الرئيسية » مجتمع وناس » فن الرسم الكاريكاتيري..الفن المضحك المبكي

فن الرسم الكاريكاتيري..الفن المضحك المبكي

فن ساخر ساحر يتألف من مجموعة من الخطوط والرسوم والألوان، له قدرة غريبة في النقد تفوق البلاغة اللغوية التي تحويها المقالات الصحفية، فن يجذب الجمهور بجرأة ريشة صاحبه، يعبر عن هموم الناس ويعكس واقع المجتمعات، ويتحدث بلسان الشعوب، فن يبالغ في تحريف المزايا والملامح الجسدية ليضفي شيئا من الفكاهة والطرافة ويحول الأحداث المبكية في بعض الأحيان إلى صورة مضحكة لعله بهذا يخفف من سخط الناس على تلك الأحداث، “الرسم الكاريكاتيري” هو فن قريب من عامة الناس، يتتبعه بشغف متصفحو المجلات الشهرية والصحف اليومية بل وحتى مواقع الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي باتت مليئة بمثل هذه الرسوم الناقدة، وتجول “الثريا” بين تفاصيل الصورة والريشة لتكتشف خبايا هذا الفن المؤثر مع متتبعيه ونخبة من فنانيه.

يعتبر الرسم الكاريكاتيري من فنون الرسم القديمة والتي اشتهر بها القدماء المصريون والآشوريون، وتتطور هذا الفن بأسلوبه وآلية تنفيذه ولكنه بقي فن الضحك المَُر على حد تعبير الدكتور علاء اللقطة (الرسام الكاريكاتيري الفلسطيني) والذي حاز على الجائزة الثانية في مسابقة للكاريكاتير العربي لعام 2013م، حيث يوضح د. اللقطة سبب تعلق الناس وتأثرهم بالرسوم الكاريكاتورية قائلا: “إنه يقدم للمشاهد وجبة دسمة تختزل الحدث وتغوص في عمقه بطريقة ساخرة ، فهو فن تستطيع قراءته في لحظات ويستوطن ذاكرتك لسنوات،
وهو يعبر عن هموم الناس وأفكارهم ويلمس واقع حياتهم ومشاعرهم المكبوتة، فيعكس ما يدور في خلجات صدورهم دون أن يهمسوا بكلمة واحدة، هو فن جريء لا تحده حدود، ولا حصانة منه لأحد مهما بلغ من منازل القوة والسلطان”.

الصورة أصدق من الكلمة

للصورة سحر خاص وهذا ما يجعل من رسوم الكاريكاتير لغة أسهل وأعمق من لغة الكلمة في المقالات والتقارير الصحفية ويفسر د. اللقطة  هذا قائلا: ” تعلق الصورة بالذهن البشري أكثر بكثير من الكلمة المطبوعة، وذلك لأنها ترسم الواقع والأحداث بشكل أبلغ وتصل الفكرة للجمهور بطريقة أسرع من أي كلمات تقرأ، فرسام الكاريكاتير يجب أن يكون صحفيا ماهرا ومفكرا متميزا وإنسانا مرهف الحس، صاحب تجربة في الحياة وفوق هذا وذاك صاحب ريشة مبدعة، وبتجمع هذه الصفات ينتج عملا أكثر عمقا وتأثيرا من المقالات الصحفية”، ويؤكد الشاب محمد السيد (أحد متتبعي رسوم الكاريكاتير على الانترنت) بأن الرسوم الكاريكاتيرية فيها وصف حقيقي للواقع وهذه الرسوم لا تخاف ولا تجزع من أن تقول كلمة الحق ربما لأنها رسوم وألوان وليست كلمات صريحة، وهذا ما يجعلها قريبة من الشباب المتحمس والمندفع، كما ويرى المهندس فادي زاهر(رسام في وحدة زيتون للرسوم المتحركة في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية) بأن عصر السرعة الذي نحياه اليوم لا يتسع لقراءة سطور طويلة من العبارات الجافة التي لا تحمل سوى الأخبار المشئومة والمعلومات المشكوك في صحتها، لذلك يظل الكاريكاتير طريقة عملية وراقية في توصيل الفكرة والخبر وأن الصورة تتجاوز حدود اللغة وتخاطب كل البشر على اختلاف درجاتهم العلمية والثقافية، فحتى الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة تصله فكرة الكاريكاتير دون مجهود يذكر.

