الرئيسية » مجتمع وناس » الأيتامُ..الجرحُ النازفُ في جسدِ المجتمعِ من أشواكِ الطمعِ والظلم

الأيتامُ..الجرحُ النازفُ في جسدِ المجتمعِ من أشواكِ الطمعِ والظلم

تحقيق: أنوار هنية

وجوهٌ بريئةٌ وعيونٌ باسمة، اختلطَ فيها الأملُ بالألم، أحالَ القهرُ ابتسامتِها إلى دموعٍ حارقةٍ بسببِ الطامعين، ذلك الطفلُ اليتيمُ الذي لم ينعمْ بحنانِ والدتِه ودِفء حِضنِها وقُبلاتِها، ولم يجدْ أباً يلاعبُه ويحملُه على كَتِفِه ويعلِّمُه المشيَ، ويساندُه في جميعِ مراحلِ حياتِه، فبدلاً من أنْ يتنسَّموا عبيرَ الإنسانيةِ؛ يجابهون القهرَ والظلم، أحياناً كَرْهاً وأحايينَ كثيرةً طوعاً؛ ممّن حولَهم الذين لم يقتنِصوا فرصةَ شرفِ صُحبةِ الرسولِ (صلى الله عليه وسلم) في الجنةِ؛ لِبعثرتِهِم أموالَ الأيتامِ، وتضييعِهم

فكيف نحفظُ حقوقَ أموالِ الأيتام؟ وما جزاءُ من يضيِّعُها؟ وهل يجوزُ الاستدانةَ من مالِ اليتيمِ؛ أو استثمارَهُ أموالَهم  ؟وماذا تفعلُ المحكمةُ الشرعيةُ إزاءَ ذلك؟  تلك التساؤلاتُ وغيرُها تبحثُها “الثريا” في مساحتها.

في ساحةِ المحكمةِ تعالتْ الأصواتُ من بعيد، واشتدَّ التراشُقُ باللسانِ بينَ رجلٍ ستينيٍّ، وامرأةٍ ثلاثينيةٍ أعقبَها: (حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيل)، خرجتْ من ” فيهِ” الأم، اقتربتْ منها “الثريا” وبعدَ لحظاتٍ قالت (ع، أ) الأمُّ التي تربّي أبناءَها الأيتامَ الأربعة: “بعدَ استشهادِ زوجي؛ طردَني والدُه من البيت، لأنني رفضتُ منذُ البدايةِ عمَلَ توكيلٍ له؛ أخذَ يحاربُني؛ وانتهى به الأمرُ لرفْعِ قضيةِ تبديدِ أموالِ الأيتام، ولكنّ اللهَ أظهرَ الحقيقةَ بعدَ الاطلاعِ على حسابِ أبنائي في البنك، والذي لم آخذْ منه شيئاً؛ لأنني أُنفقُ عليهِم من راتبي الذي أتقاضاهُ من عملي”.

وتتابع: “كما أنني أدَّخِرُ لهم كلَّ ما يتعلّقُ بهم، رُغم أنّ المحكمةَ الشرعيةَ تقرِّرُ صرْفَ مبلغٍ شهرياً؛ لكنني لا أُنفقُ عليهم منه، بينما يطمعُ جدُّهم في أموالهم، ليرسِلَها إلى تعليمِ ابنِه في تركيا، ولا يخجلُ من قولِ ذلكَ علانية، لكنّ المحكمةَ حكمتْ لصالحي بعد الاطِّلاعِ على كاملِ القضية”.

