الرئيسية » كتاب الثريا » في ضيافة الرحمن

في ضيافة الرحمن

خلعتُ خُفيّ قدمي .. ومشيتُ في البياض الممتدِ أمامي محتاراً  في أي اتجاه.. رأيتُ الناسَ يمشون.. كلٌّ يقصدُ الحرمَ ، رفعتُ بصري لأتأملَ المآذنَ من قرب ،الأبوابُ كبيرةٌ لكنها لا تستوعبُ شوقي في هذه اللحظةِ ، أشار لي صاحبي بأنْ أتبعَه ، ومشيتُ ودقاتُ قلبي تتسارعُ ،ورغم الزحامِ كنتُ أسمعُ صوتَ أنفاسي ، خطواتي تهتزُ ولكنني أتابع ..

انكشفتْ صفحةُ السماء عن طرَفِ الكعبة المشرفة، كدتُ أن أتعثر لما رأيتها مطلة من بين أعمدة الحرم ، وشيئا فشيئا توارت تلك الأعمدة التي استندتُ على آخرِها ، نظرتُ وما أعذبَ النظر ، لكأنّ الدنيا وقفتْ في تلك اللحظة ، شعرتُ بنفسي مرتعشاً ، هل هو شعورُ الخوفِ أم شعورُ الفرح ؟ لستُ أدري.. غيرَ أنّ نفسي تواجِهُ الآنَ أجملَ شيءٍ وأروعَ شيء ، وأن عيوني صَعُبَ عليها إدراكُ الصورة ، إن لها ظلالاً فضيةً وهالةَ نورٍ  أشعرُ بها ،هل هذه الكعبةُ  مختلفةٌ كثيراً عما رأيتُ؟ ، لكأنّي لم أرَ صورَها من قبلُ! ، أنا الآن أقفُ أمامها  ليقف من جسمي ونفسي كل شيء .. ياالله ما أروعَ بيتَك الحرام! وما أجلَّ منظرَ الكعبة!، هيبةٌ وجلالٌ اكتسحتْ روحي ، لتفيضَ بالدمعِ والشهقاتِ ، إحساسٌ صادقٌ عذبٌ ، لا أدري بما أصفه لكنني أشعر به كعودة طفل صغير يرى أمه بعد ضياعه ، نعم كنت ضائعا وتائها ، كنتُ أعاكسُ نفسي، وأسبح في دنياي ضد التيارِ ، كنتُ أعيشُ في وهنٍ وفي فراغ ، في دوامةِ حياتي التي تقتادُني للهاويةِ دون أنْ أشعرَ ، لم أستطع إيقافَ دمعي.. شعرتُ بالضعفِ وبالضآلةِ والوَحدة ، وحيدٌ أنا ما دمتُ بعيداً عن اللهِ ، وحيد أنا ولن يغنيَ عني مالي ولا أهلي شيئاً… أريدُ أنْ أعودَ إلى اللهِ، إلى الفطرةِ الحقيقةِ، إلى الاستقرارِ النفسي والرضا والطَمأنينةِ…

امتلأتْ نفسي بالأماني ، فرفعتُ يدي منكسراً ذليلاً راجياً رحمةَ الله ، رفعتُ يدي أسألُه بأنْ يقبلَني مع الحجيجِ ، بأنْ يضمَّني لحِماه، ويظلَّني بظلِه ، الأمانُ عنده، والفوزُ برضاه …رفعتُ يديَّ والألمُ يعتصرُ قلبي قائلاً بكل وجداني : يا رب…

صرتُ كمن يستوقفُ اللحظةَ ، لحظةَ النظرةِ الأولى ..لحظةً تملكتْني وأعادتني إلى الأمانِ، بعد شتاتِ نفسي ، تلك اللحظةُ أخبرتني بقوةٍ بأنّ اللهَ يرحمُ ويغفرُ ويعفو ، يكفي فقط أنْ نُقبلَ عليه بيقين.. شعرتُ بقدْر من الترحيبِ وحفاوةِ التكريم ، وكأنّ الكعبةَ تحتضِنّي ، وكأنّ الدنيا تفرحُ بفرحي ، شعرت ُ بالعزمِ على أنْ لا أفوّتَ أيَّ لحظةٍ من اللحظاتِ القادمة…

 

مشاركة / أحمد عبد الرحمن

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بشرى غير سارّة “إحصائية”!

في علاقاتكم “وأْتوا البيوت من أبوابها”!! بقلم : د. محمد عوض محاضر بجامعة الأقصى الزواج ...