الرئيسية » أسرتي » أزواج وزوجات » الزوجُ سليطُ اللسانِ يَقتلُ العلاقاتِ الزوجيةَ والأُسرية

الزوجُ سليطُ اللسانِ يَقتلُ العلاقاتِ الزوجيةَ والأُسرية

تحقيق-أمل زياد عيد

“زوجي سليطُ اللسانِ” فكيف أتصرّفُ معه؟ كانت هذه إحدى الشكاوَى التي اشتكتْ منها واحدةٌ من النساءِ على موقعٍ مُختصٍّ بالمشاكلِ الأسرية، وما أنْ تحدّثتٍ عن مشكلتِها؛ إلّا وتلتَها  الكثيراتُ ممّن نفِدَ صبرُهنّ من أزواجِهنّ وتجريحِهنّ وتوبيخِهنّ بألفاظٍ تتعدّى حدودَ الأدبِ والاحترامِ على مَسمعِ الغريبِ والقريبِ، ودونَ أيِّ سببٍ يُذكَرُ، فطولُ اللسانِ صفةٌ سيئةٌ تُلازمُ بعضَ الرجالِ، وتقضي على كلِّ الجوانبِ الحميدةِ التي يتمتعُ بها..

من هو الرجلُ سليطُ اللسانِ؟ يُعرّفُ أستاذُ علمِ الاجتماعِ في جامعةِ الأقصى الدكتور “عائد الكحلوت” هذا النوعَ من الرجالِ بأنه الذي يَقهرُ الآخَرَ (زوجة – مرؤوس -أبناء)  من خلالِ لسانِه البذيءِ الفظّ؛ الذي يتركُ جرحاً في نفسِ الآخَرينَ، ويهدّدُ صحتَهم النفسية، ويهزُّ ثقتَهم بأنفسِهم، سواءً كان ذلك على انفرادٍ أَم أمامَ جمعٍ من الناسِ، وهذا ليس مُجردَ سلوكٍ؛ بل عادةٍ همجيةٍ تستهدفُ الهيمنةَ وإخضاعَ الآخَرينَ، والانتصارَ فيما يظنُّ أنها ساحةُ صراعٍ!.

شخصٌ غيرُ مُتّزِنٍ :

يقول :”أساسُ العلاقةِ الزوجيةِ هو التراحمُ والسكَنُ، ولَمّا كان الشتمُ أحدَ أشكالِ العدوانِ، فهذا يتنافَى مع الأساسِ الذي تُبنَى عليه الأسرةُ؛ وهو الرحمةُ والمودةُ، ويُعَدُّ  انتقاصاً من شأنِ الزوجةِ، وهذا يعني أننا أمامَ شخصٍ غيرِ مُتزِنٍ؛ يلجأ إلى الشتمِ والبذاءةِ في إنهاءِ المواقفِ؛ وفي اعتقادِه أنه يحلُّها؛ فهو لا يجيدُ إدارةَ علاقاتِه الاجتماعيةِ، ويبرّرُ فشلَه بمهاجمةِ الآخَرينَ وسبِّهِم والسخريةِ منهم”!.

يضيف :” ليس من حقِّ الرجلِ سبُّ زوجتِه ولو كانت مخطئةً؛ لأنّ تكرارَ السبِّ والشتمِ يؤدي إلى تكوينِ اتجاهٍ سلبيٍّ سواءً نحوَ الزوجِ أو نحوَ الذاتِ، فالأساسُ في العلاقةِ تصويبُ الأخطاءِ وليس العقابَ؛ لأنّ الشتمَ والسبَّ والسخريةَ وغيرَها من الأساليبِ؛ هي سلوكٌ عدوانيٌّ، وأسلوبٌ عقابيّ لا يجوزُ استخدامُه،  والتمادي فيه.

