الرئيسية » فلسطينيات » عين على القدس » القدسُ.. حيثُ اللقاء الأخير

القدسُ.. حيثُ اللقاء الأخير

كنتُ أتابعُ أحداثَ المسجدِ الأقصى المباركِ بكلِّ اهتمامٍ، في كلِّ يومٍ من  (١١) يوماً أوصلتْ قلوبَنا إلى حناجرِنا، وجعلتنا نتحولُ إلى براكينَ ملتهبةٍ؛ تراقبُ ما يَحدثُ، وتأملُ في انتزاعِ نصرٍ جديدٍ.

المتابَعةُ كانت على عدّةِ أوجهٍ؛ كصحفيةٍ أولاً؛ أُغطّي الحدثَ وأُهاتفُ وأنقلُ الصورةَ كما تَصِلُني، وأتأكدُ من أعدادِ المُصلّينَ والمرابطينَ والمصابينَ والمعتقَلينَ، كان صحفيو القدسِ يُمدِّوننا بالقوةِ الكافيةِ من أجلِ الاستمرارِ بالمتابعةِ، فمنهم من تعرّضَ للضربِ، ومنهم من تعرّضَ للاعتقالِ، ومنهم من تمتْ ملاحقتُه ومصادرةُ مُعدّاتِ التصويرِ الخاصةِ به أو موادَه الصحفية، منهم من تعرّضَ للضربِ وهو ينقلُ الحقيقةَ، ومنهم من عانَى من إصاباتٍ استمرتْ آثارُها لعدّةِ أيامٍ في أجسادِهم.

وكفلسطينيةٍ ثانياً؛ كنتُ أتابعُ الأحداثَ؛ وأنا أشعرُ بغيرةٍ عظمَى على جزءٍ عزيزٍ جداً علينا، لطالَما كبِرتْ القدسُ داخلَ قلوبِنا، وكُنا ننشدُ لأجلِها أجملَ الكلماتِ، كبِرنا وهي تحتلُّ فؤادَنا، وتَنتزعُ من حواسِّنا كلَّ الابتساماتِ؛ لتضعَها فوقَ كومةٍ ضخمةٍ من شوقِنا لها، كنتُ أتابعُ بذاتِ الغيرةِ التي يشعرُ بها أيُّ إنسانٍ على وطنِه وأرضِه.

كمسلمةٍ ثالثاً؛ كنتُ أتابعُ _وكلُّ ما بداخلي يؤلِمُني_   صورَ المسجدِ الأقصى السليبِ تُسبِّبُ لي حروقاً في جوفي؛ لا يمحوها الزمنُ، كنتُ أحاولُ أنْ أستوعبَ ما يَحدثُ هناك؛ بينما كلُّ آياتِ الكتابِ الحكيمِ لا تغيبُ عن ذهني وتفكيري، كيف لنا أنْ نَرضى بأنْ يتحولَ مسجدُنا إلى مزارٍ لهم! ونحن بالكادِ نستطيعُ وصولَه إنْ استطعنا!.

أحداثُ الأقصى الأخيرةُ كانت تدغدغُ فينا ثقافةً وهويةً، كانت تذكّرُنا بما نسيناهُ؛ أننا نستطيعُ أنْ نكتبَ النصرَ بأيدينا؛ إذا كان التوكلُ على اللهِ أولَ ما نتسلحُ به..

المرابطونَ هناك لم تكنْ لديهِم أسلحةٌ؛ بل بالكادِ كانوا يَحملونَ ما يجلسونَ عليه حين يفترشونَ الأرضَ، لم يكونوا شباناً فقط؛ بل كانوا نساءً ورجالاً وأطفالاً وشيوخاً؛ لم يكونوا مَقدسيينَ فقط؛ بل جاءوا من (القدسِ، وعارة، وعرعرة، وأم الفحم، والناصرة، وكفر كنا)؛ لم يكونوا ينتمونَ لحزبٍ واحدٍ؛ بل رفعوا عَلمَ فلسطينَ واحداً، وجعلوا خريطةَ الوطنِ نُصبَ أعينِهم.

المرابطونَ هناك تسلّحوا بعقيدتِهم؛ بصورةِ القدسِ في قلوبِهم؛ بخيوطِ الذكرياتِ التي ملأتْ ماضيهم مرتبطةً بمسجدِهم، بالحجارةِ التي شيدوها داخلَ أفئدتِهم واحداً تِلوَ الآخَرِ؛ وكل منها تحكي تاريخاً لأقصاهم؛ بأسوارِ المدينةِ التي تحفظُ وجهَ كلِّ واحدٍ منهم، وتَربُتْ على أكتافِهم، وتناديهم بأسمائهم، بل وتنحني لتلامسَ قلوبَهم؛ بحجمِ الوطنِ الكبيرِ داخلَ أرواحِهم؛ بمعاني الهويةِ الفلسطينيةِ؛ التي حُرموا أنْ يحملوها بطاقةً وأرقاماً، فغمرتهم هي بنورِها، وطبعتْ صورَهم على جبينِها إلى الأبدِ.

المرابطونَ هناك؛ كانت فلسطينيتُهم تَنثرُ الحنّونَ والغارَ على ترابِ كلِّ الوطنِ، وتعجّلُ نصرَنا المنتظَرَ الذي طال، بل وتستبدلُ هواءَ الحواجزِ العسكريةِ الذي يقيّدُنا بهواءِ الحريةِ التي اشتقنا لها كثيراً.

عن إدارة الثريا

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في الاختلافِ حياةٌ

 البشرُ ليسوا سواسيةً، وهم غيرُ متشابهينَ، كلُّ زهرةٍ لها لونٌ مختلف، وكلُّ وجهٍ له تقاسيمُ ...