الرئيسية » فلسطينيات » فلسطين تجمعنا » عروسُ الجليلِ الأعلى “صفد”

عروسُ الجليلِ الأعلى “صفد”

مآذنُ وبيوتُ وحاراتُ “صفد” شامخةٌ تنتظرُ غائبيها

بيوتُها وحاراتُها وأزِقتُها ومآذنُها ودكاكينُها وأشجارُها وبساتينُها، ما زالت شامخةً تنتظرُ عودةَ أهالي “صفد”، إنها عروسُ وعاصمةُ الجليلِ المتربعةُ على صدرِ وسفوحِ جبالِ الجرمُق، المتاخمةِ للحدودِ اللبنانيةِ، هذه المدينةُ التي عُرفتْ بجغرافيتِها ومُناخِها وقلعتِها وينابيعِها العذبةِ…، تتميزُ بطبيعتِها الخلابة، وأشجارِها المتشابكةِ اليانعة، تفترشُ قِممَ جبالِ الجليلِ الغربي ، في فلسطين، جبالِ “كنعان والجرمق”،  جبلُ القلعةِ وسطَها ، وجبلُ الأكرادِ من تراثِها ، شامخةٌ شموخَ جبالِها وتاريخِها، فهي المدينةُ الفلسطينيةُ التي تقعُ في الزاويةِ الشماليةِ الشرقيةِ لفلسطين، وعلى زاويةِ الحدودِ السوريةِ اللبنانية ، تطلُّ على بحيرةِ “طبرية” الواقعةِ جنوبَ شرقِ المدينة ، وبحيرةِ “الحولة” _ التي جفّفَها المحتلون_ شمالَ شرقِها .

تجوّلَ مراسلُنا بينَ أزِقةِ المدينةِ وحاراتِها؛ فدخلَ أحدَ المنازلِ المهجورةِ، كانت رائحةُ أشجارِ الليمونِ تنتشرُ في المكانِ، وكان البيتُ غيرَ مهجورٍ، كان عبارةً عن صالةٍ كبيرةٍ تتوسطُها شجرةُ ليمونِ، وبجانبِها بئرٌ للمياهِ، وكراسٍ خشبيةٌ قديمةٌ مركونةٌ في آخِرِ الصالةِ، وحشائشُ حرشيةٌ صغيرةٌ بين الجدرانِ، ومطبخٌ صغيرٌ ما زالت الأواني والأطباقُ الفخّاريةُ موجودةً في خزانتِه الخشبيةِ الصغيرةِ،  وكم عجِبتُ من عمرِها الكبيرِ، برغمِ صناعتِها البدائيةِ! فهي لم تتأثرْ مع الهجرِ! وهذا ما أكدَ يقيني وثقتي أنّ البيوتَ تنتظرُ أهلَها الغائبين ، وما زالت صورةٌ _تتوسطُ الغرفةَ_ بالأبيضِ والأسوَدِ؛ كساها الغبارُ؛ فغطّى ملامحَ صاحبِها؛ فبتلقائيةٍ وعفويةٍ قمتُ بمسحِها بمنديلٍ ورقيٍّ، وأخذتُ أتمعّنُ صاحبَ البيتِ؛ يا ترى هل ما زال على قيدِ الحياةِ؟ وهل ما زال الأملُ داخلكَ للعودةِ لصفدِك؟ كانت ملامحُه جادةً وقويةً، صاحبَ قامةٍ طويلةٍ، وعيونٍ واسعةٍ، وشفتَينِ غليظتَينِ، وشاربٍ كثيفٍ يغطيهِما، يقفُ وقفةَ الواثقِ بزِيِّه الفلسطينيّ المتعارَفِ عليه .

انتقلنا إلى الغرفةِ الثانيةِ؛ كانت صغيرةً؛ ويوجدُ فيها خزانةُ ملابسَ صغيرةٌ؛ يعتليها الغبارُ… لم أشعرْ بالغربةِ في هذا البيتِ، أو الخوفِ؛ لأنه مهجورٌ لسنواتٍ، فأصحابُه يبدو أنهم تركوا أملَهم وأنفاسَهم فيه  .

