الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » تل أم عامر … بقعة من الماضي على أرض النصيرات

تل أم عامر … بقعة من الماضي على أرض النصيرات

عندما تقف بين ثنايا المكان ينتابك شعورا بالذهول، من حولك حجارة متمسكة بالتراب، رابضة على الأرض تكاد تنطق وتقول كلمتها، لتشهد على حقب تاريخية توالت على هذه البقعة وتركت آثارا لا يمكن لأحد تجاهلها، هذا ما تشعر به عند زيارتك لدير القديس هيلاريون في منطقة النصيرات وسط قطاع غزة أو كما يسمونه سكان المنطقة (قوز أم عامر)، وتجولت السعادةالثريا بين ثنيات هذا المكان لتسلط الضوء على أهمية وعظمة المنطقة مع مجموعة من المختصين في التاريخ والهندسة والآثار.

تقع منطقة تل أم عامر كما تصفها أ. هيام البيطار (من وزارة السياحة والآثار) على تل مرتفع من الرمال تبعد 15كم جنوب غرب مدينة غزة, وتبتعد عن ساحل البحر قرابة 500م  كما وترتفع عن البحر بنحو 22م، وتستطرد البيطار قائلة: “يعد هذا الدير من أهم و أكبر الأديرة الأثرية في فلسطين، التي لم يعثر على مثلها من حيث المساحة والتصميم، ويعود تاريخه إلى عام 329م زمن القديس هيلاريون، حيث قام بوضع صومعته في موقع الدير، وفي عام 371م توفي القديس هيلاريون في قبرص، وقام تلاميذه بنقل جثمانه إلى غزة، ودفنه في المكان نفسه الذي أقام فيه صومعته الأولى”.

مكونات الموقع

تحدثت البيطار للسعادة بأن الموقع يتكون من مجموعات معمارية عدة محاطة بسور خارجي من الحجر المسنود بدعامات حجرية ويغطي مساحة قدرها 137م×75م , ويحتوي على مجموعة من القاعات والغرف والممرات والتي يبلغ عددها 245 ما بين غرفة وممر، ويعود بناء هذه المجموعات المعمارية إلى مراحل زمنية مختلفة تبدأ من منتصف القرن الرابع الميلادي وحتى القرن الثامن الميلادي، ويقسم المكان إلى عدة أجزاء معمارية أولاها المنطقة الخدمية الواقعة في الجزء الجنوبي والغربي وهي عبارة عن غرف خاصة برجال الدين المقيمين في الدير، ويغطي أرضية بعض هذه الغرف فسيفساء غاية في الروعة والجمال.

والجزء الثاني وهو المجموعة الكنسية وتتكون من شارع طويل فيه سلم خاص بدخول الرهبان للكنيسة وخروجهم, أما الكنيسة فقد بنيت على الطراز البازلكي، وتشير البيطار إلى أن النظام البازلكي يتكون من ثلاثة أروقة أوسعها الرواق الأوسط، تفصل بينهما أعمدة رخامية.

أما عن الجزء الثالث فهو الديماس ويمكن الوصول إليه من خلال سلم تكسرت معظم درجاته يؤدي إلى مبنى تحت الأرض على شكل صليب، وتظهر فيه الأعمدة الرخامية المكونة للدير والتي تهاوت من البناء العلوي نتيجة الهزات الأرضية وعوامل الزمن، ويظهر في المكان بقايا للتابوت الرخامي الخاص بالقديس هيلاريون.

والجزء الرابع عبارة عن حوض التعميد والصالات المؤدية له، ويغطي أرضية إحداها فسيفساء تحمل منظر زهرية يخرج منها أغصان ملتفة تحمل عناقيد العنب والأوراق وداخل هذه الأغصان صور لحيوانات وطيور تعبر عن البيئة الموجودة في ذلك الوقت.

