الرئيسية » غير مصنف » “الدامون “حوّلها الاحتلالُ إلى أكبرِ سجنٍ للأسيراتِ الفلسطينيات

“الدامون “حوّلها الاحتلالُ إلى أكبرِ سجنٍ للأسيراتِ الفلسطينيات

بين أشجارِ الصـنوبرِ التي تحاولُ إخفاءَ آثارِ الجريمة، وأشجارِ الصبّارِ التي تفضحُـها وتشهدُ عليها، وداخلَ الآبارِ والكهوفِ، وأسفلَ ركامِ البيوتِ، تجدُ تفاصيلَ دقيقةً جداً من الظلالِ والنتوآتِ والفجواتِ، والتي تروي قصةَ التاريخِ المسلوبِ في قريةِ “الدامون” الفلسطينيةِ، فيما تتكلمُ القـبورُ المهدّمـةُ وحجارتُها المتناثرةُ عن همجيةِ الأحياءِ من الصهاينةِ الغاصبين.

هكذا تبدو الصورةُ الحاليةُ في قريةِ “الدامون”؛ حيثُ تغطي الأشواكُ ونباتُ الصبّارِ وأشجارُ الزيتونِ والصنوبرِ المكانَ, ويتبعثرُ حولَه ركامٌ من الحجارةِ، أمّا البناءُ الذي كان في الماضي يحملُ اسمَ “النبع”؛ وهو مصدرُ المياهِ الرئيس، فهو مُهمَلٌ بعدَ أنْ تمَ تجفيفُه على يدِ الاحتلالِ، أمّا أراضي القريةِ الزراعيةِ؛ فهي مستباحةٌ لمستوطنةِ “يسعور” المقامةِ على أرضِ قريةِ البروةِ المجاورةِ “للدامون”، والتي يستخدمُها المستوطنونَ في زراعةِ محاصيلِهم الزراعيةِ.

وعلى الرغمِ من تهجيرِهم عن قريتِهم الأصليةِ؛ إلاّ أنهم ما زالوا يملكونَ الهُويةَ العربيةَ الفلسطينية، ويحتفظونَ بمفاتيحِ بيوتِهم المُهجورةِ، ويَقدُمونَ إليها بشكلٍ مستمرٍ لزيارتِها، وخاصةً في ذكرى النكبةِ ويومِ الأرضِ، حيثُ يتنقلونَ بين جدرانِ منازلِهم المُهدّمةِ، ويجلسونَ على أنقاضِ جوامعِهم وكنائسِهم.

وكانت المحطةُ الأولى في الحارة الغربيةِ، بجانبِ مقبرةِ “الدامون”، إذِ التقينا الحاج “محمود الزيداني”؛ الذي أتى لزيارةِ قبورِ الآباءِ والأجدادِ في قريتِه الأصليةِ، حيثُ يقطنُ اليومَ في قريةِ “طمرة” بالجليلِ الأعلى .

مَشاهدُ القريةِ قبلَ التهجيرِ لم تفارقْ ذاكرةَ الحاج “الزيداني” حتى يومِنا هذا، وكلُّ شيءٍ فيها اليومَ يذكِّرُه بطفولتِه!، وبما تركَه خلفَه بعدَ التهجيرِ، حيثُ يتذكرُ البيتَ والحي، ودكانَ أبو كامل، والجامعَ، وكنيسةَ القرية، وكذلك أشجارَ الصبّارِ، ومدرسةَ القريةِ، والصبيةِ أبناءِ صفِّه، والمعلمين.

عندما احتلَّ الصهاينةُ “الدامون”؛ وهجّروا سكانَها الأصليينَ منها، كان الحاجُ “الزيداني” في العاشرةِ من عمرهِ،  وما وقعَ في هذا التاريخِ، وخاصةً تفاصيلَ الأيامِ الأخيرةِ؛ ما يزال حاضراً في ذاكرتِه. ويحدّثُ الزيداني عن ذلك قائلاً،” كان عمري عشرَ سنواتٍ وقتَ الهجرةِ، حيثُ كان يعملُ في مدرسةِ البلدةِ مديرٌ وأستاذٌ!، وهما من مدينةِ عكا، وفي أواخرِ( نيسان عام 1948) انقطعا عن الحضورِ إلى المدرسةِ، فتوقفُ التعليمُ تلقائياً، وأصبحتُ كطفلٍ أرى رجالا يحفرونَ الخنادقَ حولَ القريةِ، ويقومونَ بالحراساتِ باستمرارٍ لحمايتِها”.

ويتابعُ الفلسطيني المهجّرُ من الدامون قوله،” في إحدى ليالي تموز؛ وبعدَ أن هُجِّرنا من قريتِنا؛ وصلت عائلتي إلى وادي سلامة الواقعِ بين قريتَي “سخنين ومغار الخيط”، ومكثنا فيها قرابةَ شهرينِ؛ حيثُ كنا ننامُ تحت أشجارِ اللوزِ والزيتونِ، ونأكلُ الخضارَ والبقلةَ والصبّارَ، وبعدَ ذلك توَجّه والدي إلى الجليلِ؛ للبحثِ عن مأوَى ومكانٍ للعملِ؛ بعدَ أنْ فقدْنا الأملَ بالعودةِ إلى ديارِنا، وهناك من لجأ إلى عكا وحيفا، وغادرَ العديدُ إلى الشتاتِ في الأردنِ وسوريا ولبنان”.