 خرجتُ من البيتِ تاركاً عبقَ الماضي والذكرياتِ فيه، ليخبرَنا بأنّ أرواحَ الأجدادِ والآباءِ ما زالت موجودةً.

 تنقلتُ بين الحاراتِ والأزِقةِ، شعرتُ بغصّاتٍ كادت أنْ تقتلَ قلبي، وترميني أرضاً؛ حين رأيتُ بعضَ البيوتِ حُفرتْ عليها بعضُ الأشكالِ والخزعبلاتِ الإسرائيليةِ؛ لتنسبَ المكانَ لها، ولكنّ العجيبَ حين تجدُ بيوتاً بأكملِها عمَى اللهُ أعينَهم عنها؛ ولم يمَسُّوها! فاستشعرتُ بالقدرةِ الإلهيةِ لحفظِ المكانِ من أعمالِهم القذرةِ .

أمُّ الدكاكينِ الصغيرةِ… حكاياتٌ لا توصَفُ، فهي ما زالت مغلقةً بأقفالِ أصحابِها، وتغطيها النباتاتُ الصغيرةُ، ونباتُ الصبّارِ تحوِّطُها من جميعِ الجهاتِ، فهي مستوطنةٌ طبيعةٌ تحمي الأماكنَ من اقترابِ العدوِّ لها، لتخبرَه أنّ أصحابَها عائدونَ، وإنْ طالَ الزمنُ ! ما أجملَ منظرَها تلكَ الدكاكين؛ وهي مُصطفةٌ بجانبِ بعض! وكُتبَ على بعضِها بخطٍّ قديمٍ (أبو محمد، أبو حجازي، تحسين)، فهي تنتظرُ رجوعَهم باحتفاظِها بأسمائها .

أثناء جولتِنا بين حاراتِ المدينةِ؛ رافقَنا الخمسيني “هشام حجازي” من سكانِها، والذي يعاني هو وأسرتُه من ويلاتِ المعاناةِ والعنصريةِ الصهيونيةِ،  ومحاولاتٍ متكرّرةٍ لتهجيرِه وترْكِ منزلِه، فهو يسكنُ بالقربِ من مسجدِ “اليونسي”، فيقولُ :”لم نتركْ أراضينا ومنازلَنا، وبقيَ والدي وجدّي، ولم يغادروا؛ برغمِ الهجمةِ الشرسةِ من قبلِ المستوطنين، والمضايقاتِ اليوميةِ المتجددةِ، فكلُّ يومٍ يُصدِروا مخالفاتٍ بحقِّنا… ومعَ مرورِ الأعوامِ كبرنا، وكبرَ أولادنا، وكبرَ معنا تمسُّكُنا بأرضِنا وبعاداتِنا وتقاليدِنا .

أخذَنا “حجازي” إلى أرضِه المزروعةِ بالأشجارِ والنباتاتِ، فهم يقطنونَ بجوارِها، فكان رجلٌ تسعينيّ يفترشُ الأرضَ، وحولَه أحفادُه يردِّدونَ أسماءَ العائلاتِ في “صفد”، وأسماءَ المساجدِ والحاراتِ، فاستقبلَنا بحفاوةِ الفلسطينيّ؛ بترحيبٍ  تركَ في النفسِ أثرَ الأصالةِ والشهامةِ، إنه الحاج “أبو الوليد حجازي”، تحدثتْ إليه “السعادة” فيقول :”ما طلعتْ من أرضي، حتى لو كان بِدّو يكلّفني روحي! شُفتْ أيام ما كنت أتخيلْ راح يطلع علينا نهار، من شدّة التعذيب؛ للإجبارِ على مغادرةِ البيت! حُصر بيتي لأسابيع منعنا من الخروج منه! كل يوم تصاريح “إخطار، سجن، ضرب”؛ ولكنّ هذا لم يقلّلْ من صمودِنا وبقائنا، وما زاد الطينَ بِلّة؛ عندما أتتْ عائلةٌ اسرائيليةٌ لتسكنَ بجوارِنا، فكانت تستخدمُ أساليبَ متنوّعةً في استفزازِنا؛ كفَتحِ الأغاني بصوتٍ عالٍ في الليلِ، ورميِّنا بالحجارةِ، والتلفظِ بألفاظٍ سيئةٍ، ولكنْ بفضلِ اللهِ اعتدْنا على ذلك، وأصبح جزءاً مِنّا .