دكتور-ماهرالسوسي لم يكنْ ما حدثَ مَشهداً من مُسلسلٍ درامي، تعرِضُه الشاشةُ الصغيرةُ؛ إنما هو واقعٌ يعيشُه أبناءُ الأيتامِ من محاولاتِ إهدارٍ لأموالِهم، فقد تناسى بعضُ الأوصياءِ والأولياءِ حُكمَ أكلِ أموالِ الأيتامِ الذي يبيِّنُه د. “ماهر السوسي” رئيس لجنة الإفتاء بالجامعة الإسلامية بالقول: “لا يجوزُ أكْلُ أموالِ اليتامى في الشريعةِ الإسلامية؛ ذلك لوجودِ النصوصِ المُحرِّمةِ لهذا العمل، ومن هذه النصوصِ قولُ اللهِ تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)، فهذا نصٌّ صريحٌ في النهيِّ عن الاقترابِ من مالِ اليتيم؛ سواءٌ كان أكلاً أو إتلافاً أو سلباً أو غصباً أو غيرَ ذلك من وجوهِ الاعتداء، وقد عبَّرتْ الآيةُ الشريفةُ بلفظِ (تقربوا) دلالةً على التأكيدِ على النهيِّ؛ بمعنى أنّ مُجرَّدَ الاقترابِ من مالِ اليتيمِ بقصْدِ الإضرارِ بت؛ هو مُحرَّم، فيكونُ الإضرارُ بالفعلِ أشدَّ وأَبْلغَ في التحريم”.

ربما عمِلَ البعضُ بالحُكمِ الذي  بيَّنَهُ د.”السوسي”، لكنّ كثيراً منهم يتجاهلونَهُ عَمداً أو تهاوُناً، فكثيرٌ من الأوصياءِ يُخطئون التصرُّفَ بأموالِ الأيتام؛ لإيفاءِ متطلّباتِ الحياةِ المختلِفة، حيثُ حاولتْ (م، س) تسديدَ ديونِ زوجِها من أموالِ أبنائها الأيتام، وكما تقول: “سدَّدْتُ جزءاً من الدّيونِ من راتبِ زوجي؛ ولا أزالُ أفعلُ لأنها كثيرة، فلا يوجدُ بديلٌ آخَرُ، لكنني لا أعرفُ مدى جوازِ ذلك”. بتلك العبارةِ أنهتْ الأمُّ الأربعينيةُ حديثَها، وهي ذاتُها التي وجَّهناها للدكتور “ماهر السوسي” لتوضيحِ بعضِ الأمورِ التي تتلبَّسُ على أولياءِ وأوصياءِ الأيتام، فتؤدّي إلى تبديدِ أموالِهم، فأكّدَ د. السوسي: “لا يجوزُ تسديدُ ديونِ الزوجِ من أموالِ اليتامى، لأنّ ديونَ المتوفَّى لا تُسدَّدُ إلاّ من مالِه الذي يتركُه بعد وفاتِه، ومالُ اليتامى مُلكٌ لهم ؛لا لأبيهم المتوفَّى، ثم إنّ هذا المالَ مخصَّصٌ لإعاشتهِم لا لتسديدِ دَينِ أبيهِم”.

تبديدٌ غيرُ مُبرَّر

وفي قضيةٍ أخرى وصلتْ إلى المحكمةِ؛ سارعتْ (أ، ع) إلى رفْعِ قضيةٍ على عمِّ أبنائها (وهو الوليُّ) بعد أنْ اكتشفتْ تسلُّمَه أموالَ أبنائها من خلالِ جمعياتٍ لكفالةِ الأيتام، من خلالِ التوكيلِ الذي عملتْهُ له، بعد تهديدِهِ لها بإخراجِها من البيتِ؛ إذا لم تعملْ له التوكيل، فكان يحصلُ على الأموالِ؛ ولا يودِعُها في البنكِ باسمِ الأبناءِ كما هو مقرَّرٌ في المحكمةِ الشرعية، وبعد تَكرارِ ذلكَ عدّةَ مراتٍ؛ لجأتْ إلى المحكمةِ لرفْعِ قضيةٍ لمحاسَبةِ الوليّ، وبعد الاطِّلاعِ على تفاصيلِ القضيةِ؛ وإثباتِ ِصِحّةِ أقوالِها ؛تمَّ نقلُ الوَلايةِ إلى أحدِ أقرباءِ الأبناءِ؛ بعد الاتفاقِ مع الجميعِ على ذلكَ؛ مع عدَمِ تعرُّضِ العمِّ للزوجةِ والأبناء”.