خلالَ جولتِنا في الحارةِ الشرقيةِ؛ التقينا الحاج الثمانيني “أبو مروان فرعتاوي”؛ إذ كان يجلسُ برفقةِ أحفادِه على أنقاضِ بيتِ الجدِّ والأبِ؛ الذي أصبح أثراً بعدَ عينٍ، ليروي لهم حكاياتِ طفولتِه، واصفاً لهم البيوتَ والأراضي التي كانوا يعيشونَ بداخلها قبلَ النكبةِ.

ويقولُ “أبو مروان فرعتاوي؛ بينما كان أحفادُه الأربعةُ يلتفّونَ من حوله:” أذكرُ “الدامون” دائماً، وأحنُّ إليها، وأجوبُها يوميًا بأفكاري، فكلُّ يومٍ فيها له ذكرياتُه الغاليةُ، بيتُنا وحاكورتُنا التي زينتْها أوراقُ الدوالي وشجرُ التينِ وشجرةُ الزنزلخت؛ التي نصبتُ عليها أرجوحةً طفولتي”.

ويضيفُ،” إنّ حقَّ العودةِ هو الهواءُ والطعامُ والماءُ بالنسبةِ لتاريخِ شعبِنا،  ولا مساومةَ ولا تنازلَ عنه، وكما غنّت فيروز للشاعرِ الفلسطيني “هارون هاشم رشيد” (سنرجع يوما إلى حيِّنا، ونغرقُ في دافئاتِ المُنى، سنرجعُ مَهما يمرُّ الزمان).

في يسارِ الشارعِ الرئيسِ لقريةِ “الدامون”؛ وهو الممتدُ بين حيفا والبروة بعكا، وعلى بُعدِ ما يقاربُ (200) مترٍ من المَفرقِ الرئيسِ للقريةِ؛ تجدُ بناءً يُطلقُ عليه النبعُ، وهو جافٌ كُلياً الآنَ، وكان أهلُ الدامون أقاموها لتتـجـمعَ فيها المياهُ قبلَ انسيابِها إلى الحقول، للشربِ والغسيلِ، ولريِ الماشيةِ والبهائمِ، وقد تمَ ترميمُ هذه العينِ مراتٍ عديدةً، وتعودُ أساساً إلى بدايةِ تاريخِ القريةِ في العهدِ الكنعاني.

وهي من الداخلِ عبارة عن كهفٍ رائعٍ؛ صنعتْه المياهُ المتدفقةُ، وعمقُه لا يقلُّ عن ثمانيةِ أمتارٍ، ولكنّ النبعَ في وقتِنا الحالي أصبح جافاً بشكلٍ كاملٍ؛ ويعودُ السببُ في جفافِه إلى شركة مكوروت “الإسرائيلية”، والتي نقلتْ المياهَ الجوفيةَ إلى مكانٍ آخَرَ بالقربِ من قريةِ شعب.

وكانت مياهُ هذا النبعِ تنسابُ إلى الكرومِ والبساتينِ في بدايةِ القريةِ من الغربِ، ولكنّ هذه الكرومَ والبساتينَ تستعملُ الآنَ كمحطةِ تجاربَ زراعيةٍ لكيبوتس يسـعور القائمِ على أراضي البروة، والتجربةُ هي استعمالُ مياهِ المجاري البيتيةِ لريِّ الورودِ! .

لم يكتفِ الاحتلالُ بتهجيرِ سكانِ الدامون، وسلبِ الأرضِ، وسرقةِ التاريخِ؛ بل أقامَ على أرضِ القريةِ سجناً أمنياً، هذا السجنُ زجَّ فيه الاحتلالُ في السابق ب( 500) أسيرٍ فلسطينيّ، بينما هو مخصصٌ في الأساسِ إلى (300) أسيرٍ، حيثُ يتعرضونَ خلفَ قضبانِه إلى أشدِّ أنواعِ التعذيبِ والحرمانِ من أدنَى الحقوقِ، أمّا اليومَ فتمَ تخصيصُه للأسيراتِ الفلسطينياتِ.

ويضيفُ،” يقبعُ داخلَ كلِّ غرفةٍ واحدةٍ في سجنِ الدامون (17) أسيرةً ، غالبيتُهنَّ من الموقوفاتِ، إضافةً إلى أسيراتٍ معتقلاتٍ إدارياً، وأُخرياتٍ يعانينَ من أمراضٍ صعبةٍ تتسبّبُ بأوجاعٍ وآلامٍ مستمرة،ٍ وقلقٍ دائمٍ من انتشارِ العدوَى والأمراضِ”.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المَعارضُ الخيريةُ واجهةُ الشبابِ لتسويقِ منتجاتِهم

يستفيدُ الريادي من المعارضِ؛ من خلالِ رؤيةِ الجمهورِ لمنتَجهِ وجهاً لوجهٍ، والترابطِ والتشابكِ مع أشخاصٍ متخصِّصينَ، ودعمِه وتمكينِه وإظهارِه بصورةٍ متكاملةٍ، وإبرازِ منتجاتِه