ويعاودُ ابنُه الحديثَ معنا؛ ليخبرَنا قائلاً:” ما أساءنا ووقفنا عاجزينَ؛ حينما حوّلوا مسجدَ “اليونسي” إلى مرسمٍ لهم! فما كان من أبي إلاّ أن اصطحبَنا عندَ موعدِ الصلاةِ؛ لنصلي أمامَ بابِ المسجدِ، فكثيراً ما كانوا يستفِزّوننا ،ويلقونَ علينا المياهَ والحجارةَ، ولكننا نواصلُ صلاتَنا، فكان هذا الأمرُ يَحرقُهم، وخاصةً عند إقامةِ والدي للصلاةِ؛ فنجدُهم يغلقونَ الأبوابَ والشبابيكَ في محاولةٍ فاشلةٍ كي لا يَسمعوا صوتَ الأذانِ!.

استوقفتْنا أثناءَ جولتِنا مئذنةُ  مسجِد “خفاجة” المتبقيةُ  منه، في وسطِ المدينةِ، أمّا المسجدُ الأحمرُ، كان دارَ العلمِ الأولى في المدينةِ، وقد وصفَه “أوليا جلبي” الرحالةُ التركي، بأنه كانت تغطي المسجدَ من الخارجِ قبّةٌ مسكوبٌ فوقَها الرصاصُ، كما غطّي الرصاصُ رأسَ المئذنةِ التي تُشبه الأبراجَ في ضخامتِها وعلوِّها، وقد اكتسبَ هذا الجامعُ اسمَه من حجارتِه الحمراءِ المصقولة، بعدَ سقوطِ “صفد” في يدِ عصاباتِ الصهاينةِ لفترةٍ، كمَلهَىً ليلِيٍ، ومن ثم استُعملَ كمعلفٍ للأبقارِ، وهو الآن مغلقٌ.

       والجرحُ كبيرٌ حين رأينا المسجدَ “اليونسي” قد  حولّه المحتلونَ الصهاينةَ إلى معرضٍ للرسومِ والصورِ! فبرغمِ التغيّراتِ التي أجريتْ عليه لتغيّرَ ملامحَه؛  إلّا أنّ إسلاميةَ المكانِ تطغَى عليه، وعُرفَ باسمِ الجامعِ الكبيرِ ، أو جامعِ السوق، وهو أكبرُ مساجد “صفد”، وقد بُني في أواخرِ العصرِ العثماني (1318هـ).

“صفد” كانت ومازالت على ما هي عليه؛ كما تركها أهلُنا، ووصفوها لنا ، فمازالت المدينةُ العربيةُ الفلسطينيةُ موجودةً على حالِها ، حاراتُها ، أزِقتُها ، بيوتُها ،أسواقُها، أدراجُها و شوارُعها ، برغمِ عواملِ الزمنِ الذى أهلكَها قليلاً، أو هدمَ بعضاً قليلاً من بيوتِها ، وبرغمِ  أنّ المحتلّينَ _فقط_ أدخلوا بعضَ التحسيناتِ على ما هو قائمٌ من شوارعَ، وبعضِ الطرُقاتِ ، أو بعضِ أماكنِ التسوقِ في المدينة ، و اهتموا بهدمِ بعضِ الجوامعِ، وتحويلِ البعضِ الآخَرِ إلى متاحفَ لتاريخِهم المزيّفِ ، وبنوا لأنفسِهم أحياءً جديدةً حولَ المدينةِ، وأتبعوا هذه الأحياءَ إليها، وجعلوا من “صفد” مدينةً دينيةً ، سياحيةً ، تراثيةً، لموقعِها المميّزِ ، وباتت وِجهةً لفناني ومثقفي العالمِ، و كلِّ الباحثينَ عن جمالِ الطبيعةِ، وطبيعةِ موقعِها .

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التطبيع للواجهة من جديد

علينا الاجتهاد ببرامج توعوية تشمل كل الشعوب العربية للتحذير من مخاطر التطبيع ليس على القضية الفلسطينية وحدها وإنما على تطور وتنمية الدول العربية ومقدراتها .