ويُعقِّب د. “السوسي” على مِثلِ هذهِ القضيةِ بالقول: “إنّ ضابطَ تصرُّفِ الوليِّ أو الوصيِّ عند الفقهاءِ في مالِ اليتيمِ؛ هو المصلحةُ، وهذا يعني أنّ التصرُّفَ إذا كان لا يحقِّقُ مصلحةً؛ فإنّ للقضاءِ أنْ يسحبَ الوصايةَ أو الوَلايةَ من الوصيِّ أو الوليِّ؛ الذي يسيءُ التصرُّفَ في مالِ اليتيم. وعندما نتحدّثُ عن المصلحةِ؛ فإننا نعني المصلحةَ التي يقرِّرُها الشرعُ، لا المصلحةَ التي يقرِّرُها الوليُّ أو الوصيُّ، وهذه المصلحةُ محصورةٌ في حدودِ نفقةِ اليتيمِ بما يتناسبُ مع نفقةِ أمثالِه من الناس، بحيث تلبِّي متطلباتِ أكلِه وشربِه وتعليمِه وتمريضِه وكسوتِه ومسكنِه”.

وما أدلى به د. “السوسي” هو ما تلجأُ إليه المحكمةُ كآليةٍ من آلياتِ الحفاظِ على أموالِ الأيتامِ من التبديدِ والضياعِ؛ حيث يقولُ الدكتور “حسن الجوجو” رئيسُ المجلسِ الأعلى للقضاءِ الشرعيِّ لـ “السعادة”: “ثبتَ من خلالِ الشكاوَى التي ترِدُ إلى المحكمةِ؛ تقصيرُ بعضِ الأوصياءِ والأولياءِ في حفظِ أموالِ الصغارِ؛ بما فيهِ من المصلحةِ لهم، ويتمُّ عزلُ هؤلاءِ وتعيينُ آخرينَ أُمناءَ وثقاتَ؛ يقوموا على مصالحِ الأبناء”.

ويبيِّنُ د. “الجوجو” صفاتِ الشخصِ الذي يُعيَّنُ من قِبلِ المحكمةِ قائلا: “من شروطِ الوليِّ أنْ يكونَ أميناً مستقيماً، ويستطيعَ الحفاظَ على أموالِ الأيتامِ بما فيهِ المصلحةُ لهم، ويُحبَّذُ أنْ يكونَ قريباً لهم؛ وإذا لم نجدْ قريباً لهم؛ يتمُّ تعيينُ شخصٍ آخرَ ذي ثقةٍ وأمانةٍ؛ ويتمُّ تنفيذُ القرار، ويحاسَبُ من يُخِلَّ به”.

وعلى الرُّغمِ من الإجراءاتِ التي تتخذُها المحكمةُ الشرعيةُ؛ إلاّ أنّ هناك من يحاولُ الالتفافَ على أموالِ الأيتامِ بطرُقٍ مختلفة، فقد يلجأُ بعضُ الأقاربِ؛ وهم أولياءُ على الأبناءِ بعدَ وفاةِ والدِهم إلى الاستدانةِ من الأموالِ التي يحصلُ عليها الأيتامُ، حيث لجأَ (ع، م) إلى الاستدانةِ من الأموالِ المخصَّصةِ لأولادِ أخيهِ الأيتام؛ كما تقولُ والدتُهم دونَ عِلمِ الأبناءِ بذلك: “لقد استدانَ عمُّهم من الأموالِ المخصَّصةِ لهم دونَ عِلمِ الأبناءِ؛ ولم أستطِعْ منْعَهُ من ذلكَ تجنُّباً لحدوثِ المشاكلِ؛ وأخشى أنْ تطولَ مدَّةُ الاستدانةِ؛ أو عدمُ إرجاعِ المال ؛  خصوصاً و أنني لم أكتبْ وصْلاً أو غيرَ ذلك.