فَشُّ الخُلقِ :

ويُرجعُ د. “الكحلوت” هذه الشخصيةَ لعِدّةِ أسبابٍ؛ كالهَيمنةِ الذكوريةِ التي تُكرِّسُها الثقافةُ والتنشئةُ التي تعطي للرجلِ الكثيرَ من الحقوقِ في ايقاعِ العقوبةِ على مَن هم تحتَ مسئوليتِه، و الظروفُ التي نعيشُها تجعلُ من الصراخِ و السبِّ والشتمِ وسيلةً للتفريغِ  والحصولِ على الحقوقِ_ كما يعتقدُ البعضُ_! ، و المرأةُ هنا هي الطرَفُ الأضعفُ الذي يرى الرجلُ أنّ من حقِّه أنْ يُفرِغَ ما بداخلِه  فيها ، و هناك أسبابٌ خاصةٌ  تقعُ فيها المسئوليةُ على  المرأةِ ، بقَبولِها أولَ مرّةِ للشتمِ أو السبِّ أو السخريةِ من الزوجِ ، و التي تكونُ بدايةَ بالونِ اختبارٍ لها ، فإذا ما استكانت أصبحَ ذلك حقاً مكتسَباً للرجلِ؛ الذي يمكنُ أنْ يتمادَى في هذا السلوكِ، وقد يصبحُ سِمةً من سماتِ علاقتِه بزوجتِه! ، بحيثُ يُظهِرُ هيمنتَه و نرجسيتَه في إيذاءِ زوجتِه لفظياً؛ سواءً كان ذلك في المجالِ الخاص أو العام، ورُبما شعورُ الرجلِ بإهمالِ الزوجةِ له،  وغرقِها في مسئولياتِ البيتِ و الأولادِ ، رُبما كان شعورُه بالنقصِ تُجاهَ زوجتِه لمكانتِها الوظيفيةِ أو درجتِها العلميةِ ،  وهذا كلُّه ناتجٌ من الزواجِ غيرِ المتكافئِ “.

ويوضّحُ أنّ تعرُّضَ المرأةِ للإهانةِ والسخريةِ يُحوِّلُها لزوجةٍ منكسرةٍ مهانةٍ ضعيفةٍ، وهذا يُلقي بظلالِه على العلاقةِ برُمّتِها، فضلاً عن قدرةِ الزوجةِ على إدارةِ الحياةِ الزوجيةِ ورعايةِ الأبناءِ، فهي في خوفٍ دائمٍ من تسلُّطِ الزوجِ؛ وهذا يوقِعُها في الأخطاءِ نتيجةَ حِرصِها الشديدِ على تلافي الشتائمِ التي يُمكِنُ أنْ تَلحقَ بها؛ وبالتالي تَفقدُ الأُسرةُ قيمةً من القيَمِ وهي القدوةُ.

بينَ نارَينِ :

ويبيّن د. “عائد” أنّ المرأةَ بينَ نارَينِ ؛ الحفاظُ على كيانِ الأسرةِ ، و الحفاظِ على كيانِها ؛ ما أوجبَ عليها التعاملَ بحكمةٍ مع هذا الموضوعِ ، فمن البدايةِ يُمكِنُها أنْ تضعَ حدوداً في طريقةِ التعاملِ خلالَ فترةِ الخطوبةِ ، فلا يصبحُ الشتمُ و السبُّ و السخريةُ حقاً مكتسَباً لزوجِ المستقبلِ ، وإذا فشلتْ؛ يُمكِنُها اللجوءُ إلى الذين يملكونَ التأثيرَ على زوجِها مِثلَ والدَيه ، و يجبُ أنْ تلقَى دعماً من أسرتِها (والديها و إخوتها) ، و يُمكنُ أنْ تلجأَ إلى التهديدِ بالردِّ دونَ أنْ تفعل؛ لأنّ ذلك قد  يؤدّي إلى أمورٍ لا تُحمَدُ عُقباها ، كما يمكنُ لفتُ نظرِ الزوجِ دينياً إلى أنها أمانةٌ عندَه ، و أنّ الكريمَ من يُكرِمُ المرأةَ، و اللئيمَ من يهينُها أو يجورُ عليها ، ويمكنُ أنْ تتركَ البيتَ ليشعرَ بقيمتِها ، وأنّ عودتَها مشروطةٌ بالاحترامِ ،   حتى يصلَ الزوجُ إلى قناعةِ  أنه لا يمكنُ أنْ يضحي بسهولةٍ بالتكوينِ الاجتماعي الذي أنشأه مع زوجتِه و هو الأُسرة ، كما أنّ العصبيةَ  والشتمَ و السبَّ يمكنُ أنْ تكونَ الخصلةُ الوحيدةَ السيئةَ فيه ، و بالإمكانِ التوجُهُ إلى أخصائي نفسي و اجتماعي إذا لزمَ الأمر.

