الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » شموعُ الموتِ تَخطفُ أرواحَ الأشقاءِ الثلاثة..

شموعُ الموتِ تَخطفُ أرواحَ الأشقاءِ الثلاثة..

الثريا: أنوار هنية

انطفأ لهيبُ الشمعةِ، وأَطفأتْ معها حياةَ ثلاثةِ أطفالٍ، في عُمرِ الزهورِ، لم تشفعْ لهم سُنونَ عمرِهم القليلةُ، ولا ضحكاتُهم التي لن تعودَ مرّةً أخرى تَصدحُ في أرجاءِ البيتِ المُهترئِ، الذي يعكسُ حالَ فقرٍ تَسترُه جدرانُ الحاصلِ الذي يقطنونَه بمُسمَّى “بيت” تبرّعَ به أهلُ الخيرِ لهم، لا يملكونَ أدنَى متطلباتِ الحياةِ، فكانت الشموعُ سبيلَهم لإنارةِ البيتِ، لكنهم لم يَعلَموا أنها ستكونُ سبباً لإنهاءِ حياةِ أبنائهم.

فقسوةُ الحياةِ و الحصارِ لم تُعطِ لهم الكثيرَ من الخِياراتِ، فالكشّافُ والإنارةُ والِّلداتُ التي استخدمَها الغزيّونَ بديلاً عن الكهرباءِ، التي لا يراها سكانُ القطاعِ سِوى سويعاتٍ قليلةٍ لا تكفي لإنهاءِ وجبةِ غسيلٍ، بفِعلِ تآمُرِ القريبِ و البعيدِ على غزةَ، لم يكنْ لهذه العائلةِ نصيبٌ منها، فالشموعُ أقلُّ تكلفةً لبيت لا يجدُ أهلُه أدنَى متطلباتِ الحياةِ الإنسانيةِ.

يسرا و ناصر و رهف“رهف” التي لم تتجاوزْ العامينِ، “ويُسرا” ذاتُ الثلاثةِ أعوامٍ، و رضيعٌ اسمُه “ناصر”، ثلاثةُ أشِقاءَ تحوّلتْ أجسادُهم الصغيرةُ إلى اللونِ الفحميِّ، تعثَّرَ الجيرانُ و أهلُ الحيِّ _الذين هبّوا لنجدتِهم_ بأقدامِهم التي توَشّحتْ بالسوادِ؛ عندما اندلعَ الحريقُ في بيتِهم مساءً، حينما علا صراخُ الأُمِّ التي هالَها مَشهدُ النيرانِ، و هي تلتهمُ غرفةَ أبنائها الثلاثةِ، الذين كانوا ينتظرونَ وجبةَ العشاءِ الذي كانت تُعِدُّه لهم في المطبخِ، بينما يتهامسُ الأطفالُ في الغرفةِ فرِحينَ بنُزهةِ الشاطئِ التي كانت آخِرَ “جَمْعة” لهم مع والدِيهم.

كانوا على موعدٍ مع الموتِ بدونِ وداعٍ!، ومع الاحتراقِ بدونِ استئذانٍ!، أكلتْ النيرانُ أحلامَهم، و طوَتْ سِني أعمارِهم!، اختطفتْ ضحكاتِهم! ، أحاديثهم، مشاغباتِهم، و صوتَ الفرحِ في حلقِهم، لن يَسموَ صوتُ “رهف”!، و لن تُرضِعَ “ناصر” مرةً أخرى!، ولن تَضُمَّ حبيبتَها “يُسرا”!، لن تستيقظَ على أصواتِهم مرةً أخرى!، لن تجدَ أيديهِم تلامسُ وجهَها، و توقظُها لتحضيرِ وجبةِ الإفطارِ!.