ولمعرفةِ حُكمِ ذلك شرعاً؛ استوضحتْ “الثريا” من د. “السوسي” الذي قال: “لا يجوزُ التصرُّفُ في مالِ اليتيمِ إلا فيما فيهِ مصلحتُه، وهذا التصرُّفُ، يعني أنّ الاستدانةَ من مالِه ليس في مصلحتِه، سواءٌ علِمَ أَمْ لم يعلمْ؛ ذلك أنّ هذا المالَ هو أمانةٌ عند الوصيِّ أوِ الوليِّ، ومعلومٌ أنّ الإنسانَ لا يجوزُ له أنْ يتصرَّفَ فيما عندَهُ من أماناتٍ إلاّ بإذنِ أصحابِها، ومعلومٌ أنّ الأيتامَ هم غيرُ بالغينَ ولا راشدينَ، وعليه فإنّ إذْنَهم غيرُ مُعتَدٍّ بهِ، لذا لا يجوزُ الاستدانةُ من أموالِهم بحالٍ من الأحوال”.  

وفي قضيةٍ مختلفةٍ سارَعَ (خ، ف) إلى فتْحِ حسابٍ لابنتِه الصغيرةِ التي لم تتجاوزْ الثمانيةَ أعوامٍ؛ بعد وفاةِ والدتِها التي كانت تُعطي كاملَ راتبِها له قبلَ وفاتِها، فلم تدَّخرْ منه شيئاً، ومع عِلمِه بذلك يطالبُ والدةَ زوجتهِ المتوفاةِ بأموالِها التي يدَّعي أنه سيضعُها في حسابِ ابنتِه الصغيرة، التي تكرهُ أنْ تسمعَ صوتَهُ، وتقولُ ببراءةٍ يخالطُها قهرٌ لا يحتملُه جسدُها الصغير: “طلّقَ أمي؛ وبعدَ وفاتِها يبحثُ عن مالِها ليأخذَهُ بحُجةِ وضْعِه في حسابي في البنك ؛ويقولُ أنه سيشتري لي بيتاً من المالِ، لا أعرفُ أيَّ جشَعٍ هذا؟”. وتتساءلُ بألم: “من يستطيعُ أنْ يوقفَ ظلمَهُ؟”.

جاءتْ كلماتُها صاعقةً لكلِّ من يحملُ ذرةً من الإحساس، فمَن هم في مثلِ سِنِّها يلهونَ بألعابِهم، وينعَمونَ بحِضنِ والديهِم، لكنّها تقاسي حرمانَ والدتِها المتوفاةِ؛ وظُلمَ والدِها الذي يبحثُ عن المالِ بحُجةِ إيداعِه باسمِها؛ رُغم أنه لم يسألْ عنها قَط.

ألا يكفي ما ألمِّ بنا!

وفي لقاءِ “الثريا” مع بعضِ الأيتامِ الذين يحملونَ ذاتَ الألمِ، يقولُ (و،ع) 15 عاماً: (لا أعلمُ لماذا يفعلونَ ذلكَ؟ بدَلاً من أنْ يحفظوا لنا مالَنا؛ يطمعون فيهِ، فلماذا يبحثُ جَدِّي عن مالِنا لينفِقَهُ على عمّي لإكمالِ دراستِه العليا؟ ألسْنا نحنُ أحقُّ بأموالِنا؟ ألا يكفينا ما حلَّ بنا؟).

وجاءتْ كلماتُ “هِبَة” (17عاماً) خافِتةً: “نحنُ أحقُّ بأموالِنا لإكمالِ دراستِنا في الجامعةِ أنا وأخي، فلم يتبقَّ إلاّ عامٌ واحدٌ لندخلَ الجامعةَ؛ فمن سينفقُ علينا! هل سينفقُ علينا عمي الذي استدانَ من مالِنا منذُ ثلاثِ سنواتٍ؛ ليعملَ مشروعاً؛ وخسِرَ فيه، وكلّما طالبتْهُ والدتي بالمالِ؛ يقولُ لقد خسرتُ المشروع؟ ما ذنبنا نحن في ذلك؟ ألا يكفي أنّ أبناءَه يعيشون في كنفِهِ؛ بينما نحن محرومون من والِدنا! أنُحرَمُ كذلك من الحصولِ على أقلِّ القليلِ من حقوقِنا المشروعةِ؟ أشعرُ بالكُرهِ تُجاهَهم”.