غيرُ مُرَحَبٍ بهِ :

من ناحيتِها ترى الأخصائيةُ النفسيةُ “أمال شويدح” أنّ الزوجَ سليطَ اللسانِ هو صاحبُ الصوتِ المرتفعِ؛ الذي إذا دخلَ بيتَه ملأ أرجاءَ البيتِ تبرُّماً وضجيجاً، وأدخَلَ طاقةً سلبيةً لكُلِّ الأسرةِ، وهو دائمُ التذمُرِ والاعتراضِ؛ يستخدمُ ألفاظاً مارقةً ومحبِطةً، وانتقاداتٍ جارحةً، وهو مَن نسمعُ زوجتَه عادةً تقولُ أنّ يومَ الجمعةِ ,أو يومَ إجازتِه هو يومُ القلقِ في البيتِ، وكأنه يومٌ عاصفٌ غيرُ مُرَحَبٍ به! ؛ لأنه ثقيلٌ على أعصابِ الزوجةِ! فالحياةُ معه صعبةٌ لا تُطاقُ ، فهو لا يراعي مسامعَ الزوجةِ ولا الأبناءِ ولا الجيرانِ ، فعِشرتُه صعبةٌ، مُلفتةً إلى أنّ حياتَه الزوجيةَ تطولُ مع الزوجةِ الخانعةِ البسيطةِ؛ لكنْ يفشلُ بالاستمرارِ مع الزوجةِ التي تدافعُ عن ذاتِها.

وتقول:” أنْ تعيشَ المرأةُ مع رجلٍ سليطِ اللسانِ؛ يعني أنْ تتعرضَ لأصعبِ أنواعِ العنفِ؛ وهو “اللفظي”؛ ولهذا لا يحقُ للزوجِ أنْ يستخدمَ ألفاظاً جارحةً وغيرَ لائقةٍ مع زوجتِه؛ حتى وإنْ كانت مُهمِلةً أو ذاتَ قدْرٍ محدودٍ من الثقافةِ أو الذكاءِ، فلا علاجَ بالتجريحِ والتعدي!، فهناك وسائلُ اجتماعيةٌ وطرُق تقويمٍ مختلفةٌ لمعالجةِ ذلك، فليست الشتائمُ مسارَ تعديلٍ بكلِّ الأحوالِ؛ وخاصةً أنها تتحولُ لضغوطاتٍ نفسيةٍ لا تُحمَدُ عُقباها”.

فلو وجدنا رجلاً ملتزماً محافظاً على الصلواتِ، كثيرَ الصدقاتِ، يصومُ، يحجُّ؛ لكنه يسيءُ العِشرةَ مع أهلِه!، فإنّ هذا ناقصُ الالتزامِ بلا شكّ. عن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي). أخرجه الترمذي. فالزوجُ الذي يسبُّ أو يلعنُ زوجتَه؛ ليس ملتزِماً تمامَ الالتزامِ؛ لأنُ يسبُّها ويسبُّ أهلَها أباها وأمَّها لأدنَى سببٍ؛ فهذا لا يدلُّ على الالتزامِ في هذه المعاملةِ الخاصةِ، وأوصى النبيُّ _صلى الله عليه وسلم_ بالنساءِ، وقال في خطبةِ حَجّةِ الوداعِ، في يومِ عرَفة، في أكبرِ اجتماعٍ به _صلى الله عليه وعلى آله وسلم_. «اتقوا اللهَ في النساءِ؛ فإنكم أخذتموهُنّ بأمانِ اللهِ، واستحلَلتُم فروجَهُنّ بكلمةِ الله».

عن إدارة الموقع

شبكة الثريا .. شبكة اجتماعية ثقافية أسرية .. نرتقي بثقافة الأسرة لأنها اللبنة الأساس في المجتمع الصالح .. نسعى لنشر المفاهيم الأسرية الناجحة من منظور إسلامي .. ونسعد بتواصلكم ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عصبيةُ الآباءِ والأمهاتِ تَقطعُ حبلَ المحبةِ عندَ الأبناء

أبناءٌ يشتَكونَ من عصبيةِ آبائهم وأمهاتِهم المُفرِطة، فلا يوجدُ عندهم فرصةٌ للتفاهمِ أو الأخذِ والعطاءِ! ...