الابن في تحقيق أهدافه المستقبلية وإشباع حاجاته الجسمية والنفسية والاجتماعية بشكل سوي، وضعف معنوياته وشعوره بالإخفاق والإحباط، ووقوعه تحت وطأة التوتر والصراع النفسيين”، مشيرا إلى أن كثيرا من الحالات عند الأطفال الذين تم التمييز ضدهم منذ الصغر، تبين بأن مشاعر الضيق والحقد قد ترافقهم عند بلوغهم، وقد تنعكس على معاملتهم مع أطفالهم في المستقبل.
وقد يعاني الطفل المفضل هو الآخر من نظرة إخوانه العدائية والكره الممارس ضده على مستوى السلوك اليومي، وقد يصل الأمر إلى مستوى إلحاق الضرر بالتجريح والمقاطعة والضرب في بعض الحالات.

وينصح محيسن لعلاج التمييز بين الأبناء بضرورة تنظيم ورش عمل للأهل، وزيادة نشر موضوعات متعلقة بكيفية التعامل مع الأبناء وكيفية التربية الإسلامية السليمة في وسائل الإعلام والصحافة والانترنت”، مضيفا ً أما رسالتي لأبنائي فالصبر، والطموح بأن الغد أنقى وأفضل، فبيدك اصنع نفسك، ولا تهتم لجميع الأمور”.

ويؤكد د. أنور البنا رئيس جمعية الدعم النفسي و المعنوي على ضرورة التعامل الجيد مع الابن ذو القدرات المحدودة بدلا من تهميشه، حيث يقول:” هذا الأمر يتطلب المزيد من الاهتمام في هذا الابن ومنذ المراحل التعليم الأولى، ولا يجب أن يتذكر الأهل ذلك بعد مرور الوقت، وبعد أن يصبح الابن يعاني من ضعف التحصيل التراكمي بل يجب الانتباه له منذ البداية وإعطائه المزيد من الاهتمام (في الوقت) دون أخوته في المذاكرة والاهتمام، و معرفة أصدقائه ، فإذا كان السبب تقصير الابن فيجب توجيهه ومتابعته متابعة مستمرة، وتغيير أصدقائه إذا كانوا هم السبب، وتنظيم وقته، وليس تركه وتعنيفه وتمييز إخوانه عنه، حيث سيحصل الوالدان على نتائج سلبية، وإذا اكتشف الوالدان أن تقصير الابن في الدراسة يعود لقدراته المحدودة فإن ذلك يتطلب مزيدا من الجهد والاهتمام به وتوجيهه وتشجيعه ومكافأته ومحاولة مساعدته في التعليم، وإذا كانت قدراته في الدراسة محدودة جدا لكنه يحمل ذكاءً اجتماعيا فيمكن إلحاقه بالتعليم المهني والحرفي الأمر الذي يجعله يشعر بكيانه، ويمكن من خلال ذلك معرفة ميوله وتنميتها لهذا ينبغي ألا نفقد هدوءنا وأن نشجع أبناءنا على مواكبة الدراسة بعبارات من قبيل: ستكون أفضل في المرة القادمة، وفي المراتب الأولى -إن شاء الله-، فكما يقول المثل “ليس العيب في أن نسقط ولكن العيب في أن لا نستطيع النهوض”.

أبناؤكم أمانة في أعناقكم فحافظوا عليها، ولا تقتلوا أجمل مشاعر الحب والاحترام بتفريقكم بينهم، بل اغرسوا فيهم جميل المعاني والأخلاق لأنهم عنوان الأمة ومستقبلها وبهم تنهض الشعوب وترتقي فنحن لا نعيش لنأكل ونشرب وننام فقط علموهم كيف يحملون هم الوطن والدين، ولن يتأتى ذلك إلا بالغرس الطيب الحب الصادق فيما بينهم.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انتبهي .. الهواتفُ الذكيةُ خطرٌ في أيدى أطفالِك !

تشيرُ الدّراساتُ إلى أنّ سيّئاتِ الهواتفِ الذّكيّةِ بيدِ الأطفالِ تفوقُ حسناتِه، ومن بينِ الأسبابِ التي ...