الرئيسية » مجتمع وناس » الحسدُ والسِّحرُ شمّاعةٌ نعلّقُ عليها مشاكلَنا وهمومَنا

الحسدُ والسِّحرُ شمّاعةٌ نعلّقُ عليها مشاكلَنا وهمومَنا

هوَسٌ ينهشُ العقولَ

“تعبان وعندك صداع دائم؛ يبقى أنت محسود، مشاكل أنت وزوجك باستمرار؛ يبقى معمول لك عمل، ابنك تحصيلُه الدراسي قلَّ؛ عين صابتهُ” والحبل على الجرّار لكُل مواقفِنا الحياتيةِ؛ نُرجِعُها للحسدِ والسحرِ، أصبحنا نلهثُ ليلَ نهارَ من مشعوِّذٍ.. إلى دجّالٍ.. إلى شيخٍ يدَّعي أنه يعالجُ بالقرآنِ، دوامةٌ نَدخلُها بغيرِ وعيٍّ؛  وبقِلَّةِ إيمان، نُعلّقُ عليها أخطاءَنا؛ لعلّنا نجدُ الحلولَ.

“ميسون” لم تكنْ تقتنعُ بطرُقِ تلكَ الأبوابِ، وأنّ مشاكلَها مع زوجِها تعودُ لِضيقِ الحالِ، والتفاوتِ بينهما في الشخصيةِ، وندِمتْ على اليومِ الذي كانت فيه تشتكي لجارتِها مشاكلَها مع زوجِها؛ فأثّرتْ عليها بشكلٍ كبيرٍ؛ بأنّ سببَ المشاكلِ ليس بأيديهِم؛ بل بفِعلِ السِّحرِ، فهناك مَن يريدُ أنْ يُفرِّقَ  بينَهما.. وبدأتْ تسردُ لها حكايتَها مع زوجِها، وكيف كانت حياتُها جحيماً.. إلى أنْ استدلَّتْ على أحدِ الأشخاصِ الذي يعالجُ بالقرآنِ _على حدِّ قولِها_ وأقنعتْها بأنْ تذهبَ لأحدِهم؛ والذي أثبتَ لها وجودَ سحرٍ للتفريقِ بينَهما؛ فعلَه أحدُ المقرّبينَ من عائلةِ زوجِها؛ لأبعادِهما عن بعضٍ، وبدأتْ تغرقُ في هذا المستنقعِ، وتفعلُ ما يقولُه لها، وتدفعُ المالَ، وتأتي بالبخورِ والأوراقِ والأحجبةِ، وأصبحتْ أسيرةً لهذا الدّجالِ؛ من أجلِ أنْ تُرجعَ زوجَها لها، فالأمرُ ليس بيدِها _كما أوهمَها_ وحاولتْ أنْ لا تَخوضَ معه المشاكلَ؛ فالأمرُ ليس بيدِه، وصارت تتَفهَّمُه وتستوعبُه أكثرَ، فخفّتْ المشاكلُ بينَهما، مُعتقدةً أنَّ ذلكَ بتأثير الحُجُبِ والشعوذةِ؛ وليس  لأنها غيّرتْ معاملتَها مع زوجِها؛ فصَلحَ حالُه.

أمّا الحالةُ الأُخرى التي كانت ضحيةَ الحسدِ والسِّحرِ؛ هي موظّفةٌ ينظرُ الجميعُ لها ولزوجِها.. فما يأتي باليمينِ يَخرجُ باليسارِ.. فهي وزوجها موظّفانِ؛ لكنّ مالَهما ليس فيه فيه برَكةٌ. أغوَتْها إحدى صديقاتِها في المكتبِ؛ أنّ الجميعَ ينظرُ إليهِما بعينِ الحسدِ؛ ولا بدَّ من طرْقِ أبوابِ المشايخِ الذين يعالِجونَ بالقرآنِ، فالحسدُ واردٌ في القرآنِ، فدخلتْ هذه الدوامةُ الكاذبةُ السالبةُ للعقولِ والجيوبِ، تقول:”أقنعتني زميلتي بأنْ أطرقَ هذا البابَ؛ فإلى متى سوف يبقَى حالي واقفاً، والديونُ تتراكمُ علينا،  وتزيدُ المشاكلُ مع زوجي بسببِ الضائقةِ الماليةِ، في البدايةِ لم أقتنِعْ بكلامِها، وبعدَ أنْ ذهبتُ إلى هذا “الشيخِ ” ؛عاد الوئامُ لحياتِنا ، وحقيقةً في كلّ مرّةٍ كنتُ  أذهبُ فيها إليه، ومعي أحدُ متعلّقاتِ زوجي الشخصية، يعودُ الهدوءُ إلى حياتي سريعاً .

 تعترفُ بحزنٍ شديدٍ: لم أشعرْ بأيِّ تغيُّرٍ في حياتي ؛ برغمِ أنني أنفقتُ الكثيرَ من المالِ، وقمتُ ببَيعِ بعضِ مَصاغي؛ على أملِ أنْ تتحسّنَ أوضاعُنا ، لكنه هوَسٌ يسكنُ أعماقي، كلّما أحاولُ التخلصَ منه ؛ تجِدني أعودُ إليه مسرعةً؛ لِيجدَ لي حلّاً.. ولكنْ بلا فائدةٍ.

