الرئيسية » غير مصنف » الدَّينُ همٌّ في الليلِ، ومَذلّةٌ في النهارِ، وخسارةٌ للثقةِ والأصدقاءِ

الدَّينُ همٌّ في الليلِ، ومَذلّةٌ في النهارِ، وخسارةٌ للثقةِ والأصدقاءِ

“السلَف تلَف” ، “إذا بِدَّك تخسر صاحب داينُه”،” الدَّين همٌّ في الليل، ومَذلّةٌ في النهار”، أمثالٌ شعبيةٌ لم تُخطئ في شرحِ كلِّ ما يحدثُ بعمليةِ الدَّينِ بين الدائنِ والمَدين،  فهي همٌّ يجثمُ على صدرِ المَدينِ، وقلقٌ وتوتُرٌ لا يغادرُ الدائنَ خوفاً من عدمِ استعادةِ المالِ، الجميعُ في غزة مُعرّضٌ للاستدانةِ؛ بفعلِ الظروفِ الاقتصاديةِ السيئةِ، والجميعُ أيضاً مُعرّضٌ للإخلافِ بموعدِ سدادِ دَينِه.. فالظروفُ الماليةُ المترنّحةُ قلبتْ كلَّ الموازينِ ، حتى بات الحديثُ عن الدّينِ والاستدانةِ ظاهرةً عامةً، تناقشُها “السعادة” مع قرائها. 

تحقيق / أحلام الصعيدي

محمود عليوة ” 51 عاماً ” يتفقُ مع المَثلِ القائلِ “الدينُ همٌّ في الليلِ، ومذلّةٌ في النهار” ويتذكرُ مع “السعادة” حادثاً لن ينساهُ طيلةَ حياتِه! حينَ اضطّرتْهُ ظروفُ ابنِه المَرضيةُ، واحتياجُه لعمليةٍ طارئةٍ؛ إلى الاستدانةِ من أحدِ الأصدقاءِ، ويقول :” أذكرُ أنني لم أنَمْ طيلةَ الليلِ،  ولم أعرفْ كيف طلعَ الصباحُ عليَّ، لقد انتظرتُ على بابِ المصرفِ؛ حتى يفتحَ أبوابَه؛ وسحبتُ النقودَ؛ وذهبتُ إلى منزلِ صديقي لأعطيه المبلغَ؛ وقد انصدمَ صديقي لمجردِ وجودي على بابِ منزلِه في هذا الوقتِ الباكرِ! وانصدمَ أكثرَ حين عرفَ أنني قادمٌ لسدادِ دَينٍ لم يَمُرّ عليه (24) ساعة!.

“السلف تلف”

 ويضيفُ: “تغيّرَ زمنُنا، وحلّتْ الوقاحةُ مكانَ الحياءِ والخجلِ.. كثيرونَ يستدينونَ منكَ دونَ أدنَى تفكيرٍ بالسدادِ، في أحدِ المراتِ طلبَ مني أحدُ الأصدقاءِ المقرّبينَ مبلغاً من المالِ لافتتاحِ مشروعٍ  ما، وأنا رحّبتُ بالطلبِ؛ كونَه صديقي.. واتفقنا على أنْ يُرجِعَ المبلغَ عندَ إقدامي على شراءِ منزلٍ لي ولأطفالي، نجحَ مشروعُ صديقي؛ وحقّقَ أرباحاً ممتازةً؛ ورغمَ ذلك لم يفكّرْ في ردِّ الدّينِ! وعندَ شراءِ منزلي اعتذرَ عن السدادِ لأنه لا يملكُ سيولةً نقديةً؛ وكلُّ ما يملكُه هو بضائع ، حزنتُ حزناً شديداً لأنني أدركتُ أنّ صديقي لا ينوي السدادَ أصلاً .

ويتابعُ :” بعدَ شهورٍ من طلبِ الدينِ؛ أصبحتُ لا أراه!  يتغيبُ عن اجتماعِنا الدائمِ! يتّصلُ على بقيةِ أصدقائنا المشتركينَ ويزورُهم؛ لكنه يتغيبُ عن أيِّ لقاءٍ أتواجدُ فيه! ، لقد خسرتُ نقودي وصديقَ عمري للأبدِ.

صِنفانِ من الناسِ

من جانبها تقول دكتورةُ علم النفس الاجتماعي رائدة أبو عبيد :” الدَّينُ قهرٌ للرجالِ، ويلجأ إليه الجميعُ عندما تكثرُ عليهم متطلباتُ واحتياجاتُ الحياةِ، أو لإقدامِهم على مشروعٍ مُعيّنٍ.. وهو وضعٌ طبيعيّ تمارسُه الغالبيةُ العظمى،   وبيّنتْ أنّ عمليةَ الاستدانةِ تكونُ في وضعِها الطبيعي؛ عندما يلتزمُ المستدينُ بتسديدِ الأموالِ التي استدانها في الموعدِ المحدّدِ، ولكنْ يبدأ تدهورُ العلاقاتِ عندما يَخلفُ الشخصُ في موعدِ سدادِ الدّينِ.