شموع الموتفلا صوتَ، و لا حركةَ، و لا همسَ، ولا صراخَ يعلو في المكانِ؛ أيُّهم سينالُ شرفَ الجلوسِ في حِضنِ والدِه على مائدةِ الطعامِ، لكنه قدَرُ اللهِ الذي لا يُقابَلُ سِوى ب”إنّا للهِ و إنا إليه راجعون”، وقدَرُ أهلِ غزةَ أنْ يعيشوا الحصارَ منذُ عشرِ سنينَ، ويُكوَى سكانُها بنارِ القهرِ و الظلمِ و الحرمانِ من أبسطِ الحقوقِ الآدَميةِ، فلا ماءَ و لا كهرباءَ، ولا بيوتَ تأوي ساكنيها بعدَ حروبٍ ثلاثٍ، دمّرتْ معها معالمَ القطاعِ، و استبدلَ الناسُ بيوتَهم _التي دُمرتْ فوقَ رؤوسِ ساكنيها_ بالخيامِ و الكرافاناتِ التي لا تقيهِم حرَّ الصيفِ و لا بردَ الشتاءِ.

والكهرباءُ فصلٌ من فصولِ المعاناةِ المستمرةِ؛ التي يشاركُ بها بنو جِلدتِنا، وما بين ضريبة “البلو” التي تفرِضُها “حكومةُ الوفاقِ الوطني”؛ إلى شُحِّ السولارِ والبنزينِ في قطاعِ غزةَ؛ بفعلِ إغلاقِ المعابرِ والحصارِ، مروراً بالفسادِ الذي سادَ شركةَ الكهرباءِ حقبةً طويلةً من الزمنِ، مازلنا نتحمّلُ نتائجَه…جميعُها معطياتٌ لحياةٍ كارثية لأهالي قطاعِ غزةَ، ولأطفالِه الذين عادةً ما يَدفعونَ الثمنَ، و يكونونَ الطُّعمَ الأسهلَ للشمعِ، الذي يلسعُ أجسادَهم، و يحرقُها بلا هوادةٍ ؛ ليحوِّلَها إلى كُتلةٍ صلبةٍ سوداءَ؛ لا يمكنُ التعرُّفُ على ملامحِها، وتحرقُ معها قلوبَ ذويهِم…

الاخوةخرجتْ تلك العائلةُ المكلومةُ إلى شاطئ البحرِ هرباً من الظلمةِ، لم يَعلموا أنها آخِرُ نزهةٍ تَجمعُهم معاً! و لم يَعلموا أنهم على موعد مع الفِراقِ!، لعبوا معاً آخِرَ لُعبةٍ!، وبنوا بيتاً جميلاً من الرملِ! كان حُلماً يراوِدُهم، عوضاً عن “الحاصلِ” الذي وجدوا أنفسَهم مُضطّرينَ للعيشِ فيه!، كان الحِضنَ الأخيرَ الذي يَجمعُ “ناصر” بوالدتِه، و البسمةَ الأخيرةَ “ليُسرا و رهف”.. بعدَ الحريقِ الذي التَهمَ أجسادَهم، حيثُ وصلتْ جثامينُهم إلى مُجمعِ الشفاء الطبي، بينما أُصيبَ أخوهم الرابعُ؛ الذي وُصفتْ حالتُه ما بين المتوسطةِ إلى الخطيرةِ .

صرختْ الوالدةُ المكلومةُ في مُجمعِ الشفاء الطبي، أريدُ أنْ أرى وجهَ أطفالي! أريدُ أنْ أُقبّلَهم قُبلةَ الوداعِ!، أريدُ أنْ أشتمَّ رائحتَهم، و أملأَ بها “رِئتَيَّ” ، وإنْ اختلطتْ برائحةِ الحريقِ؛ لكنها أفضلُ من أفخمِ عطرٍ بالنسبةِ لها، بكتْ بحرقةٍ! ، بوجعٍ لا تستطيعُ الحروفُ الصمّاءُ نقلَه أو الشعورَ به!، وما بين الوعيِّ و اللاوعي اختلطتْ عباراتُها بكلماتِ الوداعِ لفِلذاتِ كبدِها!، و بالدعاءِ على من كان السببَ في حصارِ غزةَ، وبآخِرِ كلماتٍ سمِعتْها منهم.الاشقاء