ويشاطرُها الشعورَ(أ، ح) (14 عاماً) الذي يقول: “عملتْ والدتي توكيلاً لجدِّي؛ ويذهبُ جدّي شهرياً لاستلامِ الراتبِ من البنك، وبدلاً من أنْ يُعطينا كاملَ الراتبِ لنتصرَّفَ به ؛يأخذُ منه ليُنفقَ على عمّتي وجدّتي؛ رُغم أنه يملكُ سوبر ماركت، وكثيراً ما يأخذُ من الراتبِ لينفِقَ على الولائمِ التي يقيمُها لعمّاتي المتزوجات، ويأتي منتصفَ الشهرِ وقد نفِدَ الراتبُ؛ ويساعدُنا أخوالي في النفقة”. و يتابع: “أعِدُّ الأيامَ عدّاً كي أبلغَ الثمانيةَ عشرَ؛ وأصبحَ صاحبَ التصرُّف، كي لا نكونَ تحتَ رحمةِ أحد، ووقتَها لن أتعرَّفَ إلاّ على والدتي وإخوتي فقط”.

كلمة المحكمة

re_1391701472ويبيِّنُ د. “الجوجو” كيفيّةَ تعامُلِ المحكمةِ في قضيةِ الأيتامِ فيقول: “تعامُلُنا في قضيةِ الأيتامِ له تفريعاتٌ معيَّنة؛ ففي حالِ كانت زوجةَ شهيدٍ لها أبناءُ، وكان الشهيدُ عسكرياً ؛ ويتبعُ للماليةِ العسكريةِ، في هذه الحالةِ، يكونُ للأبناءِ نصيبٌ وللزوجةِ وللوالدين، وهنا تحدثُ المشاكلُ بين الحاضِنةِ وهي( الأمُّ) وبين الوليِّ وهو (الجدُّ) إذا كان موجوداً ؛أو الأعمامُ في حالِ عدمِ وجودِه، بقضيةِ الاستحقاقات. فقد تُصرَفُ مبالغُ كبيرةٌ في غيرِ محلِّها، وتتبعثرُ أموالُ الأيتامِ؛ وهنا كان دورُ المحكمةِ الشرعيةِ؛ بحيثُ يتمُّ فتحُ حسابٍ باسمِ الأبناءِ، وتخصيصُ نفقةٍ معيَّنةٍ؛ تكفي لعيشِ الأبناءِ بكرامةٍ دونَ احتياج، وذلك حفاظاً على أموالِهم”. ويوضّح د. “الجوجو” نصيبَ الزوجةِ في راتبِ الزوجِ؛ بحيثُ يكونُ نصيبُ الزوجةِ الرُّبُعَ في حالِ عدمِ وجودِ الأبناء، والثُّمُن في حالِ وجودِهم، وحينما تتزوجُ لا تأخذُ شيئاً.

وحولَ رؤيةِ المحكمةِ في إشراكِ أشخاصٍ آخرينَ؛ سواءٌ أقاربُ الزوجِ أو الزوجةِ في النفقةِ المخصَّصةِ من قِبلِ المحكمةِ الشرعيةِ للأيتامِ؛ يعقِّبُ د. “الجوجو” بالقول: “يعيلُ راتبُ الشهيدِ مَنْ كان يعيلُهم في حياتِه؛ إذا كان يعيلُ والديهِ أو أختاً له؛ يستمرُّ في إعالتِها، بمعنى أنَّ منْ كان يعيلُهم في حياتِه؛ يسري بعدَ وفاتِه”. وهو ما يؤكّدُه د. “السوسي” بالقول: “لا يجوزُ الإنفاقُ على أحدٍ من مالِ اليتيمِ إلاّ في حالةٍ واحدةٍ فقط؛ وهي أنْ يكونَ كافلُ هذا اليتيمِ محتاجاً، ولا مالَ له، فإنه يأكلُ من مالِ اليتيمِ بالمعروفِ، وفي هذا يقولُ اللهُ تعالى: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)، حيثُ أمرتْ الآيةُ الوصيَّ الغنيَّ أنْ يستعفِِفَ عن مالِ اليتيمِ؛ ولا يصيبَ منه شيئاً، وأباحَ للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكلَ منهُ بالمعروفِ، أيْ بالقدرِ الذي لا يتضررُ منه هذا المالُ، ولا صاحبُه اليتيم”.