أما الجزء الخامس والأخير فهو منطقة الحمامات وتظهر الآثار الباقية منها تقسيمات الغرف الخاصة بالحمام، مثل غرفة الماء الساخن والبارد وغرف الانتظار ويظهر أسفل هذه الغرف  فتحات دخول الماء وخروجه وكذلك بيت النار هذا إلى جانب وجود شبكة واسعة من قنوات المياه المصنوعة من الفخار والرصاص وشبكة قنوات صرف  صحي تؤدي إلى خارج الدير، ويدل على وجود المعصرة بقايا قطع رخامية وآثار أخرى تدل على وجود بئر خاص بالدير.

ترميم وتنقيب

وقد خضع الموقع لعدد من مشروعات الترميم والتطوير، حيث يشرح مدير أحد هذه المشاريع د.أحمد محيسن ( من مركز إيوان بالجامعة الإسلامية) قائلا: إن بداية مشروعات ترميم الموقع كانت عام 2000م  ولكن المشروع توقف بعد انتفاضة عام 2005م وترك إلى أن تقدمت الجامعة الإسلامية عام 2010م بمقترح لاستئناف العمل بالتعاون مع الشريك الحلي (وزارة السياحة والآثار) ومع اليونسكو وبتمويل من القنصلية الفرنسية، وقد تم التعاون مع الخبير الفرنسي (رينيه أليتغ) الذي عمل في التنقيب عن أجزاء المنطقة وتوثيقها، وقد مضى ثلاث سنوات على هذا التعاون ومازال هذا المشروع مستمرا حتى اللحظة، ويوضح د. محيسن بأن الموقع قد تعرض للسرقة والانتهاكات من المتطفلين كما تعرضت أجزاء كثيرة منه للتشققات بسبب الاهتزازات الناجمة عن الانفجاريات خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام( 2008 – 2009م ).

استراتيجيات الحفاظ

قد تحدث م.محمود البلعاوي (منسق مشاريع الحفاظ في مركز إيوان بالجامعة الإسلامية) عن استراتيجيات الحفاظ  المستقبلية للموقع قائلا: ” إن أي موقع أثري مهما كان ما في باطنه أكثر مما فوقه يجب فتحه للزوار ومهما كان به من أعمال ترميم وتنقيب فهو يعتبر حق للمجتمع، لذلك يجب استكمال الترميم للحد الأدنى الذي يمكن معه دخول الزوار والسياح بأمان”، ويقسم البلعاوي استراتيجيات الحفاظ المستقبلية إلى قسمين أساسيين: الأول تأهيل الموقع نفسه، والثاني تأهيل المحيط الخارجي للموقع، ويوضح م. البلعاوي أن تأهيل الموقع نفسه يشمل خطة ممنهجة في الترميم والتنقيب، أما تأهيل الوسط المحيط فيشمل وضع تشريعات للبناء من حيث نسب الإشغال، وارتفاعات المباني والنمط المعماري والارتدادات وعروض الشوارع وحتى الحركة المرورية وكل هذا بما يتلاءم مع الموقع لحمايته وإبرازه ضمن النسيج العمراني المحيط، كما لابد من تطوير البنية الاقتصادية والثقافية للمحيط من خلال توفير خدمات ذات طابع ثقافي واقتصادي لتعزيز السياحة كأن يتم توفير محلات لبيع التذكارات، ومتحف لعرض المقتنيات والصور والمجسمات.

كما ويوصي د.محيسن بضرورة تكاتف كل الجهود وكل المؤسسات التي تهتم بالعمارة والتراث والتاريخ للحفاظ على هذا الموقع ووقف التهديدات والانتهاكات التي يتعرض لها، ولابد من زيادة الوعي المجتمعي بأهمية هذه الآثار من خلال وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة، والتركيز على فئة الطلاب سواء طلاب المدارس من خلال الرحلات المدرسية، أو طلاب الجامعات بإشراكهم في عمليات الترميم والتنقيب.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ورثت عن والديها الشعر والرسم

يجب أيكون الهدف رئيسي بأن تخدم وطنك وترتقي بنفسك وليس هدفا ثانويا، هكذا كانت تتغلب على لحظات الإحباط.