ما بين الفكرة والتنفيذ

وعن فكرة هذه الرسوم الفكاهية يشرح د. اللقطة قائلا: ” إن الفكرة هي العنصر الأساسي في فن الكاريكاتير فهي اختزال لمشاهد كثيرة وأحداث جسيمة، يتم صياغتها بمهارة فائقة من خلال خطوط بسيطة تغني عن الكثير من الكلام، كما أن الفكرة تحتاج إلى متابعة حثيثة للحدث اليومي وقراء أكاديمية متأنية للأحداث والغوص في فحوى الخبر ودلالاته، هذا بالإضافة إلى حاجة الفنان لثقافة واسعة والتي لا تأتي إلا بالمطالعة والقراءة المتنوعة الغزيرة، كما ويوضح م. زاهر بأن الفكرة هي أساس أي عمل مبدع ولكن في المقابل هناك كثير من الأفكار تبقى محلقة في السماء إلى أن يجد الفنان الصياغة المناسبة لها والطريقة المثلى لترجمتها، فإن وجدت الفكرة القوية وصيغت بطريقة جيدة أثر العمل في المتلقي بشكل أكبر وأسرع وكان أكثر إقناعا ووضوحا ويرى بأن منبع الأفكار هو مواقف الحياة اليومية، فالفنان ما هو إلا إنسان في هذا المجتمع يتعرض لكل ما يمر بالشعوب في حياته اليومية وتكون ردود أفعاله على شكل خطوط وألوان وفكاهة تسخر من الواقع الذي يعيشونه.

فن نابع من القلب

ويوضح م. زاهر بأنه على الرغم من دراسته للهندسة المعمارية إلا أنه يحب رسم الصور الكاريكاتورية ويقول: “لا أعرف إن كان هناك كلية متخصصة لرسم الكاريكاتير ولكنني أؤمن أنه إن وجدت هذه الكليات فإنها ربما تعلم بعض المبادئ والأسس الخاصة بهذا الفن ولكنها لن تعلم الإبداع والتميز كما أن منبع الأفكار هي أحداث الحياة اليومية والأحاسيس الناتجة عن تلك المواقف، ولكن ترجمة الفكرة إلى رسم كاريكاتوري يخضع بشكل لا إرادي لقواعد الفن والرسم من اتزان التكوين وتناسق الألوان ووحدة وبساطة الرسم، ويؤكد د. اللقطة بأن كليات ومدارس الفنون الجميلة قد تعلم كيفية الرسم والتلوين ولكنها لن تعلمك كيفية الخروج بفكرة مبدعة والتي تتطلب إمكانيات لا تتيحها الكتب ولا المحاضرات، وليس كل رسام يمكن أن ينجح في عالم رسم الكاريكاتير، فهو فن يعتمد على القدرات الفردية الخاصة.

جرأة الريشة

فن الكاريكاتير هو فن المبدأ والرسالة وهذا ما يجعله قريبا من نبض الشعوب حيث يؤكد د. اللقطة بأن الفنان الذي تتراقص ريشته تبعا لمصالح شخصية محددة أو وفقا لسلطة أو قوة معينة يفقد بريقه مهما بلغ من المهارة ويعزف الناس عن متابعته لأنهم قد ملوا من كثرة النفاق والكذب والتزوير في إرادة الشعوب، ومن بقيت أسماؤهم متألقة في هذا الفن هم من آمنوا بالفكرة ودافعوا عنها ولقوا في سبيلها من العنت والتعب الشيء الكثير، بل منهم من قدم روحه فداء لفكرته ومبدئه، فكان شهيدا لريشته، فلا يجوز لفنان الكاريكاتير أن يكون محايدا، لأن المحايد وإن لم ينصر الباطل فهو بلا شك قد خذل الحق ولابد لفنان الكاريكاتير أن يكون منحازا لشعبه وأمته وثوابته.

ومهما تعددت الأساليب والجمل البلاغية واللغوية لوصف هذا الفن الجميل والراقي الذي يحترم العقول تبقى الصورة هي الأبلغ وريشة فنانيه هي الأصدق خصوصا في ظل فسحة الحرية التي بدأت تتسع، وثقافة الأجيال التي أصبحت أكثر عمقا وذكاء، فواقع الكاريكاتير العربي حاليا بخير كبير ويتقدم بامتياز كما وصفه د. اللقطة ويرى بأن فن الكاريكاتير العربي أخذ موقعه وبجدارة على خارطة الفن العالمي وسجل مبدعوه علامات بارزة في مسابقات ومواقع دولية كما أن الكاريكاتير الفلسطيني بات في مقدمة هذا الفن وبجدارة.

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تهيئة الطفل للذهاب للمدرسة والروضة

السمتشارة الاسرية: سناء عيسى يحتاج الطفل إلى تهيئة عند الانتقال من أي مرحلة لأخرى ليشعر ...