وذلك ما يدفعُنا للسؤالِ عن شرعيةِ استثمارِ أموالِ الأيتامِ التي يقولُ عنها د. “السوسي”: “ورَدَ في الأثَرِ عن عمرِ بنِ الخطابِ رضي اللهُ عنه قال: “اتَّجِروا في أموالِ اليتامى كي لا تأكلَها الصدقةُ”، فمِنَ المعلومِ أنّ مالَ اليتيمِ إذا توفّرتْ فيه شروطُ وجوبِ الزكاةِ؛ وجَبَ إخراجُها منه، وبناءً عليه فإنّ الشرعَ يحضُّ على استثمارِ هذا المالِ حتى لا تأكلَه الصدقةُ؛ ولكنْ يصحُّ هذا الأمرُ بشروطٍ يوضِّحُها د.” السوسي”: “أنْ يكونَ القائمُ على هذا المشروعِ خبيراً فيه، فلا يصحُّ أنْ يتاجرَ الوصيُّ بأموالِ اليتيمِ؛ وهو يجهلُ أصولَ التجارةِ، وأنْ يتَّسِمَ بالأمانة، وأنْ لا يدفعَ هذا المالَ إلاّ إلى شخصٍ مؤتمَنٍ مشهودٍ له بذلك، كذلك أنْ يكونَ المشروعُ من المشاريعِ التي يغلِبُ عليهِ الظنُّ أنها تحقّقُ رِبحاً لليتيم”.

ويضيفُ د. “السوسي”: “وأنْ لا يجازفَ بمالِ اليتيمِ في مشاريعَ ؛غالبُ الأمرِ فيها أنها لا تربح، أو أنّ احتمالَ الرِّبحِ فيها قليل، كذلك أنْ تكونَ ظروفُ البلدِ مواتيةً لإقامةِ المشاريع، وأنْ لا يكونَ هناك كسادٌ في الاقتصاد، وأنْ يكونَ العملُ في مالِ اليتيمِ فيما أحلَّهُ اللهُ تعالى، فيبتعدُ عن الاتِّجارِ بالمُحرَّماتِ مثلاً، أو إقراضِ المالِ بالرِّبا وغيرِ ذلك، والمُهمُّ في ذلك أنْ يشهدَ اثنانِ أو أكثرُ من الشهودِ على المشروعِ الذي سيقومُ به، ويطَّلعَ الشهودُ على ضماناتِ نجاحِ هذا المشروع، وإذا لم تتوفرْ كلُّ هذه الشروطِ؛ وقام الوصيُّ أو الوليُّ باستثمارِ مالِ اليتيمِ؛ وخسِرَ هذا المالَ فإنه يضمنُه، ويطالَبُ بتعويضِ الخسارةِ التي تسبَّبَ بها”.

تتحمّل المسئولية!!

وبالعودةِ إلى د. “الجوجو” الذي يبيِّنُ بعضَ المشكلاتِ التي تساهمُ في تبديدِ أموالِ الأيتامِ يقول: “المشكلةُ التي نواجهُها في المجتمعِ هي الأموالُ التي تُصرفُ من قِبلِ الجمعياتِ الخيريةِ، فلا بدّ من ضبْطِها، ووضْعِها في حسابِ الأبناءِ؛ كما هو الحالُ في موضوعِ التأمينِ والمعاشاتِ الذي يتمُّ ضبطُه بتوجيهٍ من المحكمةِ الشرعية.