تأوّهتْ بحرقة! :”قالت لي بدّي معكرونة، جهزتلها اياها ، رُحت أطعميها.. كانت نايمة”، و تابعتْ بكلماتٍ لم يُسعِفْها قلبُها على ترتيبِها:” ناصر يمّا عُمرو ست شهور ، كان يتقلّى في الحرق”، ما قدرتش أعمل إشي”، كان اللهُ في عونِك وفي عونِ زوجِك، ربطَ اللهُ على قلوبكِم، و أمدَكم بثباتٍ من عندِه، فكُلُّ الكلماتِ لا تكفي لمواساتِكم…

أرادتْ الأمُّ المكلومةُ أنْ ترسمَ في ذاكرتِهم بسمةً و فرحةً قبلَ رحيلِها عنهم لأيامٍ متتاليةٍ، رُبما تصبحُ أسابيعَ، لتتلقّى العلاجَ في الداخلِ المحتلِّ، بعدما أصيبتْ بالسرطانِ، استجمعتْ قواها وعاطفتها ، وذهبتْ بهم إلى الشاطئِ؛ لعلها تَخزِنُ لهم جزءاً منها عندما ترحلُ عنهم…وتذهبُ للعلاجِ..

الزوجُ المكلومُ كان خارجَ البيتِ؛ حينما التهمتْ النارُ أجسادَ أبنائه، و عاد و البيتُ مشتعلٌ!! الصدمةُ كانت أكبرَ ممّا يستوعِبُه عقلُه! فغاب عن الوعي، واستيقظَ على سريرِ المستشفى ينادي على أبنائهِ واحداً تِلوَ الآخَرِ! ولم يكنْ يعلمُ بمصيرِهم، لم يكنْ يعلمُ أنّ أرواحَهم انطلقتْ لتزفَّهم ملائكةُ السماءِ، ويحتضنَهم ربُّ الأرضِ و السماءِ، بعدَ أنْ خذلَهم العالمُ أجمعَ…

“الوجعُ شديدٌ؛ لكنَّ قضاءَ اللهِ نافذٌ، بهذه الكلماتِ تحدّثَ، و خيّمَ الصمتُ على المكانِ، فالكلماتُ في هذه المواقفِ قاصرةٌ، و الحروفُ عاجزةٌ، لكنّ اللهَ يقذفُ الصبرَ في القلوبِ المُبتلاةِ، و ويرسلُ مع المِحنةِ مِنحةً، تداوي القلوبَ المقهورةَ…

لم تكنْ هذه الحادثةُ هي الأولى… فقد وصلَ ضحايا الحريقِ بالشموعِ إلى ثلاثينَ طفلاً، ولن تكونَ الأخيرةَ إذا استمرَّ الحالُ على ما هو عليه، و لم يتحرّكْ العالمُ لإنقاذِ غزةَ وأهلِها و أطفالِها من شموعِ الغدرِ؛ التي تحرقُ بصمتٍ و بسرعةِ البرقِ، بلا هوادةٍ، و بلا رحمةٍ.. و لا يزالُ الرئيسُ الفلسطيني السابقُ “محمود عباس” يرفضُ أيَّ مبادرةٍ لإنهاءِ أزمةِ الكهرباءِ!، ويرفضُ إمدادَ خطِّ الكهرباءِ لقطاعِ غزةَ بمُبادرةٍ تركيةٍ..!!.

 

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلاحُ المقاومةِ وصواريخُ الجكرِ والفتنةِ والتخريبِ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي-بيروت ليس كل صاروخٍ ينطلق من قطاع غزة تجاه العدو الإسرائيلي ...