دوامةُ الوعودِ

وصلَ الأمرُ إلى الجامعياتِ؛ ليحتلَّ السِّحرُ أحاديثَهم الشبابيةَ  وتوقيفَ حالِهنَّ، “نور”  الجامعيةُ المثقّفةُ ترفضُ فكرةَ أنّ الزواجَ “قسمةٌ ونصيبٌ”، وأنّ على الشخصِ أنْ يسعى  وراءَ ما يريدُه، فهناك معيقاتٌ قد تُبعِدُنا عن أهدافِنا ،وتصرِّح ” أنها تأمَلُ بالزواجِ من  شخصٍ ما، وهو لا يُعيرُها أيَّ اهتمام، و حتى يَشعرَ بوجودِها؛ لجأتْ إلى سيدةٍ معروفةٍ بتقريبِ البعيدِ، وفكِّ العُقدِ، وتزويجِ البناتِ.

تقولُ : منذُ الزيارةِ الأولى؛ عرَفتْ ماذا أريدُ، ومن هو الشخصُ الذي أريدُ، وأكّدتْ لي أنها ستُساعدُني أنْ يلتفِتَ إليَّ، ويتقدمَ لخِطبتي، وأنها ستعملُ شيئاً لا يَجعلُه يرى غيري على هذه الأرضِ، ولكنّ الموضوعَ يحتاجُ لبعضِ الوقتِ والمالِ؛ حتى تستطيعَ السيطرةَ عليه تماماً، ويكونَ طَوعَ أمري.

تضيفُ: منذ ذلك اليومِ؛ وأنا زبونةٌ دائمةٌ لها؛ أنتظرُ حلاً لقِصتي، خاصةً أنّ وعودَها لا تنبري من فمِها؛ بأنه سيكونُ نصيبي ، مضيفةً لقد أسرفتُ الكثيرَ من الوقتِ والمالِ، و أضعتُ الكثيرَ من الفُرصِ الجيدةِ للارتباطِ بأشخاصٍ جيّدينَ، ولا أعرفُ متى سأخرُجُ من دوامةِ الوعودِ إلى حياةِ الواقع ، وما زلتُ أنتظرُ تحقيقَ وعودِها منذُ أكثرَ من عامينِ!

في لقاءِ مع دكتور عِلمِ النفسِ “خالد موسى”، من جامعةِ النجاحِ ؛ حذّرَ من زيادةِ تَفشِّي ظاهرةِ الدّجلِ و الشعوذة ، وأخذِها أشكالاً جديدةً تتواكبُ مع وسائلِ التكنولوجيا الحديثةِ، خاصةً أنّ انتشارَها غيرُ مقتصرٍ على طبقةٍ بعَينِها ؛ وإنما باتت آفةً تضربُ في بِنياتِ المجتمعِ ، مستغِلّةً أصحابَ القلوبِ المريضةِ، الذين ضاقتْ بهم سُبلُ العيشِ؛ فلجئوا إلى أوكارِ الدجّالينَ المختلفةِ؛ بحثاً عن حلولٍ سحريةٍ ووهميةٍ لمشاكلِهم.

يضيفُ موسى :” إنّ هذه الرغبةَ تعبّرُ عن لحظةِ ضعفٍ في بِنيةِ الإنسانِ العامة، ولحظةُ الضعفِ تَعني أنه تخلّى عن قدراتهِ العقليةِ والمنطقية، وعن إرادتِه في التعاملِ مع الظروفِ المحيطةِ ،ومع الضغوطِ والتعقيداتِ الناشئةِ من المشاكلِ المختلفة، والتوجُّهِ إلى شخصٍ آخَرَ بديلاً عنه؛ ليقدِّمَ له الإجاباتِ المناسبةَ، وليُعطيَه الاطمئنانَ، بدَلاً من أنْ يقومَ هو بنفسِه بإدارةِ كلِّ هذه المواجهةِ مع مشكلتِه أو مع مستقبلِه.

واستغربَ “موسى” كيف أنه مع التقدّمِ العلمي والحضاري الذي نَشهدُه اليومَ؛ نجدُ أنّ هناك من يتوجَّهُ للسِّحرِ والشعوذةِ والدّجلِ ؛على أساسِ أنها طريقةٌ سريعةٌ وعمليةٌ لحلِّ المشاكلِ التي تعترضُهم، وعدَّتْ أنّ مواجهةَ المشكلاتِ التي تعترضُ الإنسانَ؛ تتطلبُ منه نمطاً مُعيناً من التعاطي مع تلك المشكلاتِ، وأسلوباً قائماً على الإدراكِ والوعيِ، والجهدِ المبذولِ في سبيلِ تحليلِ المشكلةِ إلى العناصرِ الأساسيةِ الأولى، وبالتالي تفكيكِها للوصولِ إلى الطريقةِ المناسبةِ لمعالجتِها والردِّ عليها.

ويضيف: أغلبُ الحالاتِ التي تتَّجِهُ للعرافينَ والمشعوذينَ؛ تَرجعُ لمَرضٍ نفسي، أو ما يسمَّى في الطبِّ النفسي “الإسقاطُ”؛ وهو الهروبُ من الواقعِ، وإسقاطُ سببِ المشكلةِ عن النفسِ إلى الغيرِ.

ويضيف: وعلى الجانبِ الآخَرِ؛ نجدُ البعضَ يلجأ إلى هؤلاءِ المشعوّذينَ؛ لمُجردِ الترفيهِ، وكَسرِ روتينِ الحياةِ، والاطمئنانِ على المستقبلِ الذي هو بيدِ اللهِ _سبحانه و تعالى_ وحدَه، وبالعادةِ هؤلاء الناس بلَغوا من الرفاهيةِ وامتلاكِ كلِّ شيءٍ في الدنيا تقريباً؛ ما يجعلُهم يشعرونَ بالملَلِ والرغبةِ في شيءٍ مختلفٍ؛ حتى وإنْ كان مُجردَ خرافةٍ.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هندرة وفلترة

محمد شفيق السرحي برز مصطلح الهندرة، في علم الإدارة، بداية التسعينات، وهو مصطلح يجمع ما ...