وتضيفُ:” هنالك صِنفان من الناسِ في موضوعِ الاستلافِ والتسليف، واحدٌ مُحبٌّ للاستدانةِ، وأحياناً يكونُ غليظَ الشعورِ، واندفاعياً إلى درجةِ أنه لا يقاومُ الرغبةَ في إرضاءِ أنانيتِه، فيستلفُ لشراءِ ما يُمتِّعهُ من دونِ التفكيرِ في تأجيلِ هذه المتعةِ النفسيةِ، إلى أنْ تتيسّرَ حالتُه المادية، في حين هنالك آخَرُ يكرهُ الدَّينَ لأنه مرهَفُ الإحساسِ، ويَأبَه لنظرةِ المجتمعِ، ويَعي انعكاسَ الأمرِ عليه، فيترددُ كثيراً قبلَ القيامِ به، وغالباً ما يلغيهِ؛ إلّا إذا حكمتْ عليه الظروفُ  .

وتلفتُ الانتباهَ إلى أنّ الاستدانةَ تكونُ أصعبَ في المرّة الأولىِ من المرّاتِ اللاحقة؛ لأنّ الذي يستدينُ، يتمرَّنُ ويتعلّمُ ويعتادُ الأمرَ، حتى لو كان من الطبعِ المرهَفِ والحسّاسِ. يتابع: “صحيحٌ أنّ الموضوعَ يبدأ بتأنيبِ الضميرِ، لكنه مِثلُ كلّ شيءٍ يتحوّلُ مع الوقتِ ومع التكرارِ إلى عادةٍ، ثمّ إنّ الضميرَ يمكنُ ترويضُه وتطبيعُه، بالتالي يمكنُ تحويلُ صاحبِه الخجولِ إلى وقحٍ”.

كتابة الدّين

من جانبِها تقولُ المحاميةُ الشرعيةُ والنظاميةُ “آية جمال المغربي”:” إنّ القانونَ نظّمَ النواحي القانونيةَ للاستدانةِ بما يتماشَى مع الشرعِ والسُنةِ النبويةِ، أهمّها كتابةُ الدّينِ بعقدٍ مع وجودِ شاهدَينِ لحفظِ الحقوقِ للدائنِ والمدينِ؛ فالدائنُ يستطيعُ أنْ يطالبَ بحقّه من المَدينِ بالطرُقِ المقررةِ قانوناً، وتثبيتُ ذلك بشتّى وسائلِ الإثباتِ، فإذا لم يمتلكْ الدائنُ مستنداً يثبتُ حقّه؛ يمكِنُه طلبُ الاستماعِ إلى الشهودِ الذين حضروا عمليّةَ المداينةِ تلك، ويشهدونَ على وقائعِها وحيثيّاتِها”.

 ويضيف: “أمّا إذا لم يكنْ لديه شهودٌ، فيكونُ ملجؤه الوحيدُ، هو طلبُ توجيهِ اليمينِ للمدينِ الذي يعودُ الأمرُ إلى ضميرِه، فإمَّا أنْ يقسمَ بأنه لم يستدنْ من هذا الدائنِ، أو أنه سدَّدَ دَيْنه. أو يرجعُ عن اليمينِ ويقرُّ بالحقّ على نفسه”.

 وعن الأسبابِ التي تجعلُ الدائنَ يتغاضى عن طلبِ إثباتِ أو مستندٍ من المدينِ منه، تضيفُ المغربي : وتنوّه إلى أنّ الثقةَ في الماضي كانت تُبنَى على كلمةِ شرف، إنما ذلك مرتبطٌ بالعاداتِ والأعرافِ وليس تشريعاً؛ لذا يجبُ الالتزامُ بأحكامِ الشريعةِ والقانون، من ناحيةِ الدائنِ الذي يستوجبُ عليه التحوّطُ لمالِه، ومن ناحيةِ المدينِ الذي يجبُ أنْ يخافَ اللهَ وعقابَ الآخِرة، وألّا يكونَ سبباً في إنكارِ الثقةِ بينَ الناسِ، لافتةً إلى أنّ الشخصَ هو الذي يجعلُ من نفسِه مُغفّلاً، والقانونُ لا يحميهِ؛ لأنه ليس من ذَوي الغفلةِ الذين يحميهم القانونُ.

نصائحُ مهمةٌ عندَ الاقتراضِ :

لا تُشعِرْ صديقَك بأنه حِملٌ ثقيلٌ عليكَ؛ حينَ لجأَ إليكَ بطلبِ المساعدةِ.

إنْ لم تستطعْ إقراضَه؛ فاشرحْ له ظروفَك الصعبةَ، ولا تعتمدْ على حدسِه بتقديرِ ذلك.

تباحثْ معه بشأنِ خروجِه من الأزمةِ، وزوِّدْهُ بعددٍ من المقترحاتِ والأفكارِ والبدائلِ.

في حالةِ اقتراضِك من صديقِك؛ فحدّدْ جدولاً زمنياً لإعادةِ المبلغِ.

في حالةِ اقراضِك أو اقتراضك من صديقك، تذكّرْ أنّ الصداقةَ أثمنُ ما في العالمِ.

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدروسُ الخصوصيةُ في المراحلِ الأساسيةِ

وأصبح الكثيرُ من الطلابِ يلجأونَ إلى الدروسِ الخصوصيةِ، ليس فقط لتقويةِ قدراتِهم في مادةٍ دراسيةٍ معيّنةٍ، بل للاستفادةِ من درجاتِ النشاطِ، ولمعرفةِ أسئلةِ الاختباراتِ الشهريةِ والنصفيةِ والنهائيةِ التي يضعُها مدرّسُ المادةِ