ويُحمِّلُ د. “الجوجو” هذه الجمعياتِ المسئوليةَ في ضياعِ أموالِ الأيتامِ وتبديدِ؛ها لأنّ الكثيرَ من الأولياءِ والأوصياءِ لا يلتزمونَ بصرْفِها للأيتامِ؛ بحيثُ تعطى للأمِّ أو الوكيلِ دونَ ضابطٍ من المحكمةِ الشرعية، والأصلُ أنْ تحدِّدَ المحكمةُ الشرعيةُ للأمِّ ؛كم تأخذُ وكذلكَ الوليُّ؛ وهو الجدُّ وهو يشرفُ على الوَلايةِ الماليةِ؛ بحيث لا يعطَّلُ دورُ الأمِّ في الإنفاق، والأصلُ أنْ تنهجَ مؤسساتُ المجتمعِ المدنيِّ نهجَ الشريعةِ الإسلامية، بحيث يمنعُ منعاً باتّاً إعطاءُ الوليِّ، أو الحاضنةِ إلا بتوجيهٍ من المحكمةِ؛ وكما هو مُفعَّلٌ يُمنعُ الوليُّ والوصيُّ من سحْبِ أو إيداعِ أيِّ مبالغَ للقاصرينَ؛ إلاّ بإذنٍ من المحكمةِ الشرعية.

لكنْ قد يلجأُ بعضُ الأوصياءِ والأولياءِ إلى سحْبِ الأموالِ بحُججٍ معيَّنةٍ؛ كشراءِ احتياجاتٍ للأبناء؟ سألتْ “السعادة” عن ذلك د. “الجوجو” فقال: “في حالٍ أرادَ الوصيُّ أو الوليُّ شراءَ أمورٍ معيّنةٍ للأيتامِ؛ لا يستجابُ للطلبِ إلاّ بالتحرّي والتأكُّدِ من الشراء، مهما كان المسمَّى ؛لِما فيه مصلحةٌ للأطفالِ وبعيداً عن التبديدِ لأموالِهم، فيتمُّ بإشرافِ المحكمةِ الشرعيةِ؛ ولا يحدُثُ إلاّ بموافقتِها، وأيُّ سحْبٍ لابدّ من موافقةِ المحكمةِ على ذلك، والتوثيقِ من محكمةِ الاستئناف، وبعد دراسةِ المِلفِ؛ توافقُ المحكمةُ العليا ؛وهي تتكونُ من ستةِ قُضاة، وبعد دراسةِ المصلحةِ العُليا تتمُّ الموافقة.

وفي سؤالِنا عن العمرِ الذي يعطي لليتيمِ الحقَّ في أموالِه يقولُ د. “الجوجو”: “بعد سنِّ الثامنِ عشرَ يحقُّ لليتيمِ القاصِرِ التوجُّهُ للمحكمةِ الشرعيةِ وعملُ حُجةِ إثباتِ رُشْد، وبعدَ التأكُّدِ من أنه بلغَ سنَّ الرُّشدِ؛ ويحسنُ التصرُّفَ، تعطيهِ المحكمةُ الحقَّ في إدارةِ أملاكِه دونَ الحاجةِ لوصايةٍ؛ ويأخذُ جميعَ أموالِه حسَب قانونِ الأحوالِ المدنية”.

وبعد ذلك العرضِ السريعِ، حُقَّ لنا أن نقتديَ برسولِنا “محمد صلى الله عليه وسلم” الذي ضربَ لنا أروعَ الأمثلةِ في التعامُلِ مع اليتيم، ورعايتِه اجتماعياً ونفسياً ومالياً وتلبيةِ احتياجاتِه، فقد كان يمسحُ على رأسِ اليتيمِ ويقول: (من مسحَ على رأسِ يتيمٍ؛ لم يمسحْهُ إلاّ للهِ؛ كان له في كلِّ شعرةٍ مرتْ عليها يدُه حسناتٌ، ومن أحسنَ إلى يتيمةٍ أو يتيمٍ عنده؛ كنتُ أنا وهو في الجنةِ كهاتين)، وهي مسئوليةٌ جماعيةٌ وليستْ فرديةً لتلبيةِ احتياجاتِه العاطفيةِ والنفسيةِ والاجتماعيةِ والماليةِ، وما يجبُ فِعلُه هو أنْ يتَّقي الأولياءُ والأوصياءُ اللهَ في الأيتامِ وحقوقِهم وأموالِهم.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تهيئة الطفل للذهاب للمدرسة والروضة

السمتشارة الاسرية: سناء عيسى يحتاج الطفل إلى تهيئة عند الانتقال من أي مرحلة لأخرى ليشعر ...